2020 السنة المتطرفة بيئياً

اختلط الوباء مع زيادة قياسية في حرائق الغابات والأعاصير والحرارة

من حرائق الغابات في كاليفورنيا في سبتمبر 2020 (أ.ف.ب)
من حرائق الغابات في كاليفورنيا في سبتمبر 2020 (أ.ف.ب)
TT

2020 السنة المتطرفة بيئياً

من حرائق الغابات في كاليفورنيا في سبتمبر 2020 (أ.ف.ب)
من حرائق الغابات في كاليفورنيا في سبتمبر 2020 (أ.ف.ب)

2020 هي سنة التغيرات الكبرى التي رسمت ملامحها جائحة «كوفيد-19»، بتهديدها للصحة العامة، وتداعياتها الاقتصادية الكبيرة. وهي أيضاً السنة التي حفلت بالحركات الشبابية الداعمة لقضايا المناخ والعدالة الاجتماعية، وشهدت تسجيل درجات حرارة قياسية، فكانت ثالث أسخن السنوات في التاريخ المعاصر. كما عرفت انتشاراً واسعاً لحرائق الغابات المدمرة في الولايات المتحدة والدائرة القطبية وحوض الأمازون وأستراليا وشرق المتوسط. وفي هذه السنة استمرت أزمات الغذاء والماء، وتلوث الهواء، وتغير المناخ، وفقدان التنوع الحيوي.
خلال سنة 2020، اجتاحت الأمطار الغزيرة والفيضانات مناطق شاسعة من أفريقيا وآسيا، وارتفعت درجات الحرارة حتى في أبرد مناطق العالم، فوصلت قرب الدائرة القطبية الشمالية إلى 38 درجة مئوية، وأنتج المحيط الأطلسي رقماً قياسياً من الأعاصير المدارية بلغ 30 إعصاراً.
ورغم أن هذه السنة عرفت تراجعاً في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بنحو 7 في المائة، بسبب سياسة الإغلاق التي اتبعتها الدول للحد من انتشار جائحة «كورونا»، فإن هذا التراجع القصير لن يُحدث فارقاً كبيراً في تغيُّر المناخ على المدى الطويل. ويستمر الاتجاه التصاعدي لارتفاع درجة الحرارة إلى 3 درجات مئوية مع نهاية هذا القرن، متخطياً بذلك أهداف اتفاقية باريس المناخية بمقدار الضعف، ما لم تُتخذ تدابير سريعة حاسمة لوقف الانبعاثات الكربونية.
ففي المقابل، يمكن أن يؤدي التعافي من الجائحة إلى تراجع الانبعاثات المتوقعة حتى سنة 2030 بنحو 25 في المائة، إذا جرى اعتماد سياسات خضراء صديقة للبيئة. ويمكن لهذا التعافي أن يتجاوز وفورات الانبعاثات التي سيتم تحقيقها في ظل المساهمات المحددة وطنياً بموجب اتفاقية باريس، وفي هذه الحالة سيكون العالم على مسار قريب من زيادة لا تتجاوز درجتين مئويتين.
وقد حملت هذه السنة أيضاً ما يدعو إلى التفاؤل. فمع نهايتها، كانت 126 دولة مسؤولة عن 51 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية قد اعتمدت أو أعلنت أو تفكر في تحقيق هدف صفر انبعاثات. ويمثل انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، وإعلانه عودة بلاده إلى اتفاقية باريس، فرصة لتعزيز الجهد العالمي في مواجهة تغيُّر المناخ. وقد تعهد عند الإعلان عن فريقه المناخي بالعمل سريعاً للوصول إلى «صفر انبعاثات» مع حلول سنة 2050.
وتُصنف جائحة «كوفيد-19» ضمن الأمراض الناشئة التي تنتقل بين الحيوانات والبشر، وهي تهدد التنمية الاقتصادية وصحة الإنسان وسلامة النظام البيئي. ويدعو برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى تعزيز الجهود العالمية في حماية التنوع الحيوي عبر تطبيق عدد من الإجراءات، كالحفاظ على الموائل الطبيعية وتنظيم الصيد ووضع حد للتجارة غير المشروعة في الكائنات الحية.
وكان تقرير صدر عن الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2020 قد أعلن أن العالم فشل في تحقيق جميع الأهداف العشرين لاتفاقية آيتشي الخاصة بحماية التنوع الحيوي. وأشار تقرير «الكوكب الحي 2020» الصادر عن الصندوق العالمي للحياة البرية إلى أن أعداد 21 ألفاً من أنواع الثدييات والأسماك والطيور والزواحف والبرمائيات على مستوى العالم تناقصت بمعدل 70 في المائة خلال السنوات الخمسين الماضية.
وتصف ورقة بحثية نشرتها دورية «نيتشر» أخيراً سنة 2020 بأنها «نقطة العبور» التي تجاوز فيها وزن ما صنعه البشر الكتلة الحية للكوكب. فعلى سبيل المثال، تساوي كتلة برج إيفل الكتلة التي تمثلها حيوانات وحيد القرن الأبيض المتبقية في العالم، وتعادل الكتلة التي صنعها الإنسان في مدينة نيويورك كتلة جميع الأسماك. وتتضاعف الكتلة ذات المنشأ البشري كل 20 سنة، ومعها تتضاعف مشكلة النفايات وآثارها البيئية.
وعرفت النفايات حول العالم تحدياً غير مسبوق بسبب الجائحة، حيث أصبحت إدارة النفايات الطبية أمراً مرهقاً للبلدان المتقدمة والنامية. كما تعرضت جهود الحد من النفايات البلاستيكية لانتكاسة غير مسبوقة. مع تخفيف كثير من الدول قيودها على البلاستيك لتلبية الطلب الفوري على توصيل المواد الغذائية والإمدادات إلى المنازل. وتوقف تدوير النفايات في القطاع غير الرسمي بسبب المخاوف من العدوى، كما أعاقت إجراءات الإغلاق والركود الاقتصادي عمليات إدارة النفايات.
وتسببت جائحة «كوفيد-19» في اضطراب قطاع الطاقة أكثر من أي حدث آخر في التاريخ. وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الجائحة أدت إلى انخفاض الطلب العالمي على الطاقة بنسبة 5 في المائة، وتراجع الاستثمارات بنحو 18 في المائة. وفيما تناقص الطلب العالمي على الوقود الأحفوري، بين 3 في المائة للغاز و7 في المائة للفحم و8 في المائة للنفط، ارتفعت مساهمة المصادر المتجددة. فقد شهدت سنة 2020 نمواً في قطاع الطاقة المتجددة بنسبة 7 في المائة بفضل العقود الطويلة الأجل، والتركيب المستمر لمحطات جديدة، وأولوية الوصول إلى الشبكة. ومع ذلك، أدى تراجع النشاط الاقتصادي، وتناقص الطلب على الطاقة، إلى نتيجة صافية هي زيادة إجمالية بمقدار 1 في المائة في الطلب على الطاقة المتجددة خلال السنة. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تشهد سنة 2021 توسعاً قياسياً يقارب 10 في المائة في تركيبات الطاقة المتجددة.
وصادفت سنة 2020 كذلك اكتمال 3 عقود من الجهود العالمية الناجحة في الحفاظ على طبقة الأوزون واستعادتها. وكان العلماء قد دقوا ناقوس الخطر بشأن طبقة الأوزون في أواخر سبعينيات القرن الماضي عندما اكتشفوا أن المواد الكيميائية الموجودة في الثلاجات ومكيفات الهواء تستنفد هذه الطبقة الجوية الرقيقة التي تحمي الحياة على كوكب الأرض من الأشعة فوق البنفسجية. وبفضل الإرادة العالمية بعد دخول بروتوكول مونتريال حيز التنفيذ سنة 1989 جرى التخلص من 99 في المائة من المواد المستنفدة للأوزون.
ويبقى تلوث الهواء هو الخطر الصحي البيئي الأكثر أهمية في جميع الأوقات، إذ يودي بحياة 7 ملايين شخص سنوياً، أو ما يمثل وفاة واحدة من بين كل 9 وفيات مبكرة تحصل في العالم. وتُخفق 98 في المائة من المدن التي يزيد عدد سكانها عن 100 ألف نسمة في تلبية إرشادات جودة الهواء الصادرة عن منظمة الصحة العالمية.
وترتفع مؤشرات تلوث الهواء في جميع الدول العربية بنحو 5 إلى 10 أضعاف القيم الموصى بها، ويُعزى هذا التدني في نوعية الهواء إلى عوامل بشرية، كانبعاثات المصانع والسيارات وحرائق المحاصيل، وإلى عوامل طبيعية، كالعواصف الترابية والغبارية، حيث تقع الدول العربية ضمن المنطقة المعروفة باسم «حزام الغبار»، التي تمتد من الصحراء الكبرى عبر الشرق الأوسط إلى وسط وشمال شرقي آسيا.
ويرى كثيرون أن 2020 هي سنة مفصلية جعلت البشر يدركون جانباً من المخاطر التي قد تنتج عن العبث بالطبيعة. وهي إذ تمثل لمحة عما قد يحصل في المستقبل، فهي أيضاً تحمل أملاً في تغيير المسار نحو واقع أفضل للإنسان والكوكب في آن واحد.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».