هل ينجح «واتساب» في تبديد مخاوف مستخدميه وحسم الصراع مع منافسيه؟

هل ينجح «واتساب» في تبديد مخاوف مستخدميه وحسم الصراع مع منافسيه؟

الاثنين - 5 جمادى الآخرة 1442 هـ - 18 يناير 2021 مـ رقم العدد [ 15392]

تسبب إعلان تطبيق «واتساب» اعتزامه إجراء تحديث لسياسة الخصوصية يسمح بمشاركة بعض بيانات المستخدمين مع الشركة الأم المالكة للتطبيق «فيسبوك» في حالة من الغضب والقلق لدى مستخدميه على مستوى العالم. وأصبح التطبيق مادة للتقارير الإعلامية، وتعليقات مواقع التواصل الاجتماعي، التي مزجت بين الجدية في شرح عيوب ومميزات التطبيق والسخرية من التحديث، والتي امتدت للتطبيقات المنافسة التي سعت لاستغلال الأزمة لزيادة عدد مستخدميها.
محاولات «واتساب» لطمأنة المستخدمين وصلت إلى حد تأجيل تطبيق التحديث الجديد عدة أشهر، فضلاً عن تساؤلات تتعلق بإمكانية طمأنة التطبيق للمستخدمين الذين اتجه عدد كبير منهم لتطبيقات منافسة. ومن ناحية أخرى، أشار خبراء ومختصون إلى أن «حالة الجدل بشأن (واتساب) تنطوي على نوع من المبالغة غير المبررة»، إلا أنهم في الوقت نفسه يعدونها «دليلاً على زيادة وعي الناس بقضايا الخصوصية والأمان الإلكتروني، وبداية اهتمامهم بقراءة شروط الاستخدام التي عادة ما يوافقون عليها دون قراءة».
إيما سادلر، الخبيرة في قوانين «السوشيال ميديا» مؤسسة شركة «ذي ديجيتال لو» (The digital law) في جنوب أفريقيا، ترى أن «هناك حالة من الهستيريا غير المبررة بشأن تحديث (واتساب) الجديد». وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «ما تحدث عنه (واتساب) أمر معتاد، وكلنا نعرف أن (فيسبوك) شركة هادفة للربح، فهي ليست جمعية خيرية، بل تبيع لنا خدماتها مقابل معلومات، لا أموال». ثم أوضحت أن «فيسبوك (بصفتها شركة) أنفقت ثروة لشراء (واتساب)، في صفقة بلغت قيمتها 19 مليار دولار أميركي، ومن الطبيعي أن تبحث عن طريقة لاستعادة هذه الأموال، وذلك من خلال مشاركة البيانات مع التطبيق».
وللعلم، كانت شركة «فيسبوك» قد اشترت تطبيق «واتساب» عام 2014، ووعدت مستخدمي التطبيق يومذاك بأنه لا مشاركة لبياناتهم مع الشركة الأم، إلا أن هذا الأمر تغير مع إعلان «واتساب» في الرابع من يناير (كانون الثاني) الحالي اعتزامها تطبيق تحديث يسمح بمشاركة بيانات المستخدمين مع «فيسبوك». وطلبت من المستخدمين الموافقة عليه، وإلا ستعلق حساباتهم بحلول 8 فبراير (شباط) المقبل. لكن الشركة اضطرت إلى تأجيل التحديث إلى 15 مايو (أيار) المقبل، إثر موجة من الغضب والجدل من جانب المستخدمين. وقالت «فيسبوك» إنها «ستعمل خلال هذه الفترة على توضيح المعلومات الخاطئة بشأن التحديث». وبحسب بيان للشركة، تعهدت بأن «هذا التحديث يوفر شفافية أكبر حول جمع المعلومات واستخدامها».
هنا، تشرح سادلر أن «التحديث يسمح لـ(واتساب) بمشاركة معلومات تتعلق برقم الهاتف وقائمة المصادر والموقع ونوع الهاتف والبطارية، وهو ما يعني مثلاً أنه عند الحديث مع شخص بكثرة على (واتساب)، قد تجد اسمه في قائمة ترشيحات الصداقة على (فيسبوك)... غير أن مخاوف الناس بشأن مشاركة محتوى الرسائل غير صحيحة، إذ لدى (واتساب) خدمة تشفير -أو ترميز- الرسائل من الطرفين، وهو ما يعني أن الرسالة تكون مشفرة من جانب المرسل، ولا تفك هذه الشفرة إلا عند الطرف الثاني من المحادثة، وبالتالي فلا مبرر للرعب».
وفي أي حال، فإن الجدل الدائر بشأن سياسة الخصوصية الجديدة وصل إلى حد تحذير بعضهم من استخدام التطبيق. وحول هذا الأمر، قال ناڤين ناير، الرئيس المؤسس لموقع «كاونتراد» الهندي المتخصص في إنتاج محتوى لمكافحة «الفكر المتطرف»، لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحديث يثير كثيراً من الجدل في الهند. بيد أن التخلي عن التطبيق صعب، خاصة أننا نستخدمه في التواصل المهني... والسؤال حول الخصوصية يتعلق بجميع مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءاً مهماً من حياة الأفراد».
وبدوره، حاول «واتساب» خلال الأيام الماضية طمأنة المستخدمين الذين يصل عددهم إلى ملياري شخص، وذكر أن «التطبيق مبني على فكرة بسيطة، وهي أن من تشاركه مع عائلتك وأصدقائك يبقى بينكم، وهذا يعني أن التطبيق يحمي المحادثات الخاصة بخاصية التشفير من الطرفين، ولذلك لا يحتفظ (واتساب) بسجلات لمن تتحدث مهم. كذلك لا يطلع (فيسبوك) أو (واتساب) على جهات اتصال الشخص أو المواقع التي شاركها». وتابع «واتساب» موضحاً أن «التحديث لن يغير من هذه الخصائص، بل سيضيف خدمة جديدة للرسائل المتعلقة بالأنشطة التجارية، وهو ما يوفر مزيداً من الشفافية حول كيفية جمع المعلومات واستخدامها».
هنا، توضح إيما سادلر أنه «من المفترض أن تهدئ خاصية تشفير المحادثات من الجانبين المستخدمين... الذين بمقدورهم منع (واتساب) من معرفة موقعهم أو حالتهم، من خلال ضبط إعدادات التطبيق. فليس مبرراً أن يحذف الناس (واتساب)، بينما يستخدمون (فيسبوك) و(ماسنجر) و(إنستغرام) في الوقت نفسه، وكلها مواقع وتطبيقات تابعة للشركة نفسها، وهي تجمع معلومات أكثر عن المستخدمين».
وتشير سادلر إلى أن هناك «عدداً من المنصات البديلة لـ(واتساب)، لكن المشكلة تكمن في جلب الأشخاص الذين تريد التحدث معهم أو مراسلتهم إلى هذه المنصات، ذلك أن هذه المنصات أيضاً ستبحث عن طريقة لتحقيق عوائد مالية، فتطبيق (تلغرام) مثلاً تحدث عن سعيه لتحقيق عوائد مالية من الإعلانات في المستقبل».
لكن وفقاً لشركة «سنسور تاور» المتخصصة في تحليل التطبيقات، يبدو أن محاولات الطمأنة «لم تفلح في إزالة مخاوف بعض الذين اتجهوا بالفعل إلى تطبيقات منافسة، حيث جرى تحميل تطبيق (سيغنال) 17.8 مليون مرة خلال الفترة بين 5 و12 يناير (كانون الثاني) الحالي، بزيادة بلغت 61 ضعفاً عن الأسبوع السابق الذي شهد 285 ألف عملية تحميل، بينما جرى تحميل تطبيق (تلغرام) 15.7 مليون مرة في الفترة نفسها، ليضاعف عدد مرات التحميل عن الأسبوع السابق التي بلغت 7.6 مليون مرة. وهذا بينما تراجع عدد مرات تحميل تطبيق (واتساب) ليسجل 10.6 مليون تحميل، مقابل 12.7 مليون في الأسبوع السابق».
وحقاً أشعلت حالة الجدل المنافسة التجارية، واستغلت التطبيقات المنافسة الوضع، فنشر تطبيق «تلغرام» تغريدة على حسابه بـ«تويتر»، يسخر فيها من التحديثات الجديدة لـ«واتساب»، ويشبهها بمشهد «جنازة راقصة». وقال بافل دوروف، مالك تطبيق «تلغرام»، في بيان صحافي يوم 12 يناير (كانون الثاني) الحالي، إن «التطبيق شهد إضافة 25 مليون مستخدم خلال 72 ساعة، ليصل عدد المستخدمين إلى 500 مليون مستخدم. هذه زيادة ملحوظة في مقابل العام الماضي، عندما كان عدد المستخدمين الجدد لا يتجاوز 1.5 مليون يومياً».
وأردف دوروف: «التطبيق شهد أكثر من مرة، منذ ظهوره قبل 7 سنوات، زيادات مطردة في عمليات التحميل، لكن هذه المرة مختلفة، فالناس ما عادت ترغب في التفريط في خصوصيتها مقابل خدمات مجانية، وما عادت تقبل بأن تكون أدوات للتلاعب بها».
وبحسب دوروف، فإن «(تلغرام) أصبح الملاذ لمن يبحثون عن الخصوصية والأمان». واحتفى بـ«انضمام رؤساء دول للتطبيق، وهم رئيس البرازيل، ورئيس وزراء تركيا، إلى جانب مجموعة من الرؤساء الذين كانوا يستخدمون التطبيق من قبل، وهم رؤساء دول وحكومات المكسيك وفرنسا وسنغافورة وأوكرانيا وأوزبكستان وتايوان وإثيوبيا وإسرائيل».
وعلى صعيد متصل، وفر تطبيق «سيغنال» ملصقات بلغات متعددة تُمكن المستخدمين من إرسالها إلى جميع جهات اتصالهم، تشير إلى انتقالهم إلى «سيغنال». ونشر تغريدة مع رابط أغنية، وجرى تحميل التطبيق من قبل 1.3 مليون مستخدم الاثنين الماضي، بعدما كان عدد مرات تحميل التطبيق لا يتجاوز 50 ألفاً يومياً، وفقاً لموقع «أبتوبيا» المتخصص في تحليل بيانات التطبيقات. وقال مراقبون إنه مع «زيادة الإقبال على التطبيق الذي يعده الخبراء الأكثر أماناً -إذ لا يشارك سوى رقم الهاتف فقط- بدأ التطبيق يعاني من الضغط على خوادمه، وأعلن عن وجود مشكلات تقنية قال إنه يعمل على حلها، وزيادة سعة خوادمه لمواجهة حجم الإقبال المتزايد».
هذا، وقد ساهمت تغريده للملياردير الأميركي إيلون ماسك، يوم 7 يناير (كانون الثاني) الحالي، دعا فيها إلى استخدام «سيغنال»، في زيادة الإقبال على التطبيق، إضافة إلى رفع أسهم شركة صغيرة تدعى «سيغنال أدفانس» توجه الناس لشراء أسهم فيها اعتقاداً منهم أنها شركة «سيغنال» للمراسلات، وهو ما دفع تطبيق «سيغنال» إلى كتابة تغريدات وبيانات أوضح فيها أن «هذه ليست شركته، وأن طريقة الاستثمار فيه عبر التبرعات».
وتبرر سادلر حالة الجدل والخوف بـ«زيادة الوعي لدى الناس بأهمية الأمان الإلكتروني والخصوصية، وهو أمر جيد ومهم، ونتمنى أن يزيد في المستقبل»، كما تقول. ومن جانب ذي صلة، يواجه التطبيق تحديات قانونية، بعد تقديم التماس قضائي في المحكمة العليا بالهند في 14 يناير (كانون الثاني) الحالي، يتهم السياسة الجديدة لـ«واتساب» بـ«مراقبة المستخدمين، وتهديد الأمن الهندي». ولا يعرف ناير ما إذا كانت هذه الدعوى القضائية في الهند -السوق الضخمة بنحو 400 مليون مستخدم- ستتمكن من تغيير سياسة الخصوصية، أم أن «واتساب» سينجح في إقناع مستخدميه بسياسته الجديدة.


إعلام

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة