صورة شاعر... ذكرى قضية

محمود درويش في مصر

المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
TT

صورة شاعر... ذكرى قضية

المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971

ليست القاهرة بالمكان الممتع لنجوم الشِّعر. وأفترض أن العيب ليس في المدينة أو في الشاعر النجم، بل في اجتماعهما!
لا تلبّي القاهرة فكرة الشاعر عن نفسه أو تحقق له صورته التي يراها في المدن الأخرى؛ فبينما يتجمع الآلاف في أمسية لشاعر كبير في مدرج جرش أو استاد اللاذقية الرياضي، لا يتجاوز حضور أمسية شعرية في القاهرة المئات المفردة.
وربما يستريح البعض إلى تفسير ذلك بعلاقة القاهرة بالشِّعر، لكنه يعود في الحقيقة إلى علاقة المدينة بالنجم؛ فهي لا تحب أن تتطلع كثيراً إلى السماء، وتريد من نجومها أن يتعلموا مهارة السير في الشوارع، وتضمن لهم ألا يفقدوا نجوميتهم. نموذجها نجيب محفوظ وعبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل. نجم يحيِّي العابرين ويسأل النادل عن أولاده قبل أن يستريح على كرسيه في مقهى الرصيف.
لهذا سيبقى سوء التفاهم قائماً بين النجوم من شعراء العرب وبين المدينة، لكن علاقة محمود درويش الشاب مع القاهرة تختلف عن علاقة أي نجم أدبي آخر، علاقة أم بابن لم يكمل عدة الرضاع.
وقد كرَّس الكاتب الصحافي سيد محمود كتاباً لاستقصاء هذه العلاقة، صدر أخيراَ عن «منشورات المتوسط» في 335 صفحة، نصفها متنه البحثي والنصف الآخر يضم نصوص مقالات كتبها كبار المثقفين المصريين عن درويش الشاب ومقالاته وحواراته وتغطياته والكثير من الصور.
بحث المؤلف في أرشيفات الدور الصحافية، وأجرى لقاءات مع شهود الوقائع الأحياء عاقداً المقابلات بين الروايات، لتقديم سردية متماسكة ومفصّلة للمرة الأولى عن سنوات احتضان القاهرة للشاعر في بداياته الأدبية. وقد كانت تلك الفترة موضع التباس في الوقائع والتواريخ بالإضافة إلى التباس وضع درويش نفسه بوصفه فلسطينياً يحمل الجنسية الإسرائيلية، والتباس اللحظة السياسية؛ حيث أعدت مصر عبد الناصر خطة استقباله، ووصل إلى مصر السادات!
التباس وضْع درويش، هو التباس وضْع كل الفلسطينيين في الأرض التي صارت إسرائيل بعد النكبة، ووجدوا في الانضمام للحزب الشيوعي الإسرائيلي وسيلة للتعبير عن حقوقهم. ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 احتدم النقاش داخل الحزب وكان من نتيجته خروج الأعضاء الفلسطينيين ومعهم نحو 200 إسرائيلي ليشكّلوا القائمة الموحدة «راكاح» وبين أعضائه درويش وزملاؤه من الشعراء الفلسطينيين الذين سيجري تهريب قصائدهم وينحت لهم الروائي غسان كنفاني عام 1966 مصطلح «شعراء المقاومة». ومع النكسة عام 1967 سطع اسم درويش وتوالت دواوينه التي صارت خمسة قبل أن يغادر إسرائيل نهائياً عام 1970.
قبل أن يرى محمود درويش القاهرة كان قد صار نجماً فيها. بدأ الأمر بمقالات الناقد رجاء النقاش الذي نشر في 22 ديسمبر (كانون الأول) 1967، بعنوان «مطلوب محاولة عالمية لإنقاذ هذا الشاعر» واستمر في رهانه على درويش. نشر تالياً قصائد لدرويش في عدد يناير (كانون الثاني) 1968 في مجلة «الهلال»، وقدمها بعنوان «الكلمات أيضاً تقاوم». وقد صنعت «الهلال» برئاسة تحرير كامل زهيري الحدث الأهم في حياة درويش المحاصَر بالعداء، فنشرت ديوانه «آخر الليل» كاملاً في عدد مايو (أيار) من العام ذاته، وتوالت الحفاوة المصرية. محمد إبراهيم أبو سنة ينشر قصيدة بإهداء لمحمود درويش، ويكتب عنه صلاح عبد الصبور مقالاً بعنوان «القديس المقاتل»، وكتب الناقد الفني كمال النجمي مطالباً الملحنين بتلحين قصائده.

حماسة ثم رفض

في البداية كان وضع شعراء المقاومة مفهوماً ودور فلسطينيي الداخل مقدّراً في الحفاظ على الوجود الفلسطيني داخل الكيان الجديد، لكن سيقع الارتباك وتخفت الحماسة العربية مع ظهور اسم محمود درويش ضمن الوفد الإسرائيلي المشارك في مهرجان الشبيبة العالمي بصوفيا عام 1968.
قوبل درويش بعداء سافر من كل الوفود العربية في المؤتمر، وسيتذكر درويش مع سميح القاسم في مراسلاتهما التي نشرتها مجلة «اليوم السابع» في الثمانينات ذكريات النبذ المؤلمة التي تعرضا لها، لكن المصريين كانوا الأقل تشدداً، الأغلبية قبلت التواصل وإن لم تقبل رغبة درويش بإلقاء شعره أمامهم.
في أثناء وبعد المؤتمر قادت صحف عربية حملة ضد درويش وسميح القاسم اللذين سارا تحت العَلَم الإسرائيلي. وتوالت ردود أفعال تجرّم التعامل مع درويش. وفي دمشق صدر قرار رسمي بمنع دواوينه، وقام حزب البعث بفصل الكاتب الفلسطيني فيصل الحوراني لأنه تجرأ واتصل بشبيبة الحزب الشيوعي الإسرائيلي.

بين أنياب الاحتلال

في صوفيا تشبث درويش بفرصة سفر إلى موسكو حيث قضى فترة قصيرة في مدرسة إعداد الكادر الحزبي، عاد بعدها إلى القدس، ثم حاول السفر إلى فرنسا لحضور ندوة جمعية الصداقة الفرنسية العربية، ولم يُسمح له بالدخول، وتجول في أكثر من مطار، حيث التقى في برلين الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) الذي أجرى حواراً مع درويش نشرته مجلة «المصور» المصرية، ومما جاء فيه على لسان درويش: «سمعت سميح يتحدث عن الخروج من إسرائيل إلى البلاد العربية فطلبت منه ألا يفعل ذلك. وقلت له إن قيمتنا أن نبقى هنا... أن نبقى في فلسطين المحتلة نكافح وندافع عن الوجه العربي لأرضنا».
عاد إلى حيفا، وقبل أن يستعد لزيارة موسكو مجدداً صدر أمر باعتقاله في بيته، وخضع للمراقبة، وكان عليه ألا يغادر حيفا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1969 صار تحديد الإقامة اعتقالاً، استمر حتى أول فبراير (شباط) 1970، ثم سمحت له السلطات بالمغادرة إلى موسكو في الخامس من مارس (آذار)، بموجب منحة للدراسة بمعهد العلوم الاجتماعية.
وفي موسكو أسهم الشاعر معين بسيسو، في بناء مجال عربي لدرويش؛ فعرف حسين مروة ومحمد دكروب وجيلي عبد الرحمن وسهيل إدريس الذي وضع صورة درويش على غلاف مجلته «الآداب» لكنه سيتعرف -عبر بسيسو كذلك- على شخصية استثنائية وهو الدكتور مراد غالب السفير المصري شديد القرب من عبد الناصر، وهو الذي سيرتب فكرة انتقال درويش للعيش في القاهرة.
ويبدو أن سفور أنياب الاحتلال ضد الشاعر التقت مع الظرف السياسي في مصر لترتيب هذه الخطوة. كان عبد الناصر قد رفض عرضاً بإعادة سيناء عبر صلح منفرد، معتبراً ذلك بيعاً لعروبته وتخلياً عن الشعب الفلسطيني، وبدأ في محاولته إنهاض العروبة الجريحة، ومن بين الجهود توثيق التواصل مع فلسطينيي الأرض المحتلة.

صناعة دولة

يرى سيد محمود قصة استقبال درويش في مصر نموذجاً لما يمكن أن تحققه دولة تمتلك مشروعاً سياسياً وثقافياً واضحاً. حسب رواية للسيدة ليلى شهيد، فقد قابل عبد الناصر الشاعر في موسكو، وبعد ذلك أرسل له جواز سفر دبلوماسياً مصرياً، وأمر بأن يعامل الشاعر الشاب معاملة كبار الشعراء. لا يجد سيد محمود مصدراً آخر يرجّح أقوال السفيرة التي كانت مقربة من درويش، ويجد نفياً من صديق آخر له هو السوري فاروق مردم بك. لكن عبد الناصر كان قد زار موسكو مراراً للاستشفاء أو طلب التسليح خلال إقامة الشاعر، وإن كان هذا اللقاء قد تم، ففي الغالب سيكون في زيارة يوليو (تموز) 1970، أي قبل وفاته بشهرين، وبعد أربعة أشهر من وجود درويش بموسكو، وربما يكون قد تعرف في المقابلة ذاتها إلى محمد حسنين هيكل.
وسيلتقي درويش في موسكو تالياً مع أحمد بهاء الدين الذي سيصير فيما بعد أباً روحياً له، وهذا هو وصف درويش له في حواره مع صافيناز كاظم فور وصوله. ويصفه سيد محمود بـ«ميدان كبير من الرحابة الإنسانية والكفاءة المهنية»، وعلى أي حال كان بهاء رئيس تحرير «المصور» وهو من أفرد لرجاء النقاش مساحات تقديم شعراء الأرض المحتلة، وعقب لقائه مع درويش عاد ليكتب عنه: «إنني أب لطفلين، لكنني لم أشعر شعوراً حقيقياً بمعنى فلذة الكبد إلا عندما رأيته. هذا قطعة مني».
عندما أنهى درويش منحته في موسكو اجتمع في سهرة وداعية مع الدارسين العرب، وأكد أنه عائد إلى حيفا، لكنه أعلن لاحقاً أنه وصل إلى القاهرة في التاسع من فبراير 1971 بعد رحيل عبد الناصر الفاجع سبتمبر (أيلول) 1970، ويعتقد فيصل حوراني أن درويش تمكن من تغيير وجهته في أحد المطارات بترتيب من السلطات المصرية ليصل إلى مطار بيروت ومنه إلى القاهرة.
كانت عملية وصوله نصراً سياسياً، ووُضعت الخطة لتجعل منه نجماً. استقبلته مصر الرسمية والثقافية، وتبارت المجلات والصحف والإذاعة في تقديمه، وفي السويس سيلتقي رجال المقاومة. في مقابل ذلك سيبدأ هجومٌ عربيٌّ، كان أشرسه في مجلة «الحوادث» اللبنانية. ويدافع عنه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، مقترِحاً عليه أن يعمل في الإذاعة لتعريف الجمهور بواقع شعبه تحت الاحتلال واستغلال معرفته بالعبرية لكشف الواقع الثقافي في إسرائيل، وسيكون هذا بالفعل أول عمل يزاوله درويش في القاهرة قبل أن يقرر هيكل إلحاقه بالعمل بـ«الأهرام».
لم يبقَ بين مثقفي مصر وصحافييها الكبار مَن لم يحتفِ بدرويش، ولاحقت الصحف أخباره، وبينها خبر عن عكوفه على كتابة فيلم عن الأرض المحتلة يُخرجه شادي عبد السلام وتقوم ببطولته سعاد حسني، لكنّ ذلك الفيلم لم يظهر للوجود. وبعد استقباله في شيراتون انتقل إلى شقة في حي جاردن سيتي الراقي يقطنها توفيق الحكيم. وكان لا بد من حاسدين على التدليل الذي يلقاه درويش، نجيب سرور يقول: «نحن أيضاً شعراء الأرض المحتلة». بينما أطلق الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام أغنية ساخرة.
تقول شهادات المحيطين إن درويش كان متحفظاً في علاقاته مع الناس، والأمر المؤكد أنه يتضايق من الحفلات العامة، وربما كانت رغبته في الحفاظ على صورته وراء تجنبه الانخراط في علاقات واسعة، بينما ترى الكاتبة الصحافية منى أنيس أن تشبث درويش بالعزلة يعود إلى طبيعته الخجول.
على أي حال، يغادر درويش القاهرة منتصف عام 1972، حيث نشرت مجلة «الطليعة» خبر مغادرته إلى بيروت، لكن علاقته بـ«الأهرام» ستستمر حتى 1974عندما بدا اختلاف خيارات السادات للقضية عن خيارات عبد الناصر.
لا يجد سيد محمود تفسيراً مقبولاً لمغادرة درويش بعد أكثر قليلاً من عام، فهل يكمن السبب في فرضية عدم الانسجام بين نجم وضعته مصر الرسمية في السماء، ومدينة تريد أن ترى وتلمس نجومها على الأرض؟



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.