مع بدء العد العكسي لموعد المصادقة الرسمية من قبل الكونغرس الأميركي على نتائج الانتخابات الرئاسية، يتعمق الشرخ الجمهوري، خصوصاً أن الصدع الذي أحدثه السيناتور تيد كروز وزملاؤه في مجلس الشيوخ عند التعبير عن مساندتهم لجهود عرقلة المصادقة على نتيجة الانتخابات يتوسع شيئاً فشيئاً. وجاءت هجمات الرئيس دونالد ترمب على كل من يعارضه من الحزب لتضرب في عمق هذا الصدع، وتقضي على كل أمل في رأبه.
وقد أدى تخوف الجمهوريين التقليدين من عمق الانقسام، وتأثير التحرك المعارض على دخول البلاد أزمة دستورية محتملة، إلى إصدار عدد من الجمهوريين البارزين لمواقف منددة بجهود المعارضين. وجاء التصريح الأكثر حدة على لسان رئيس مجلس النواب السابق بول راين الذي حذر من عواقب أفعال بعض الجمهوريين، وأصدر بياناً يقول: «في نظامنا الانتخابي، يحدد الناخبون الرئيس، وهذا النوع من الحكم الذاتي لا يمكن الحفاظ عليه إذا ما قرر الكونغرس تغيير إرادة الشعب».
وتابع راين: «إن جهود رفض المصادقة على المجمع الانتخابي، وزرع الشك في فوز بايدن، يضرب أسس جمهوريتنا». وسدد راين الضربة القاضية في نهاية تصريحه، عندما قال: «من الصعب أن أرى تصرفاً ضد مبادئ الديمقراطية والمبادئ المحافظة يوازي هذا التدخل الفيدرالي لقلب نتائج الانتخابات التي صادقت عليها الولايات، وإلغاء أصوات الملايين من الأميركيين».
لكن دعوات راين لم تلقَ آذاناً صاغية حتى من أقرب المقربين له، زعيم الأقلية الجمهورية كيفين مكارثي الذي سلمه راين شعلة رئاسة الحزب عندما غادر الكونغرس. فقد اتخذ مكارثي موقفاً داعماً لترمب، وعبر عن ولائه الكامل له من دون شروط. وعلى ما يبدو، فإن مكارثي -على خلاف زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ- أعطى مباركته لجهود الجمهوريين المعارضين للمصادقة، إذ قال: «إذا أردت توحيد البلاد، يجب أن تبدأ بالتطرق إلى نزاهة الانتخابات؛ هناك أسئلة متعلقة بذلك. وما الضرر في عرض المعلومات لمساعدة الأشخاص على اتخاذ قرارات؟».
لكن القيادات الجمهورية الأخرى تخالف مكارثي الرأي، وتعد أن الاعتراض على المصادقة، حتى لو كان مصيره الفشل المحتم، سيسجل سابقة تاريخية لن يتمكن الجمهوريون من تصحيح الضرر الناجم عنها في المستقبل. وقالت النائبة الجمهورية ليز تشيني، ابنة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني أحد قيادات الحزب الحاليين: «من خلال الاعتراض على نتائج المجمع الانتخابي، يؤكد أعضاء الكونغرس -ولو بطريقة غير مباشرة- أن الكونغرس لديه حق قلب نتائج الانتخابات، وتجاوز الولايات والمحاكم الفيدرالية». وحذرت تشيني، في رسالة كتبتها إلى زملائها، من «الخطورة البالغة لهذه السابقة، من خلال سلب مسؤولية الولايات الدستورية لاختيار الرئيس، وإعطائها إلى الكونغرس».
وترددت هذه التحذيرات من كل حدب وصوب، إذ يجمع الجمهوريون المعتدلون على خطورة تحركات زملائهم الداعمة لجهود ترمب في التشكيك بنتائج الانتخابات، وتأثيرها الموجع على مستقبل الحزب السياسي. وانضمت صحيفة «وول ستريت جورنال» المحافظة إلى ركب المحذرين، فكتبت في مقال بعنوان «رافضو الانتخابات» أنه «من خلال الانصياع للسيد ترمب، سمح الجمهوريون له بتقسيم الحزب، والحفاظ على نفوذه فيه. هذا قد يؤذي فرص الحزب باستعادة مجلس النواب في عام 2022. أما بالنسبة لعام 2024، فحظاً سعيداً في الحصول على دعمه، فهو قد يترشح مجدداً لانتزاع تسمية الحزب. وإن لم يحصل عليها، فسوف يخوض السباق مرشحاً عن حزب ثالث للانتقام، وبهذا يكون قد ضمن فوز كامالا هاريس بالرئاسة»، في كلمات قاسية موجهة بطريقة غير مباشرة للسيناتور تيد كروز وجوش هولي اللذين لديهما طموحات سياسية بخوض السباق الرئاسي في عام 2024. وقد اتهمها أعضاء حزبهما بأنهما يدعمان ترمب للفوز بقاعدته الشعبية، بهدف الترشح بعد 4 أعوام.
وذكرت الصحيفة تيد كروز بانتخابات عام 2016، عندما ترشح ضد ترمب: «تذكر أنه (ترمب) زعم أن نتيجة تجمع أيوا الانتخابي كانت مزيفة لأنه خسر أمام تيد كروز. وهو الآن يحرك نظريات المؤامرة وأكاذيب عن الانتخابات يومياً على «تويتر». لا يبدو أنه يكترث بالضرر الذي يحدثه وهو يروج لأسطورة فوزه». وأشادت الصحيفة بالجمهوريين الذين يقفون بوجه هذه المحاولات، ويدافعون عن «المبادئ الدستورية المحافظة»، معتبرة أن أصواتهم هذا الأسبوع ستشع في كتب التاريخ.
وإذ يختلف كثير من الجمهوريين مع مقاربة كروز وشركائه، برز موقف للسيناتور المحافظ توم كوتون، وهو من الأسماء المطروحة للترشح للرئاسة في عام 2024. فقد رفض كوتون الانضمام إلى جهود المعارضة، ووجه كلمات تحذيرية لزملائه، أمثال كروز وهولي، قائلاً: «إن آباءنا المؤسسين أعطوا الولايات صلاحية الانتخابات، وليس الكونغرس. لقد أعطوا صلاحية اختيار الرئيس للشعب عبر المجمع الانتخابي، وليس للكونغرس.
وأعطوا المحاكم صلاحية البت في النزعات الانتخابية، وليس الكونغرس». وذكر كوتون زملاءه بأن «الدستور الأميركي والقانون الانتخابي يحدد صلاحيات الكونغرس باحتساب أصوات المجمع الانتخابي التي قدمتها الولايات».
هجوم ترمب على معارضيه
ولا يخفي الجمهوريون الذين يعارضون جهود ترمب قلقهم من تأثير هذه المعارضة على مستقبلهم السياسي، فالرئيس الأميركي معروف بنزعاته الانتقامية، وقد انقض على كوتون بعد إعلانه عن معارضته لجهوده هذه، وحذره: «أيها السيناتور كوتون، للجمهوريين محاسن ومساوئ، لكن هناك أمر واحد أكيد: هم لا ينسون!». وكان ترمب قد سبق أن بدأ جهوده بمهاجمة معارضيه، مستهدفاً أحد أبرز أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوري جون ثون الذي يخوض سباقاً للحفاظ على مقعده في عام 2022 في ولاية داكوتا الجنوبية. وحث ترمب حاكمة الولاية الجمهورية على تحدي ثون في سباق مجلس الشيوخ، في خطوة رآها كثيرون على أنها دليل واضح على أن ترمب يسعى لتحريض أعضاء الحزب الجمهوري بعضهم ضد بعض.
وجاءت تهديدات ترمب لتعزز موقف زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل الذي كان قد حذر الجمهوريين في المجلس من الاعتراض على المصادقة، خوفاً من إحراج المرشحين لانتخابات عام 2022، وخسارتهم لمقاعدهم في المجلس.
وقد التف الجمهوريون حول زملائهم الذين يهددهم ترمب، فأصدرت مجموعة منهم بياناً يقول: «انتخابات عام 2020 انتهت وحسمت. وأي محاولات إضافية للتشكيك بنزاهة الانتخابات الرئاسية ستكون محاولة للاعتراض على إرادة الأميركيين، وستؤدي إلى زرع بذور الشك في نتائج الانتخابات المحسومة».
وتابع البيان الذي وقع عليه الجمهوريون سوزان كولينز وليزا مركوفسكي وبيل كاسيدي وميت رومني: «الناخبون قالوا كلمتهم، وعلى الكونغرس الآن احترام مسؤولياته، والمصادقة على نتيجة الانتخابات».




