صورة شاعر... ذكرى قضية

محمود درويش في مصر

المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
TT

صورة شاعر... ذكرى قضية

المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971

ليست القاهرة بالمكان الممتع لنجوم الشِّعر. وأفترض أن العيب ليس في المدينة أو في الشاعر النجم، بل في اجتماعهما!
لا تلبّي القاهرة فكرة الشاعر عن نفسه أو تحقق له صورته التي يراها في المدن الأخرى؛ فبينما يتجمع الآلاف في أمسية لشاعر كبير في مدرج جرش أو استاد اللاذقية الرياضي، لا يتجاوز حضور أمسية شعرية في القاهرة المئات المفردة.
وربما يستريح البعض إلى تفسير ذلك بعلاقة القاهرة بالشِّعر، لكنه يعود في الحقيقة إلى علاقة المدينة بالنجم؛ فهي لا تحب أن تتطلع كثيراً إلى السماء، وتريد من نجومها أن يتعلموا مهارة السير في الشوارع، وتضمن لهم ألا يفقدوا نجوميتهم. نموذجها نجيب محفوظ وعبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل. نجم يحيِّي العابرين ويسأل النادل عن أولاده قبل أن يستريح على كرسيه في مقهى الرصيف.
لهذا سيبقى سوء التفاهم قائماً بين النجوم من شعراء العرب وبين المدينة، لكن علاقة محمود درويش الشاب مع القاهرة تختلف عن علاقة أي نجم أدبي آخر، علاقة أم بابن لم يكمل عدة الرضاع.
وقد كرَّس الكاتب الصحافي سيد محمود كتاباً لاستقصاء هذه العلاقة، صدر أخيراَ عن «منشورات المتوسط» في 335 صفحة، نصفها متنه البحثي والنصف الآخر يضم نصوص مقالات كتبها كبار المثقفين المصريين عن درويش الشاب ومقالاته وحواراته وتغطياته والكثير من الصور.
بحث المؤلف في أرشيفات الدور الصحافية، وأجرى لقاءات مع شهود الوقائع الأحياء عاقداً المقابلات بين الروايات، لتقديم سردية متماسكة ومفصّلة للمرة الأولى عن سنوات احتضان القاهرة للشاعر في بداياته الأدبية. وقد كانت تلك الفترة موضع التباس في الوقائع والتواريخ بالإضافة إلى التباس وضع درويش نفسه بوصفه فلسطينياً يحمل الجنسية الإسرائيلية، والتباس اللحظة السياسية؛ حيث أعدت مصر عبد الناصر خطة استقباله، ووصل إلى مصر السادات!
التباس وضْع درويش، هو التباس وضْع كل الفلسطينيين في الأرض التي صارت إسرائيل بعد النكبة، ووجدوا في الانضمام للحزب الشيوعي الإسرائيلي وسيلة للتعبير عن حقوقهم. ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 احتدم النقاش داخل الحزب وكان من نتيجته خروج الأعضاء الفلسطينيين ومعهم نحو 200 إسرائيلي ليشكّلوا القائمة الموحدة «راكاح» وبين أعضائه درويش وزملاؤه من الشعراء الفلسطينيين الذين سيجري تهريب قصائدهم وينحت لهم الروائي غسان كنفاني عام 1966 مصطلح «شعراء المقاومة». ومع النكسة عام 1967 سطع اسم درويش وتوالت دواوينه التي صارت خمسة قبل أن يغادر إسرائيل نهائياً عام 1970.
قبل أن يرى محمود درويش القاهرة كان قد صار نجماً فيها. بدأ الأمر بمقالات الناقد رجاء النقاش الذي نشر في 22 ديسمبر (كانون الأول) 1967، بعنوان «مطلوب محاولة عالمية لإنقاذ هذا الشاعر» واستمر في رهانه على درويش. نشر تالياً قصائد لدرويش في عدد يناير (كانون الثاني) 1968 في مجلة «الهلال»، وقدمها بعنوان «الكلمات أيضاً تقاوم». وقد صنعت «الهلال» برئاسة تحرير كامل زهيري الحدث الأهم في حياة درويش المحاصَر بالعداء، فنشرت ديوانه «آخر الليل» كاملاً في عدد مايو (أيار) من العام ذاته، وتوالت الحفاوة المصرية. محمد إبراهيم أبو سنة ينشر قصيدة بإهداء لمحمود درويش، ويكتب عنه صلاح عبد الصبور مقالاً بعنوان «القديس المقاتل»، وكتب الناقد الفني كمال النجمي مطالباً الملحنين بتلحين قصائده.

حماسة ثم رفض

في البداية كان وضع شعراء المقاومة مفهوماً ودور فلسطينيي الداخل مقدّراً في الحفاظ على الوجود الفلسطيني داخل الكيان الجديد، لكن سيقع الارتباك وتخفت الحماسة العربية مع ظهور اسم محمود درويش ضمن الوفد الإسرائيلي المشارك في مهرجان الشبيبة العالمي بصوفيا عام 1968.
قوبل درويش بعداء سافر من كل الوفود العربية في المؤتمر، وسيتذكر درويش مع سميح القاسم في مراسلاتهما التي نشرتها مجلة «اليوم السابع» في الثمانينات ذكريات النبذ المؤلمة التي تعرضا لها، لكن المصريين كانوا الأقل تشدداً، الأغلبية قبلت التواصل وإن لم تقبل رغبة درويش بإلقاء شعره أمامهم.
في أثناء وبعد المؤتمر قادت صحف عربية حملة ضد درويش وسميح القاسم اللذين سارا تحت العَلَم الإسرائيلي. وتوالت ردود أفعال تجرّم التعامل مع درويش. وفي دمشق صدر قرار رسمي بمنع دواوينه، وقام حزب البعث بفصل الكاتب الفلسطيني فيصل الحوراني لأنه تجرأ واتصل بشبيبة الحزب الشيوعي الإسرائيلي.

بين أنياب الاحتلال

في صوفيا تشبث درويش بفرصة سفر إلى موسكو حيث قضى فترة قصيرة في مدرسة إعداد الكادر الحزبي، عاد بعدها إلى القدس، ثم حاول السفر إلى فرنسا لحضور ندوة جمعية الصداقة الفرنسية العربية، ولم يُسمح له بالدخول، وتجول في أكثر من مطار، حيث التقى في برلين الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) الذي أجرى حواراً مع درويش نشرته مجلة «المصور» المصرية، ومما جاء فيه على لسان درويش: «سمعت سميح يتحدث عن الخروج من إسرائيل إلى البلاد العربية فطلبت منه ألا يفعل ذلك. وقلت له إن قيمتنا أن نبقى هنا... أن نبقى في فلسطين المحتلة نكافح وندافع عن الوجه العربي لأرضنا».
عاد إلى حيفا، وقبل أن يستعد لزيارة موسكو مجدداً صدر أمر باعتقاله في بيته، وخضع للمراقبة، وكان عليه ألا يغادر حيفا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1969 صار تحديد الإقامة اعتقالاً، استمر حتى أول فبراير (شباط) 1970، ثم سمحت له السلطات بالمغادرة إلى موسكو في الخامس من مارس (آذار)، بموجب منحة للدراسة بمعهد العلوم الاجتماعية.
وفي موسكو أسهم الشاعر معين بسيسو، في بناء مجال عربي لدرويش؛ فعرف حسين مروة ومحمد دكروب وجيلي عبد الرحمن وسهيل إدريس الذي وضع صورة درويش على غلاف مجلته «الآداب» لكنه سيتعرف -عبر بسيسو كذلك- على شخصية استثنائية وهو الدكتور مراد غالب السفير المصري شديد القرب من عبد الناصر، وهو الذي سيرتب فكرة انتقال درويش للعيش في القاهرة.
ويبدو أن سفور أنياب الاحتلال ضد الشاعر التقت مع الظرف السياسي في مصر لترتيب هذه الخطوة. كان عبد الناصر قد رفض عرضاً بإعادة سيناء عبر صلح منفرد، معتبراً ذلك بيعاً لعروبته وتخلياً عن الشعب الفلسطيني، وبدأ في محاولته إنهاض العروبة الجريحة، ومن بين الجهود توثيق التواصل مع فلسطينيي الأرض المحتلة.

صناعة دولة

يرى سيد محمود قصة استقبال درويش في مصر نموذجاً لما يمكن أن تحققه دولة تمتلك مشروعاً سياسياً وثقافياً واضحاً. حسب رواية للسيدة ليلى شهيد، فقد قابل عبد الناصر الشاعر في موسكو، وبعد ذلك أرسل له جواز سفر دبلوماسياً مصرياً، وأمر بأن يعامل الشاعر الشاب معاملة كبار الشعراء. لا يجد سيد محمود مصدراً آخر يرجّح أقوال السفيرة التي كانت مقربة من درويش، ويجد نفياً من صديق آخر له هو السوري فاروق مردم بك. لكن عبد الناصر كان قد زار موسكو مراراً للاستشفاء أو طلب التسليح خلال إقامة الشاعر، وإن كان هذا اللقاء قد تم، ففي الغالب سيكون في زيارة يوليو (تموز) 1970، أي قبل وفاته بشهرين، وبعد أربعة أشهر من وجود درويش بموسكو، وربما يكون قد تعرف في المقابلة ذاتها إلى محمد حسنين هيكل.
وسيلتقي درويش في موسكو تالياً مع أحمد بهاء الدين الذي سيصير فيما بعد أباً روحياً له، وهذا هو وصف درويش له في حواره مع صافيناز كاظم فور وصوله. ويصفه سيد محمود بـ«ميدان كبير من الرحابة الإنسانية والكفاءة المهنية»، وعلى أي حال كان بهاء رئيس تحرير «المصور» وهو من أفرد لرجاء النقاش مساحات تقديم شعراء الأرض المحتلة، وعقب لقائه مع درويش عاد ليكتب عنه: «إنني أب لطفلين، لكنني لم أشعر شعوراً حقيقياً بمعنى فلذة الكبد إلا عندما رأيته. هذا قطعة مني».
عندما أنهى درويش منحته في موسكو اجتمع في سهرة وداعية مع الدارسين العرب، وأكد أنه عائد إلى حيفا، لكنه أعلن لاحقاً أنه وصل إلى القاهرة في التاسع من فبراير 1971 بعد رحيل عبد الناصر الفاجع سبتمبر (أيلول) 1970، ويعتقد فيصل حوراني أن درويش تمكن من تغيير وجهته في أحد المطارات بترتيب من السلطات المصرية ليصل إلى مطار بيروت ومنه إلى القاهرة.
كانت عملية وصوله نصراً سياسياً، ووُضعت الخطة لتجعل منه نجماً. استقبلته مصر الرسمية والثقافية، وتبارت المجلات والصحف والإذاعة في تقديمه، وفي السويس سيلتقي رجال المقاومة. في مقابل ذلك سيبدأ هجومٌ عربيٌّ، كان أشرسه في مجلة «الحوادث» اللبنانية. ويدافع عنه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، مقترِحاً عليه أن يعمل في الإذاعة لتعريف الجمهور بواقع شعبه تحت الاحتلال واستغلال معرفته بالعبرية لكشف الواقع الثقافي في إسرائيل، وسيكون هذا بالفعل أول عمل يزاوله درويش في القاهرة قبل أن يقرر هيكل إلحاقه بالعمل بـ«الأهرام».
لم يبقَ بين مثقفي مصر وصحافييها الكبار مَن لم يحتفِ بدرويش، ولاحقت الصحف أخباره، وبينها خبر عن عكوفه على كتابة فيلم عن الأرض المحتلة يُخرجه شادي عبد السلام وتقوم ببطولته سعاد حسني، لكنّ ذلك الفيلم لم يظهر للوجود. وبعد استقباله في شيراتون انتقل إلى شقة في حي جاردن سيتي الراقي يقطنها توفيق الحكيم. وكان لا بد من حاسدين على التدليل الذي يلقاه درويش، نجيب سرور يقول: «نحن أيضاً شعراء الأرض المحتلة». بينما أطلق الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام أغنية ساخرة.
تقول شهادات المحيطين إن درويش كان متحفظاً في علاقاته مع الناس، والأمر المؤكد أنه يتضايق من الحفلات العامة، وربما كانت رغبته في الحفاظ على صورته وراء تجنبه الانخراط في علاقات واسعة، بينما ترى الكاتبة الصحافية منى أنيس أن تشبث درويش بالعزلة يعود إلى طبيعته الخجول.
على أي حال، يغادر درويش القاهرة منتصف عام 1972، حيث نشرت مجلة «الطليعة» خبر مغادرته إلى بيروت، لكن علاقته بـ«الأهرام» ستستمر حتى 1974عندما بدا اختلاف خيارات السادات للقضية عن خيارات عبد الناصر.
لا يجد سيد محمود تفسيراً مقبولاً لمغادرة درويش بعد أكثر قليلاً من عام، فهل يكمن السبب في فرضية عدم الانسجام بين نجم وضعته مصر الرسمية في السماء، ومدينة تريد أن ترى وتلمس نجومها على الأرض؟



موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة
TT

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) تصدر في فرنسا وفق إحصاء مجلة «ليفر إبدو» 461 رواية، مقابل 484 في العام الماضي، موزّعة على 344 عملاً فرنسياً و117 عملاً مترجَماً. وإن كان الرقم في ظاهره وفرة، فإنّ في باطنه إنذاراً: فالإنتاج الفرنسي ثابت تقريباً عند مستوى 2025، بينما جاء التراجع كلّه من جهة الترجمة، التي نزلت من 140 عنواناً إلى 117. ويأتي هذا الحصاد في سنةٍ قاسية على القطاع؛ إذ تراجعت مبيعات الكتاب الجديد في النصف الأول من 2026 بنسبة 6.2 في المائة، في خامس تراجعٍ متتالٍ، فيما اتّسع سوق الكتاب المستعمل حتى صار ينافس الكتاب الجديد على شريحةٍ معتبرة من القرّاء. وفي الواجهة، تتعرض المكتبات الفرنسية لمصاعب مادية حيث وُضعت سلسلة «جيبير جوزيف» العريقة تحت التسوية القضائية منذ أبريل (نيسان) الماضي، كما تواجه المكتبات المستقلّة الصغيرة ضغوطاً دفعت كثيراً منها إلى إيقاف نشاطها.

غير أنّ المفارقة التي تستحقّ التوقّف هي أنّ الرواية الفرنسية تردّ على انكماش سوقها بتوسيع خيالها لا بتقليصه. فحين يضيق الرهان التجاري، يميل الناشرون عادةً إلى الآمن والمجرَّب. لكنّ هذه السنة عادت الروايات الطويلة التي تمتدّ عبر الأجيال بقوة، لتستعيد الحبكة والمغامرة. كأنّ الأدب، إذ يفقد جزءاً من جمهوره، يقرّر أن يستعيده بما كان قد تخلّى عنه طويلاً وهي المتعة السرديّة. وهو ما أكدته مجلة «ليفر إبدو» التي لاحظت أنّ موضوع النسب والعائلة هو أقلّ حضوراً من العام الماضي، وأنّ كثيراً من كتب الموسم تدعو إلى ما سمته بـ«الفرار»: فرار جغرافي وتاريخي، وأحياناً إلى عوالم عجائبية. غير أنّ الكتابة عن الذات لم تختفِ تماماً، وإنّما غيّرت وجهتها: فالأعمال الأولى، وأغلب أصحابها هذا العام من النساء إذ شكلن نحو 60 في المائة منها، تدور حول موضوعين اثنين، هما البحث عن الأصول وتجربة المنفى. أما الرقم الأخطر في حصيلة الموسم فيبقى تراجع الترجمة؛ إذ يعني عملياً أنّ ثلاثاً وعشرين نافذةً على لغات أخرى أُغلقت في سنةٍ واحدة. ولا تفصّل الإحصاءات المتاحة أيّ اللغات دفعت الثمن، غير أنّ منطق مثل هذه الدورات يقول إنّ الانكماش يبدأ من الهوامش لا من المركز: أي من اللغات التي لا تملك سوقاً ولا جوائز كبرى تسندها. والأدب العربي المترجَم إلى الفرنسية، الذي لم يكن حضوره وافراً في الأصل، معنيٌّ بهذا السؤال أكثر من سواه.

في صدارة الموسم، كالعادة، الكاتبة أميلي نوتومب، التي أصدرت روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» (L›adolescence du perroquet)، في مائة وستين صفحة، وهي تتناول حكاية «ألبان»، اليتيم منذ السابعة عشرة، الذي يتبنّى ببغاءً رمادياً من الغابون يُدعى «جو»، فيتحوّل الكائن الأليف تدريجاً إلى شريكٍ مقلق. وتحت الطرافة الظاهرة نصٌّ عن اللغة والوحدة والهيمنة، تختصره الجملة الوحيدة التي اختارتها الكاتبة لتقديمه: «الحبّ ليس حقّاً مكتسباً». وإلى جانبها تقدّم ليليا حسين في «أنا» (Je) واحداً من أذكى مقترحات الموسم: أن تُعيد الكلام إلى أنطوانيت، زوجة روتشستر الأولى، «المجنونة في العليّة» التي أسكتتها شارلوت برونتي في «جين إير» قبل قرنٍ وثلاثة أرباع القرن. وتعيدنا الروائية إلى جامايكا عام 1831، فتصير الشخصية الثانوية راوية، ويصير الجنون المنسوب إليها تاريخاً استعمارياً كاملاً. أما العمل الأكثر حساسية فهو «وحدة الأساتذة لا نهاية لها» ليانيك هينيل.

والكتاب لا يروي متاعب أستاذٍ شاب في ضاحية باريسية فحسب، بل يكتب عن اغتيال المدرّسَين صامويل باتي ودومينيك برنار. وهينيل، الذي درّس خمس عشرة سنة في مناطق التعليم الواقعة في الضواحي قبل أن يتفرّغ للكتابة، يعرف من الداخل ما يكتب عنه، وهذا ما يمنح النصّ سلطته. وإلى جانب هذه العناوين الثلاثة، يعرض المشهد الأدبي الجديد أسماءً راسخة كفيليب جانادا الذي يواصل شغفه بقضايا التحقيق في «مجهولة رصيف جافيل»، وسيرج جونكور في «قصة غراميات» حول حكايتَي حبٍّ متشابكتين من زمنين مختلفين، وكذلك متياس إينار الذي يستعيد سراييفو في «فندق البلقان».

ويحتفظ الموسم بحضورٍ عربيّ ومتوسطيّ لافت، لا على هامشه بل في صلبه. فلدى «جوليار» يفتتح المغربي عبد الله الطايع الموسم بـ«واقفاً في أحلامك»، عائداً إلى المنفى بوصفه شرطاً لا حادثة. وتصدر عن «ستوك» رواية «إمامي» للبناني سبيل غصّوب، وهي تحقيق متخيَّل في اختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978، يضفر فيه الكاتب سيرة عائلته بتاريخ لبنان. وعن الدار نفسها تصدر «الجزء الغائب»، الرواية الثانية للممثلة والمخرجة رشيدة براكني، عن امرأة تلاحقها جراح طفولتها وحرب الجزائر.

والجزائر تحديداً تعود هذا الموسم من أكثر من باب: من خلال رواية ستيفان جوستي «أوقفوا إطلاق النار» التي تروي الساعات التي سبقت مجزرة شارع إيسلي بالعاصمة عشية نهاية الاستعمار الفرنسي، والتجارب النووية في الصحراء لدى كزافييه لو كلير، والملحمة الاستعمارية لدى ماتيو بيليزي. ومن فلسطين يكتب كريم قطّان بالفرنسية في «شمالية». وتتقاطع مع هؤلاء الرواية الشهادية «إلّا الحدود» لإليزا شوا دوسابان وهي فرنسية من أمٍّ كورية جنوبية، تنشر لدى دار «زوي» السويسرية، رحلتها إلى بيروت وجنوب لبنان ثم إلى الأردن غداة السابع من أكتوبر 2023. واجتماع هذه العناوين في موسمٍ واحد ليس مصادفة، فالرواية الفرنسية تكتب اليوم ذاكرتها الاستعمارية والمتوسطية بأقلام أصحابها لا بأقلام الوكلاء عنهم، وذلك في ذاته تحوّلٌ يستحقّ أن يُسجَّل.

أما الأدب الأجنبي، فرغم تقلّصه الكمّي، يبقى خزّان الاكتشافات، وقد اختار هذا العام صيغة الملحمة العائلية تتصدّره «لازار» للسويسري نيليو بيدرمان (23 عاماً)، الصادرة في ستٍّ وعشرين دولة، وهي تتتبّع عبر ثلاثة أجيال صعود سلالةٍ أرستقراطية وأفولها، انطلاقاً من طفلٍ وُلد في هنغاريا مطلع القرن العشرين. ويغوص الإسباني أرتورو بيريز-ريفيرتي في الحرب الأهلية في «خط النار»، فيما يحمل العمل الأول للأميركي من أصل ياباني أ. س. تاماكي، «عشيرة الأوراق الميتة»، أكبر طبعة في الخانة الأجنبية بثلاثين ألف نسخة، وهي حكاية صداقةٍ تُختبَر وسط صراعات عائلات الساموراي.

وتعود إليزابيث ستراوت إلى بلدة كروسبي في ولاية مين بـ«احكوا لي كل شيء»، بينما يحوّل الآيرلندي المقيم في نيويورك كولوم ماكان تحقيقاً في قطع الكابلات البحرية قبالة سواحل غرب أفريقيا إلى تأمّلٍ في هشاشة ما نحسبه متيناً.

ويكتمل المشهد بالاسكوتلندي دوغلاس ستيوارت في «جون، ابن جون»، المُدرَج في القائمة الأولى لجائزة «بوكر» هذا العام، حيث يعود شابٌّ حديث التخرّج إلى جزيرة هاريس في الهبريد الخارجية فيصطدم بأبيه وبجماعةٍ مشيخية مغلقة وبسرٍّ عائليّ قديم.

ويُنهي الإيطالي أنطونيو سكوراتي ملحمته عن موسوليني بجزئها الخامس، فيما تعود الأميركية لورا كازيشكي إلى الرواية في «سباحة تحت المراقبة» عن حادثة غرق طفل في مسبحٍ مزدحم من دون أن ينتبه إليه أحد، بينما تتّجه «أبولو 11» نحو القمر.

القائمة الأولى لـ«غونكور» تُعلَن في الثاني من سبتمبر (أيلول)، أي بعد أسبوعين فقط من الموجة الأولى للموسم الجديد، على أن تفتتح «ميديسيس» موسم الإعلانات في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، وتليها «غونكور» و«رونودو» في اليوم التالي. وحتى ذلك الحين، يمكن قول شيءٍ واحد بثقة: إنّ هذا الموسم أضيق سوقاً وأوسع خيالاً من سابقه.

يحتفظ الموسم الحالي بحضورٍ عربي ومتوسطي لافت لا على هامشه بل في صلبه


جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
TT

جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
لوحة أم الرسام آنا ماكنيل

حين قرأت جملة ناقد الفن جون راسكن الذي اتهم فيها الرسام الأميركي جيمس ماكنيل ويستلر بأنه «يرمي دلواً من الطلاء في وجه الجمهور» صرت أفكر في أسباب انشدادي إلى أعمال رسام عاش في أواخر العصر الفيكتوري وبالأخص البورتريه الذي رسمه لأمه والذي رأيته في متحف أورسيه بباريس قبل سنوات. على الرغم من أن لغة السخرية التي أظهرتها عبارة راسكن فإنها تكاد أن تقترب من الحقيقة، وإن بطريقة مواربة. فويستلر لم يكن رساماً واقعياً، على الأقل لم تكن واقعيته تلتزم بقواعد تقليدية جاهزة. ذلك ما دفع البعض من النقاد إلى النظر إلى احتفائه بالألوان والخطوط الحرة بمثابة نبوءة لولادة فن حديث. كان تأثيره على النمساوي غوستاف كليمت (1862 - 1918) واضحاً، غير أن هناك مَن يذهب بعيداً ليجازف بالقول إن هناك شيء من ويسلر باعتباره أميركياً في تحول جاكسون بولوك (1912 - 1956) إلى الفن الحركي.

جيمس ماكنيل ويستلر الذي يقيم له متحف تيت بريتان بلندن معرضاً استعادياً هو الأكبر من نوعه ويستمر حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) المقبل لم يكن جزءاً من مدرسة أسلوبية واحدة ولم ينتسب إلى بلد بعينه على الرغم من ولادته في الولايات المتحدة. مواطن أميركي ولد في ماساتشوستس عام 1834 ودرس الرسم في روسيا بشكل جزئي ثم انتقل إلى باريس فالتقى بكلود مونيه الذي كان له أكبر الأثر عليه وتعرف هناك على فن الحفر الياباني على الخشب ومن بعدها استقر في لندن ورسم أجمل لوحاته فيها مستلهما ضبابها وجسورها متأثراً برسوم ويليام تيرنر ليموت فيها عام 1903.

وبسبب تعدد مصادر إلهامه وتنوع الأساليب الفنية التي تأثر بها وفكرته عن فن يتجاوز الواقع فإن جيمس ماكنيل ويستلر قد فلت من التصنيف المدرسي الذي لم يقيده بزمنه بحيث صار النظر إلى الصور الشخصية أو المناظر الطبيعية التي رسمها يتجاوز مسألة الموضوع إلى البحث في الطريقة التي حرر الرسام من خلالها تلك الصور والمشاهد من موضوعيتها ليعيد ترتيبها باعتبارها تكويناً بصرياً خالصاً.

صورة الأم وهي أشهر لوحاته

«ترتيب باللونين الرمادي والأسود رقم 1» هو عنوان اللوحة الشهيرة التي رسمها لأمه. تذكرني تلك اللوحة بلوحة بول سيزان التي رسم فيها أمه. رُسمت هذه اللوحة عام 1871 وهي الآن معروضة في متحف أورسيه وتُعتبر من أشهر اللوحات الأميركية خارج الولايات المتحدة. تنبعث قوتها من ضبط النفس لا من العاطفة. فشخصية آنا ماكنيل ويستلر الجالسة مُحاطة بالكامل تقريباً بدرجات الرمادي والأسود، القبعة البيضاء واليدان المطويتان واللوحة المؤطرة على الحائط، والستارة الداكنة على الجانب كلها تبدو مدروسة، صامتة ودقيقة.

قد لا يعلم الكثير من الزوار أن ويستلر لم يُرد لهذه اللوحة أن تُقرأ في المقام الأول كصورة عائلية، فعنوانها الرسمي له دلالة. يدعونا ذلك العنوان إلى رؤية العمل كترتيب للألوان، كتكوين تحضر فيه الأمومة والعمر والذاكرة، لكنها مُنظّمة بالخط والسطح والتوازن. اشترت الدولة الفرنسية اللوحة عام 1891، وهو اعتراف لافت مبكر بفنان أميركي. «حتى عندما أرسم والدتي، فإنني أرتبها». تلك جملة قالها ويستلر بعد أن انضم إلى حركة الجمالية التي كان أوسكار وايلد من أبرز وجوهها. وهنا بالضبط نصل إلى الخلاصة التي انتهى إليها الرسام المعجب بالباروكي الإسباني دييغو فيلاسكز وفن الطباعة الياباني. مع الجمالية ومن خلالها انفتح ويستلر على عالم الفن من الداخل باعتباره شغفاً مستقلاً بإعادة ترتيب الأشياء في سياق جمالي لا يثقله شعور بالمسؤولية عن تصوير الحياة الواقعية أو خدمة أي غرض أخلاقي.

ولو تأملنا عناوين لوحاته مثل «ترتيب» و«سيمفونية» و«تناغم» لاكتشفنا أنها لم تكن مجرد زخارف لفظية فهي توجه الزائر إلى كيفية النظر إليها، ليس بحثاً عن حكايات، بل عن النبرة والتوازن والإيقاع والإحساس. كان هناك دائماً حديث عن الموسيقى في الرسم سبق نظرية الروسي/ الفرنسي فاسيلي كاندنسكي عن الروحاني في الفن.

من المعرض

من الانطباعية إلى لندن وبالعكس

بتأثير مباشر من المكان تنوعت طريقة ويستلر في معالجة موضوعاته وأسلوبه في التعامل مع جمالية اللحظة البصرية، سعياً وراء ترتيبها كما لو أنها حدث خاص لا يتكرر. رسم في لندن وجسور نهر التايمز المغطاة بالدخان والشخصيات الشبحية المخفية بالأبيض والألعاب النارية وسماء الليل وكلها مستلهمة من نهايات العصر الفيكتوري. ذلك ما يكشف عنه المعرض حين يتتبع الخيط الذي أمسك به الفنان في باريس من خلال رسومه الأولية وتجاربه التي طغت عليها تأثيرات كلود مونيه في رسومه الضبابية التي هي صدى لرحلته إلى لندن، يوم التقى تيرنر هناك. هكذا يكون ويستلر قد حضر إلى لندن بشحنة إلهام جاهزة. وهو ما يعني أنه قدم إلى لندن وفيه شيء مبهم منها. ذلك الشيء الذي استمده من رسومات مونيه الفاتنة التي فتحت أمامه أبواب رؤية حديثة تتخطى تفاصيل الموضوع المرسوم إلى محاولة صنع أجواء، تكون المدينة حاضرة فيها بروحها الخفية.

بالنسبة لويستلر فإن الموضوع لا ينحصر في دلالاته الحكائية التي تعمد الفنان أن يشتت انتباه المتلقي عنها بقدر ما هو مناسبة لإرشاد ذلك المتلقي إلى كيفية تعلم النظر بحثاً عن النبرة والإيقاع والإحساس والتوازن. كيف اهتدى الرسام إلى الطريقة التي تدفع المتلقي إلى عدم الاهتمام بالموضوع والخلاص من فضول البحث عن معنى بعد أن وقع أسيراً لمعادلات بصرية تقدم متعة النظر التي تشد الحواس كلها في حزمة واحدة. لن يجد متلقي معنى لأية غاية أو هدف حين يشعر أن كل لوحة من لوحات ويستلر لا تشكل أيقونة لوحدها، بل هي جزء من ظاهرة مترفة تتصل به بترف العيش في الرسم بعيداً عن الواقع الحائر بين تفاصيل مشهديته التي لا يمكن أن تقدم سوى احتمال واحد. في أعمال ويستلر يستمر المشهد في تدفقه ولا يجمد في حالة واحدة.

لا ترى الفن بل تعيشه

يظهر تأثير الفنون الشرقية على ويستلر في تجارب التصميم الداخلي، ولا سيما عالم «غرفة الطاووس» الذي حقق من خلاله رغبته في أن يتجاوز الفن حدود اللوحة المؤطرة. صُممت هذه الغرفة الشهيرة في الأصل لمنزل فريدريك ليلاند بلندن والمحفوظة الآن في المتحف الوطني للفنون الآسيوية التابع لمؤسسة سميثسونيان. تنتمي تلك الغرفة إلى العالم الجمالي نفسه الذي تنتمي إليه لوحاته. عالمٌ يصبح فيه الفن بيئةً ومزاجاً وتجربةً بصريةً متكاملة. أنت لا ترى الفن بل تعيشه حين يحيط بك.


«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات
TT

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

يواصل الكاتب العُماني الخطّاب المزروعي في مجموعته القصصية الأحدث «فتاة المانجو»، الصادرة عن «منشورات المتوسط»، بناء عالمه السردي من مفردات تبدو للوهلة الأولى متاحة وعادية الحضور مثل تفاصيل الحياة اليومية، ملامح الأمكنة، وطأة الذكريات، غير أنها تتحول داخل نصوص المجموعة إلى نوافذ لآفاق أسئلة أكثر عمقاً حول المصير الإنساني وحقائق الوجود، عبر لغة تولي اهتماماً خاصاً بالتكثيف وتبتعد عن الاستطراد.

تضم «فتاة المانجو» 16 قصة، منها: «شيءٌ من رائحتها»، «مسؤول ثلاجة الموتى»، «فتاة المانجو»، «ذاكرة منقوصة»، «حسين الضحّاك»، «ما يحدث»، «فاننتازيا سمك كورونا»، «دوائر مسعود»، «الكُمَّة»، «الغرفة الصفراء»، «زعفرانة»... وغيرها.

يركز المزروعي على المكان، حيث يحتل المكان موقعاً بارزاً في تجربته، فهو عنصر فاعل في تشكيل الحكاية وليس مجرد خلفية للحدث، كما يرتبط بالذاكرة وما تختزنه من تجارب، فضلاً عن كونه نقطة التقاء بين ما عاشته الشخصيات وما تواجهه في حاضرها، وهو ما يمنح الجغرافيا المحلية أبعاداً تتجاوز حدودها الصارمة.

صدر للخطاب المزروعي رواية «ذاكرة الكورفيدا»، ومجموعة قصصية قصيرة جداً بعنوان «سيرة الخوف»، فضلاً عن المجموعتين القصصيتين «الرائحة الأخيرة للمكان » و«لعنة الأمكنة»، إلى جانب كتابه عن النصوص الأدبية «التباسات»، كما تُرجمت أعماله إلى الإسبانية والإنجليزية واليابانية والتركية.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ من قصة «زعفرانة»:

«منذ أن فرغ من صلاة الفجر، لم يحرك ساكناً، اكتفى بمدِّ رجليهِ على السجادة، ملقياً ظهره على الجدار الخارجي للبيت. عادة في هذا الوقت يحضر الشاي والقهوة، كان يشعر بشيء أشبه بالكسل أو عدم الرغبة في فعل أي شيء، كأنه يفتقد شيئاً ما من حياته، شيء لا يعرف تفسيره، يتخيل مواء القطة، وهي تحك برأسها على ساقيه، فيشعر بانقباض في صدره كلما تذكرها.

من يشاهده من بعيد وهو لا يحرك ساكناً يظن أنه شجرة موز ميتة، عدا أنه بين الفينة والأخرى يضغط بكفه على وجنتيه اللتين تشبهان ثمرة أفوكادو متيبسة، ثم يغرس سبابته وإبهامه في عينيه، ليخرج منهما العمش المتيبس حواليهما. عيناه لا تسعفانه على الرؤية أبعد من متر على أكثر تقدير، إلا أنه حادّ السمع، لذا يعتمد على سمعه أكثر من بصره في كل خطوة يخطوها، حتى عندما يلتقي بأحد ما لا يكلف بصره التأكد منه، بل يترك تقدير ذلك لسمعه، وإذا كان الصوت غريباً عليه، يشنف جهة المتحدث ليتبين ملامحه».