ترمب يترك بصمة مستدامة على سياسات الهجرة الأميركية

جانب من مظاهرة خارج المحكمة العليا لحماية حقوق «الحالمين» في نوفمبر 2019 (أ.ب)
جانب من مظاهرة خارج المحكمة العليا لحماية حقوق «الحالمين» في نوفمبر 2019 (أ.ب)
TT

ترمب يترك بصمة مستدامة على سياسات الهجرة الأميركية

جانب من مظاهرة خارج المحكمة العليا لحماية حقوق «الحالمين» في نوفمبر 2019 (أ.ب)
جانب من مظاهرة خارج المحكمة العليا لحماية حقوق «الحالمين» في نوفمبر 2019 (أ.ب)

عندما رشح الرئيس دونالد ترمب نفسه لإعادة انتخابه، سارع سكان الولايات المتحدة الذين ولدوا في الخارج للحصول على الجنسية الأميركية «قبل فوات الأوان».
ومن بين هؤلاء فيكتوريا أبراموفسكا، التي أصبحت مواطنة أميركية وتعيش في ولاية ماين. قالت فيكتوريا لوكالة «أسوشييتد برس»، «لم أكن أعرف ماذا كان سيحدث إذا حصل ترمب على فترة ولاية ثانية بعد كل هذه الأفعال التي قام بها».
لم تكن مخاوف فيكتوريا بلا أساس؛ فقد كانت إدارة ترمب أكثر عداءً للهجرة والمهاجرين من أي إدارة سابقة منذ عقود؛ مما جعل من الصعب على الناس زيارة الولايات المتحدة أو العيش أو العمل فيها، وذلك إلى جانب سعيها إلى تقليل عدد الذين يدخلون البلاد بشكل غير قانوني.
من الممكن لجو بايدن التراجع بسرعة عن العديد من إجراءات الهجرة التي اتخذتها إدارة ترمب عندما يصبح رئيساً في 20 يناير (كانون الثاني)، وفق «أسوشييتد برس». لكن لن يتم محو إرث ترمب بشأن الهجرة بسهولة، فقد حُرم الناس من فرصة التقدم بطلب لجوء وعادوا إلى أوطانهم في ظروف صعبة. وأصيب الأطفال بصدمات نفسية جراء فصلهم عن عائلاتهم، وجرى رفع الجدار الحدودي المميز لترمب في مناطق حساسة بيئياً.
في هذا السياق، قال آرون ريتشلين ميلنيك، المسؤول بمجلس الهجرة الأميركية، إن «الضرر الذي لحق بالناس من جميع الأطياف - المهاجرون الشرعيون والمهاجرون غير الشرعيين وطالبو اللجوء وغيرهم - لن يتوقف بهذه السرعة، وفي بعض الحالات قد لا يتوقف نهائياً. هناك أناس ماتوا بسبب سياسات الهجرة التي استحدثها ترمب».
ربما يكون الأمر الأصعب فيما يخص الإجراءات القاسية التي طبقها ترمب في مواجهة الهجرة هو الإرث غير المقصود، وهو ما تمثّل في حالة الهلع التي أصابت المقيمين الأجانب، مثل أبراموفسكا التي سارعت لأن تصبح مواطنة أميركية خشية من عواقب هذه الحملة. فقد صرّحت الشابة البالغة من العمر 34 عاماً والتي نشأت في ألمانيا ولكنها تحمل الجنسية البولندية، بأنها تشعر بالقلق من أن يكون ترمب سبباً في أن يصبح من الصعب الحصول على الجنسية حتى في المستقبل؛ مما يعقّد حياتها إذا أرادت هي وزوجها المولود في الولايات المتحدة الانتقال إلى الخارج أو مجرد السفر، مضيفة «لم يكن من السهل توقع الحواجز التي يمكن أن تستحدث في الطريق في المستقبل». منذ بداية حملته الانتخابية الأولى، كان ترمب محدداً في لهجته بشأن الهجرة، حيث وصف العديد من عابري الحدود المكسيكيين بأنهم «قتلة» ومغتصبون، وكان ذلك خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد في يونيو (حزيران) 2015 للإعلان عن ترشحه.
وفي وقت مبكر من إدارته، أصدر ترمب أمراً بمنع الأشخاص من سبع دول ذات غالبية مسلمة من زيارة البلاد، وبعد معركة قانونية طويلة، أيدت المحكمة العليا الخطوة بأغلبية 5 - 4 أصوات. وسرعان ما فرض ترمب أيضاً قانوناً يحرم المهاجرين من الحصول على البطاقات الخضراء الذين قد يحتاجون إلى مساعدة عامة مثل قسائم الطعام أو «ميديكيد» للرعاية الصحية، والتي قال النقاد إنها في الأساس اختبار للثروة. كما أثار نزاعاً قانونياً وتم تعليقه من قبل محكمة فيدرالية.
اعترض ترمب كذلك على وصول مجموعات من المهاجرين إلى الحدود وأرسل الجيش لمنعهم، على الرغم من عدم وجود إشارات على أن حرس الحدود في حاجة إلى أي مساعدة. وسعت الإدارة إلى منع المهاجرين من عبور الحدود الجنوبية الغربية من خلال تدابير شملت بناء جدار بطول 450 ميلاً، وإجبار الأشخاص الذين يطلبون اللجوء على القيام بذلك في المكسيك أو أميركا الوسطى. وبمجرد أن بدأ وباء «كوفيد - 19» في التفشي، بدأت الجمارك وحماية الحدود الأميركية بسرعة في طرد الجميع تقريباً بموجب تصريح طارئ. وبدأت الأرقام في الارتفاع إلى مستويات ما قبل ترمب، على الرغم من أن بعضهم قد يتم القبض عليهم مراراً وتكراراً وهم يحاولون عبور الحدود بشكل غير قانوني.
وفقاً لإحدى الإحصائيات، أجرى ترمب أكثر من 400 تغيير في سياسة الهجرة، على الرغم من أن حديثه عن هذه القضية كان مختصراً في نهاية فترة رئاسته، وركز على «القانون والنظام».
يمكن لبايدن التراجع عن العديد من الإجراءات التنفيذية، حيث قال، على سبيل المثال، إنه يريد إعادة الحد الأقصى للاجئين الذي خفضه ترمب إلى أدنى مستوى مسجل، كما يخطط لوقف البناء على الجدار الحدودي. ويمكنه عرض تسوية الدعاوى التي تتحدى سياسات الإدارة.
في سياق متصل، قال ديفيد بيير، محلل سياسات الهجرة في معهد «كاتو»، «لن تكون الأولوية الرئيسية في العامين الأولين (لإدارة بايدن) أكثر من مجرد محاولة إعادة النظام إلى ما كان عليه في عام 2016». وقد يستغرق الأمر وقتاً أطول للتعامل مع التداعيات الأقل وضوحاً. لقد فرضت إدارة ترمب تجميداً في يونيو على البطاقات الخضراء الجديدة للعاملين في مجال التكنولوجيا والعمال الموسميين ومديري الشركات متعددة الجنسيات. وقال بير، إن مثل هذه الأفعال تضر بصورة الولايات المتحدة في الخارج.
استطرد بيير بقوله «لقد أصبح القدوم إلى هنا كوجهة أقل إغراء، وأصبح الناس متخوفين من القدوم لبدء الأعمال التجارية هنا أو للحصول على عمل. وبدلاً من ذلك اتجهوا إلى كندا بأرقام قياسية، وإلى أستراليا بأرقام قياسية وغيرها من وجهات الهجرة». أضاف قائلاً، إنها مسألة يقين. فالتغييرات العديدة التي أدخلتها الإدارة على سياسة الهجرة تجعل من الصعب على أي شخص التخطيط للمستقبل.
وأردف بقوله «إذا كنت لا تستطيع التخطيط والاعتماد على نظام الولايات المتحدة الذي سيظل فعالاً بشكل ما لسنوات مقبلة، فلن تكون حياتك متسقة»، وهو ما ينطبق على الأفراد أيضاً.
وفي السياق نفسه، قالت ريديما بهاتيا، وهي خريجة كلية حديثة تبلغ من العمر 22 عاماً من الهند «أصبحت مواطنة الشهر الحالي، وأعيش بالقرب من واشنطن العاصمة. كان يقول لي الناس إنه يجب عليكِ الإسراع والحصول على الجنسية، فأنت لا تعرفين أبداً ما يمكن أن يحدث».
كان لدى بهاتيا أسباب متعددة لتصبح مواطنة. فبعد العيش في الولايات المتحدة ببطاقة خضراء، تعتقد أن جواز السفر الأميركي سيسهل عليها السفر وسيسهل عليها البحث عن وظيفة. لكن قرارها بالسعي للحصول على الجنسية كان أيضاً رداً على عداء الإدارة للمهاجرين والذي شعرت به حتى في ضواحي شمال فيرجينيا الثرية. وربما يكون من المدهش أن تكون الزيادة في عدد المواطنين الجدد، مثل بهاتيا، جزءاً من إرث ترمب السياسي.
فقد كان هناك أكثر من 830 ألف حالة تجنيس العام الماضي، وهو أعلى معدل منذ عام 2008، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد الإجمالي للسنوات الأربع في عهد ترمب 3.3 مليون.
وبالمعنى نفسه، قال راندي كابس، مدير الأبحاث في معهد سياسة الهجرة، إن الرقم المرتفع من العام الماضي هو نتيجة لعدد أكبر من المعتاد من المتقدمين في بداية رئاسته، عندما كان الكثيرون يخشون التغييرات القادمة.
كانت الإدارة سبباً في زيادة التدقيق في المتقدمين؛ مما جعل العملية تستغرق وقتاً أطول وجهداً أعظم، كما أنها جعلت اختبار الجنسية مؤخراً أطول وأصعب. لكن معدل الموافقة الإجمالي ظل كما هو، نحو 90 في المائة؛ لأن القواعد الأساسية لمن يتأهل للحصول على الجنسية لم تتغير.
وأضاف «بالنسبة للجزء الأكبر، فإن نظام الهجرة القانوني، الذي كتبه الكونغرس، صمد أمام اعتداءات إدارة ترمب»، في حين أن ترمب ربما كان سبباً ودافعاً للعديد من هؤلاء للإسراع في التجنيس، إلا أنه لم يكن المستفيد. وشأن الكثرين غيرها، فقد استخدمت فيكتوريا أبراموفسكا وضعها الجديد كمواطنة أميركية للإدلاء بأول اقتراع لها في انتخابات أميركية، وصوتت لبايدن.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.