صنعاء تودّع أسوأ أعوامها مع الانقلابيين

أوبئة وإتاوات وقمع وسرقة للمساعدات الأممية و«حوثنة» للمؤسسات

TT

صنعاء تودّع أسوأ أعوامها مع الانقلابيين

ودع سكان العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، واحداً من أسوأ أعوامهم في ظل حكم الميليشيات الحوثية الموالية لإيران، بسبب استمرار الجماعة في إحكام قبضتها على كل مفاصل الدولة، وتجاهل قادتها لتفشي الأوبئة، وتنافسهم على الإثراء والنفوذ، بالتزامن مع توقف الرواتب وحملات القمع وجمع الإتاوات واتساع صنوف الانتهاكات ضد المدنيين.
وتحدث مواطنون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عما وصفوه بـ«يد الإجرام والفساد الحوثية» التي قالوا إنها لم تستثن خلال عام 2020 أحداً في صنعاء، بل طالت جرائمها وانتهاكاتها الصغار والكبار والنساء والشيوخ، فضلاً عن السياسيين والبرلمانيين والتجار وحتى باعة الأرصفة وملاك المتاجر والمخابز والشركات العامة والخاصة، وكافة القطاعات التعليمية والصحية والدينية والبيئية والزراعية وغيرها.
ويقول الحقوقي «م.ن»، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «لقد كان عام 2020 الأصعب والأشد بالنسبة لسكان العاصمة صنعاء، حيث بات غالبيتهم يعيشون نتيجة فساد ونهب وعبث وقمع الميليشيات على حافة المجاعة، ويعانون من أوضاع معيشية كارثية».
وكان إخفاء الميليشيات المتعمد للوقود في صنعاء، ومواصلة بيعه طيلة أشهر بأسعار مرتفعة في السوق السوداء ومحاربتها لذوي الدخل المحدود في أرزاقهم واستنزاف مدخراتهم، أدى إلى استفحال الأزمات الاقتصادية والإنسانية، الأمر الذي انعكس سلباً على أسعار المواد الغذائية التي ارتفعت بشكل جنوني، ما جعل الكثير من السكان يقفون عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الضرورية لضعف قدرتهم الشرائية، وعدم توافر السيولة، بسبب مواصلة نهب الجماعة للمرتبات منذ أعوام.
وألقت تلك السلسلة من الممارسات الحوثية وغيرها طيلة 2020 بظلالها على أوضاع المواطنين في صنعاء، كما شهدت العاصمة بالمقابل ارتفاعاً غير مسبوق لأعداد المتسولين، لتصبح ظاهرة التسول في ظل سيطرة وحكم وفساد الانقلابيين من أكثر الظواهر الاجتماعية انتشاراً بين المجتمع اليمني.
كان أكاديميون مختصون بقضايا السكان قدروا بوقت سابق لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد المتسولين في صنعاء ارتفعت إلى أكثر من 200 ألف متسول ذكوراً وإناثاً من مختلف الأعمار، وما زالت في تصاعد.
على الصعيد الإنساني، واصلت الجماعة في 2020 حرمان الآلاف من المواطنين والنازحين في صنعاء العاصمة من المعونات الغذائية المقدمة لهم من المنظمات الدولية، غير مبالية بكل الاتهامات الموجهة لها بضلوعها وراء عملية نهب وسرقة المساعدات وتسخيرها لصالح أسر قتلاها والموالين لها.
ومع استمرار الاستهداف الحوثي للمنظمات الدولية التي تقدم مساعدات للجوعى في صنعاء ومدن يمنية أخرى، ومواصلة تدخلاتها في طبيعة عملها ومجمل نشاطاتها الإغاثية، كان برنامج الغذاء العالمي ومنظمات أخرى قد أوقفوا عملهم مرات عدة في صنعاء كمحاولة للضغط على الميليشيات للكف عن سرقة الطعام من أفواه الجائعين. لكن الجماعة واصلت استغلال ذلك عبر المتاجرة بمعاناة اليمنيين التي افتعلتها على مستوى الداخل والخارج.
وعقب حرمان الانقلابيين للسكان من الحصول على المساعدات الإغاثية، وتعمد تكديس الأطنان منها بمخازن سرية تابعة للجماعة، رصدت تقارير محلية عمليات إتلاف حوثية لكميات كبيرة من القمح والسلع الأخرى المنتهية الصلاحية، التي كانت مخصصة للفقراء والمحتاجين والنازحين في صنعاء ومناطق تحت سيطرتها.
ومع تفاقم المعاناة والأوضاع الإنسانية بفعل الانقلاب والحرب الحوثية، حذرت الأمم المتحدة من أن اليمن بات على شفير المجاعة مجدداً، وجاء في بيان لبرنامج الأغذية العالمي أن عدد الناس الذين يواجهون ثاني أعلى مستوى لانعدام الأمن الغذائي في اليمن سيزيد من 3.6 مليون شخص، ليصل إلى 5 ملايين شخص في النصف الأول من عام 2021.
وأشار إلى أن «عدد الناس الذين يواجهون هذه الدرجة من انعدام الأمن الغذائي الكارثي قد يتضاعف ثلاث مرات تقريباً من 16500 حالياً، ليصبح 47 ألف شخص بين يناير (كانون الثاني) ويونيو (حزيران) 2021».
وبسبب استمرار غياب العدالة التي تخضع هي الأخرى لهيمنة الجماعة، عد ناشطون وسياسيون وإعلاميون ومواطنون في صنعاء أن تصنيف الميليشيات في ضمن جماعات الإرهاب بات اليوم مطلباً شعبياً من قبل جميع اليمنيين ككل وسكان صنعاء على وجه التحديد.
ويقول محامٍ في صنعاء رمز لاسمه بـ«و.ق»، «إن أصوات اليمنيين ترتفع اليوم أكثر للمطالبة بإعلان الميليشيات جماعة إرهابية، والتعامل معها على هذا الأساس باعتباره أمراً في غاية الأهمية».
وأضاف: «إن سلسلة الجرائم وحملات النهب والابتزاز التي مارستها الجماعة طيلة الأشهر الماضية بحق السكان في صنعاء تؤكد للجميع أنها جماعة إرهابية، وليس ثمة فرق بين ما قامت به هذه الميليشيات وبين ما ترتكبه الجماعات الإرهابية الأخرى كتنظيم (داعش) و(القاعدة) و(أنصار الشريعة)، فهما في الأول والأخير وجهان لعملة واحدة».
وقال «إن استمرار صمت المجتمع الدولي على انتهاكات الانقلابيين بحق السكان في صنعاء ومدن يمنية أخرى سيطيل معاناتهم، ويزيد من أوجاعهم، وسيعمل بالوقت ذاته على تشجيع الميليشيات وتماديها في مواصلة ارتكاب أبشع الجرائم بحقهم».
على الجانب العسكري، استمرت الجماعة الحوثية في شن حملات تجنيد قسرية في مختلف مناطق سيطرتها لتعويض خسائرها، وسط تقديرات حكومية بمقتل نحو 10 آلاف من عناصر الجماعة خلال العام المنصرم.
كانت الحكومة اليمنية طالبت مراراً، المجتمع الدولي، بموقف حازم إزاء جريمة تجنيد الميليشيات لآلاف الأطفال، وتحويلهم أدوات للقتل، وإلى قنبلة موقوتة تهدد حاضر ومستقبل البلد والأمن والسلم الإقليمي والدولي.
واتهمت الحكومة الشرعية، في بيان لها، مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الميليشيات باصطياد الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرتها عبر الأفكار الإرهابية المتطرفة، وإلقائهم في محارق الموت دون اكتراث بمصيرهم ومعاناة أسرهم.
وأشارت إلى أن الجماعة ضاعفت عمليات تجنيد الأطفال في صنعاء، وأخضعتهم لما تسميها بـ«دورات ثقافية وعسكرية» بهدف بناء جيش من الإرهابيين، وتغطية النقص الحاد في مخزونها البشري.
وعلى وقع ما تشهده الأجنحة الحوثية من صراعات محتدمة على المال والنفوذ قادت بعضها إلى اشتباكات بينية في صنعاء ومناطق أخرى، بدأ ذلك الصراع يأخذ منحى آخر، خصوصاً بعد وصول القيادي في الحرس الثوري الإيراني حسن إيرلو إلى صنعاء، منتحلاً صفة السفير لدى اليمن، ليتحول بعدها إلى صراع عقائدي بين جناحي صنعاء وصعدة، حيث مالت الغلبة باتجاه الجناح العقائدي في صعدة، على حساب جناح السلالة في صنعاء وعمران وذمار وإب.


مقالات ذات صلة

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

خاص الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط) play-circle

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت.

عبد الهادي حبتور (المكلا - اليمن)
العالم العربي أطفال اليمن أُجبروا على مغادرة مقاعد الدراسة ويفتقرون لمساحات الترفيه (غيتي)

دوريات بأسماء القتلى... تعبئة حوثية من بوابة الرياضة

حوَّل الحوثيون الرياضة من ترفيه إلى أداة تعبئة ونظموا دوريات وفعاليات بأسماء قتلاهم بغرض استهداف الأطفال والشباب، في مقابل التضييق والسيطرة على الأندية المستقلة

وضاح الجليل (عدن)
خاص حشود من أبناء المكلا في وقفة شكر للمملكة العربية السعودية على دعمهم في الأحداث الأخيرة (الشرق الأوسط) play-circle 02:09

خاص شخصيات حضرمية: الموقف السعودي تاريخي ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار

أكد عدد من وجهاء وأعيان حضرموت أن الوقفة السعودية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المحافظة الواقعة شرق اليمن.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
خاص أركان قطاع بلفقيه في لواء النخبة الحضرمي رائد الجابري (الشرق الأوسط) play-circle 02:22

خاص الجابري يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أحداث المكلا التي أعقبت «الهروب الكبير»

مع تفاقم الأوضاع الأمنية في حضرموت، على خلفية المواجهات بين قوات «درع الوطن» التابعة للحكومة اليمنية، مع قوات المجلس الانتقالي، وتراجع الأخيرة ميدانياً.

عبد الهادي حبتور (المكلا)
خاص محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط) play-circle 00:56

خاص الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: الموقف السعودي كان حاسماً... وتشغيل المطارات قريباً

أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، أن الأوضاع في المحافظة، وادياً وساحلاً، بدأت تعود إلى طبيعتها، في أعقاب التطورات الأخيرة.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.