مجلس النواب يباشر إجراءات «عزل ترمب»

بيلوسي تدعو بنس إلى تفعيل «المادة 25»... وجمهوريون يفضلون «استقالة الرئيس»

جانب من أعمال بناء منصة تنصيب الرئيس المنتخب بايدن أمام مبنى الكابيتول أمس (إ.ب.أ)
جانب من أعمال بناء منصة تنصيب الرئيس المنتخب بايدن أمام مبنى الكابيتول أمس (إ.ب.أ)
TT

مجلس النواب يباشر إجراءات «عزل ترمب»

جانب من أعمال بناء منصة تنصيب الرئيس المنتخب بايدن أمام مبنى الكابيتول أمس (إ.ب.أ)
جانب من أعمال بناء منصة تنصيب الرئيس المنتخب بايدن أمام مبنى الكابيتول أمس (إ.ب.أ)

أقل من عشرة أيام تفصل الولايات المتحدة عن تنصيب الرئيس السادس والأربعين جو بايدن، لكن هذا لم يمنع الديمقراطيين من السعي لخلع الرئيس الحالي دونالد ترمب وعزله في هذه الفترة المتبقية قبل انتهاء ولايته.
وتصرّ رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي على أن بقاء ترمب في منصبه خلال هذه الفترة القصيرة سيشكل خطراً على أمن الولايات المتحدة؛ ولهذا أعطت لنائب الرئيس الأميركي مايك بنس مهلة 24 ساعة فقط لتفعيل التعديل 25 تحت طائلة عزل مجلس النواب لترمب مرة ثانية.
وقالت بيلوسي في رسالة إلى النواب الديمقراطيين «سوف نتصرف بعجل؛ لأن الرئيس يشكل خطراً محدقاً. الرعب الذي يرافق الاعتداء المستمر على ديمقراطيتنا من قبل هذا الرئيس يتزايد؛ ولهذا هناك ضرورة للتصرف فوراً». وأمس، قدم الديمقراطيون الذين يتمتعون بالغالبية في مجلس النواب، نص اتهام بحق ترمب، بتهمة «الحض على العنف» على خلفية أحداث مبنى الكابيتول. كما قدموا مشروع قرار آخر يطلب من نائب الرئيس مايك بنس إقالة ترمب، بالاستناد إلى التعديل الخامس والعشرين للدستور الأميركي. ويتوقع أن يتم التصويت عليه في جلسة عامة اعتباراً من اليوم (الثلاثاء). وفي حال لم يتجاوب بنس مع المطالب، وهو المتوقع، فإن مجلس النواب سينتقل إلى النظر في ملف العزل والتصويت عليه منتصف الأسبوع الحالي.

احتمالات عزل ترمب
وقد تمكّن الديمقراطيون من حشد الدعم لعزل الرئيس؛ إذ أعلن النائب الديمقراطي ديفيد سيسليني أنه تمكّن من الحصول على دعم أكثر من 211 نائباً حتى الساعة، وأن هذا العدد سيستمر في التزايد قبل يوم التصويت. وبما أن عزل الرئيس يتطلب الأغلبية البسيطة للأصوات في مجلس النواب، أي 217 صوتاً، فمن المرجح أن يقرّ المجلس عزل ترمب، ليصبح بذلك الرئيس الأول في التاريخ الأميركي الذي يعزل مرتين.
ولم يحسم الديمقراطيون ما إذا كان سيتم التصويت على بند واحد للعزل، وهو التحريض على العنف، أم إضافة بند آخر حول استغلال الرئيس لصلاحياته للضغط على مسؤولين في ولاية جورجيا بهدف قلب نتيجة الانتخابات الرئاسية.
وينصب تركيز المشرعين على البند الأول، وهو التحريض على التمرد، وهم طرحوه رسمياً في المجلس يوم الاثنين. وينص هذا البند على التالي «بما أن الرئيس ترمب من خلال أفعاله، أثبت بأنه سيشكل خطراً على الأمن القومي والديمقراطية والدستور في حال السماح له بالبقاء في منصبه، وبما أنه تصرف بطريقة تنتهك القوانين، فيجب بالتالي عزله ومحاكمته وإزاحته من منصبه، وتجريده من صلاحيته للترشح والفوز بأي منصب رسمي في الولايات المتحدة».
ولعلّ النقطة الأخيرة في هذا البند هي الأهم في موضوع العزل في هذه الفترة القصيرة المتبقية من رئاسته؛ فهدف طارحي ملف العزل هو منع ترمب من الترشح مجدداً لمنصب الرئاسة. والوقوف بوجه طموحاته السياسية لتسلم أي منصب رسمي. لهذا؛ فلن يستعجل الديمقراطيون في دفع مجلس الشيوخ نحو البدء بمحاكمة ترمب.

دور مجلس الشيوخ
فبعد أن تتم الموافقة على عزله في مجلس النواب، كما هو متوقع، يدور الحديث حول تأخير إرسال بنود العزل إلى مجلس الشيوخ. وبهذا يكون الديمقراطيون قد تجنبوا افتتاح عهد بايدن الجديد بمحاكمة عزل خلفه دونالد ترمب.
وتحدث جايمس كلايبرن، وهو من القيادات الديمقراطية عن هذا التوجه، فقال «لنعطِ الرئيس المنتخب بايدن الأيام المائة التي يحتاج إليها في بداية عهده لتطبيق أجندته والمضي قدماً. وربما نرسل بنود العزل إلى مجلس الشيوخ بعد ذلك».
وفي حال تطبيق هذه الخطة، يكون الديمقراطيون قد ضربوا عصفورين بحجر، فمن جهة أدانوا الرئيس الأميركي رسمياً عبر عزله في مجلس النواب، ومن جهة أخرى جنّبوا بايدن التعاطي مع هذا الملف في بداية حكمه.
ويأمل الديمقراطيون أنهم عبر الانتظار لطرح القضية في مجلس الشيوخ، سيتمكنون من حشد الدعم الجمهوري الكافي لمحاكمة ترمب ومنعه من الترشح مجدداً. وهذه مهمة صعبة نظراً لأن الإدانة في مجلس الشيوخ تتطلب أغلبية ثلثي الأصوات.

طروحات أخرى
ويفضل الكثيرون هذا الطرح، وتفسر بيلوسي الأمر في مقابلة مع برنامج «ستون دقيقة» قائلة «تفعيل التعديل 25 يتخلص من ترمب فوراً. سيُخلع من منصبه فوراً».
ووصفت بيلوسي ترمب بالرئيس «الخطير والمضطرب والمختل». ووافق النائب الجمهوري آدم كيزينغر على أن تفعيل التعديل أفضل من العزل، إذا اعتبر أن محاولات العزل ستظهِر ترمب بمظهر الضحية مجدداً، وهذا ما يخشى منه الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء. ولهذا؛ دعا بعض الجمهوريين ترمب إلى الاستقالة من منصبه، معتبرين أن هذا هو الحل الأنسب.
وقال السيناتور الجمهوري المحافظ بات تومي «الحل الأنسب لمصلحة بلادنا هو أن يستقيل ترمب ويغادر في أسرع وقت ممكن. أعلم أن هذا الحل ليس مرجحاً، لكنه الحل الأفضل». لينضم بذلك إلى السيناتورة الجمهورية ليزا ماركوفسكي. وقال عدد من الجمهوريين في مجلس الشيوخ، إنهم منفتحون على التصويت على إدانة ترمب بعد عزله في النواب، كالسيناتور بن ساس وليزا ماكوفسكي وبات تومي.
ومن أحد الطروحات مشروع قرار رمزي يدين ترمب على أفعاله رسمياً، وهو أمر يحظى بدعم جمهوري في وقت يعارضه عدد كبير من الديمقراطيين؛ لأنهم يعتبرون أنه مجرد موقف رمزي لن تنجم عنه أي عواقب. ويسعى الجمهوريون إلى إقناع بايدن بالانضمام إلى صفوفهم ودفع الديمقراطيين تجاه هذا الطرح.
بدوره، التزم زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش مكونيل بالصمت حلى الساعة فيما يتعلق بموقفه من عزل ترمب، يبدو أنه ينظر في احتمال طرح التعديل 14 من الدستور. وينص البند الثالث من هذا التعديل على منع أي شخص يشارك في عمليات تمرد أو ثورة ضد الولايات المتحدة من تبوء أي منصب رسمي في البلاد. 
لكن التحدي الأبرز في هذا التعديل هو أنه لم يتم استعماله من قبل في التاريخ الأميركي.
وتأتي هذه التحركات في حين ما زال الكونغرس يلملم آثار المقتحمين الذين عاثوا خراباً فيه، وقد استعرضت بيلوسي الأضرار التي لحقت بمكتبها في برنامج «ستون دقيقة»، فأظهرت باب مكتبها المكسور، إضافة إلى تحطيم زجاج مرآة في مكتبها الخاص، كما قالت إن المقتحمين سرقوا جهاز كومبيوتر وأشياء أخرى من المكتب.
وتحدثت رئيسة مجلس النواب عن اختباء عدد من الموظفين في مكتبها من المقتحمين، قائلة «لقد كانوا يصرخون بوضوح: أين هي رئيسة المجلس؟ نعلم أن لديها موظفين. إنهم هنا في مكان ما. وسوف نعثر عليهم».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended