الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً

في ضوء طموحاتها السياسية والاقتصادية

الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً
TT

الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً

الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً

تدخل آسيا، القارة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم (ذلك أن عدد سكانها 4.64 مليار شخص، ما يقرب من 60 في المائة من سكان العالم) العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين حاملةً على عاتقها تساؤلات كبرى لعام 2021 - هل ستكون آسيا قادرة على تجاوز مصاعب السنة المنتهية خلف ظهرها، وتحقيق انتعاش اقتصادي، واستعادة الحياة الطبيعية، إلى جانب مجابهة التحديات الجيوسياسية القائمة أمامها. والمعروف أنه، منذ اكتشاف فيروس جائحة «كوفيد - 19» في مدينة ووهان الصينية، تغيرت قوانين اللعبة الدولية، وازدادت التحديات الاقتصادية والاستراتيجية. وخلال عام انتخابي استثنائي في الولايات المتحدة، حاول دونالد ترمب الرئيس الأميركي المنتهي ولايته صبَّ اهتمامه على ما اعتبره «الخطر الصيني» على الولايات المتحدة ومكانتها العالمية، فخاض معها غير مواجهة من تسمية «كوفيد - 19» في تصريحات وحملته الانتخابية «الفيروس الصيني»، إلى معركته مع شركة «هواوي للاتصالات والإلكترونيات»، وأخيراً اتهام الصين بالقرصنة والانتهاكات الإلكترونية لمواقع رسمية أميركية حساسة.
من دون إنكار النزاع الحدودي المزمن بين الهند والصين، وأزمة الصين مع عدد من «جاراتها» الآسيويات بسبب الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وبطبيعة الحال، الصعود الصيني السريع كعملاق اقتصادي وسياسي وعسكري، جاء فيروس «كوفيد - 19» لتوسيع دائرة المخاوف من طموح بكين، في مختلف أرجاء العالم، دفعت بالفعل عواصم آسيوية إلى تسريع جهود إعادة بناء تحالفات جيوسياسية وتطوير سلاسل إمداد جديدة.
- الصين... واقعاً ومستقبلاً
ترتبط اليوم بعض أكثر بؤر التوتر في آسيا إلحاحاً بالصين بشكل مباشر ومطالباتها الإقليمية والبحرية التي تطرح تحديات كبيرة خلال عام 2021. والمتوقع أن تشهد القارة مزيداً من التوتر بين الصين و«جيرانها» في الشرق الأقصى وجنوب آسيا، وربما ينطوي ذلك على صراع مسلح محدود.
ولقد بدأت علامات ذلك بالفعل في الظهور عندما أثار الرئيس دونالد ترمب ضجة سياسية كبيرة في آسيا بتوقيعه على مشروعي قانونين بشأن التيبت وتايوان وهونغ كونغ قبل مغادرة منصبه. وكان ترمب قد وقّع على «قانون السياسة والدعم للتيبت» و«قانون ضمانات تايوان» اللذين يستهدفان الصين. ويأتي إقرار المشروعين في الوقت الذي يتأهب فيه ترمب لمغادرة منصبه في يناير (كانون الثاني) الحالي، مع وجود خلاف بين البلدين على جميع الجبهات تقريباً.
وفي الواقع، تجنّب مشروعا القانونين دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأميركي، ويهدف أحدهما إلى تعميق العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان، بينما يهدف الآخر إلى تعزيز دعم الولايات المتحدة لمساعي شعب التيبت للحصول على حقه بحكم نفسه. ويتيح قانون التيبت للولايات المتحدة فرض عقوبات وقيود على التأشيرات الخاصة بالمسؤولين الصينيين، إذا حاولوا التدخل في اختيار الدالاي لاما التالي، الزعيم الروحي للبوذيين من أبناء التيبت. كذلك يدعو القانون الصين إلى السماح للولايات المتحدة بإنشاء قنصلية في لاسا، عاصمة إقليم التيبت ذاتي الحكم في الصين، قبل أن تتمكن من فتح أي قنصليات أخرى في الولايات المتحدة. أما التشريع المتعلق بتايوان فيدعو واشنطن إلى تشجيع الدولة (الجزيرة الموالية للغرب) على زيادة الإنفاق العسكري لدرء الهجمات المحتملة من الصين. والجدير بالذكر هنا، أن سلطات بكين تعتبر تايوان «مقاطعة منشقة عن الوطن الأم» يجب إعادتها إلى سيطرتها، بالقوة إذا لزم الأمر. كذلك يدعو إلى زيادة مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان من أجل المساعدة في تعزيز دفاعات الجزيرة.
على صعيد آخر، إلى جانب قضية هونغ كونغ المزمنة، يتوقع أن تدخل الصين خلال الفترة المقبلة مواجهة مرتقبة في بحر الصين الجنوبي مع كل من إندونيسيا وماليزيا والفلبين وفيتنام، بما في ذلك إخطارات رسمية مقدمة إلى الأمم المتحدة. ووفقاً لجياديفا رانادي، رئيس المركز الهندي لتحليل الشؤون الصينية واستراتيجياتها، فإنه «خلال 2021، ستحاول إدارة (الرئيس الأميركي الجديد جو) بايدن إصلاح العلاقات مع الصين، ولكن مع حشد الحلفاء في الوقت ذاته، من أجل معالجة ما يعتبره كثيرون في واشنطن سلوكاً سيئاً من قبل بكين، خاصة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق مثل هونغ كونغ وإقليم سنكينانغ - ويغور (تركستان الشرقية) ذاتي الحكم».
ويتابع رانادي قائلاً: «من المؤكد أن أي تخفيف لشدة السياسات التي سبق أن اتبعتها الإدارتان الأميركيتان السابقتان (إدارة دونالد ترمب وإدارة باراك أوباما) سيكون بمثابة أكسجين للرئيس الصيني شي جينبينغ سيجعله أكثر عدوانية. ومعلوم أنه رغم الضغط الأميركي الكبير، لم يتردد شي في مواصلة سعيه لجعل الصين قوة عالمية تنافس (إن لم تكن تسبق) الولايات المتحدة. وبالتالي، علينا أن نعاين الفترة المقبلة كي نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخفف دعمها لتايوان واليابان والفلبين فيما يخص القضايا الأمنية... أم لا».
وفي شأن هونغ كونغ، بالذات، يرى محللون أنه من المرجح أن تهاجر أعداد كبيرة من مواطني المستعمرة البريطانية السابقة بجنوب الصين إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، وبالأخص، في أعقاب إقدام السلطات المحلية التابعة لبكين على سحق المعارضة العلنية بشكل فعال. ولكن، رغم أعمال القمع الواسعة التي مورست في هونغ كونغ خلال العامين الأخيرين، تبقى هناك مشاعر سخط واستياء مستعرة ويمكن أن تشتعل في صورة حركة أكثر تنظيماً، وربما عنيفة مرة أخرى.
- التنافس الصيني - الهندي
على صعيد آخر، تدخل الدولتان الأضخم في العالم، الصين والهند، عام 2021 من حيث خرجتا من عام 2020. ذلك أن الأشهر الـ12 الأخيرة كانت علامة فاصلة في التاريخ الطويل للعلاقات المتوترة بين الهند والصين، في أعقاب اندلاع أخطر الاشتباكات بين البلدين في منطقة لاداخ الحدودية الواقعة في جبال الهيمالايا منذ حرب عام 1962. وحقاً، تبدو العلاقات بين نيودلهي وبكين اليوم في أدنى مستوياتها.
ومع عدم وجود سبب عملي لأي تطبيع في العلاقات بين حكومتين متشدّدتين، فإن مشكلة الصراع الحدودي بين الهند والصين في جبال الهيمالايا ستنتقل دونما شك من 2020 إلى 2021. وبطبيعة الحال، يضاف إلى أسباب التوتر المستمر والمرتقب تفاقمه الطموح الصيني الذي يقارب العدوانية، وعلاقات الصين القديمة مع باكستان (خصم الهند التاريخي اللدود)، وكذلك التعاون الاستراتيجي المتنامي بين روسيا والصين، مع ما يترتب على ذلك من آثار، يتوقع أن تكون كلها عوامل محورية تفرض على سلطات نيودلهي القومية المحافظة رسم ملامح الاستراتيجية المستقبلية للهند.
في هذا المجال، من المتوقع أن تصبح تحالفات نيودلهي الدولية أولوية مهمة للسياسات الخارجية والأمنية الهندية في 2021. وإذا كان تكثيف التعاون الأمني مع الولايات المتحدة قد أصبح سمة بارزة في سياسة الهند الخارجية تحت قيادة ناريندرا مودي خلال 2020، فإن دمج أوروبا في حسابات الهند الاستراتيجية الجديدة يجب أن يكون الهدف الرئيسي في 2021. وعن هذا الأمر، يقول الكاتب الصحافي شيشير غوبتا: «إن الهند تتطلع إلى ما وراء المنافسة الجيو - سياسية بين الثنائي الولايات المتحدة والصين. وكانت نيودلهي قد بدأت أيضاً في التخلص من أسلوب التفكير الذي ساد خلال حقبة ما بعد الاستعمار ضد التعاون الأمني الإقليمي مع أوروبا».
- منطقة المحيطين الهندي والهادي
في سياق موازٍ، يُتوقع خلال العام الجديد (2021) أن يُنظر إلى منطقة المحيطين الهندي والهادي بشكل متزايد على أنها «مركز ثقل» استراتيجي عالمي، سواء من حيث إمكانياتها الاقتصادية والديموغرافية أو التحدّيات الأمنية المرتبطة بها. وكانت الهند (بصفتها نصيراً لمبدأ «حرية وانفتاح المحيطين الهندي والهادي») تسعى، وفق محللين، لبناء هيكل جيو - سياسي جديد في مناطق شرق آسيا وجنوبها. وتجدر الإشارة ضمن هذا الإطار إلى أن العام الماضي (2020) كان قد جرى الانضمام الرسمي لجميع الأعضاء الأربعة في المجموعة المعروفة باسم «الحوار الأمني الرباعي»، أو «كواد». وبالفعل، أجرت القوات البحرية لكل من أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة أكبر مناوراتها البحرية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأرسلت الدول المشاركة سفناً حربية وغواصات وطائرات إلى المحيط الهندي، في خطوة قال محللون إنها تشير إلى جدية الدول الأربع في مواجهة النفوذ العسكري والسياسي للصين في حوضي المحيطين الهندي والهادي، بما في ذلك بحر الصين الجنوبي.
ولعل ما يستحق التوقف عنده هنا، أن بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، كان قد قال قبل فترة قريب إن الهند «بصفتها لاعباً رئيسياً في منطقة المحيطين الهندي والهادي، أصبحت شريكاً لا غنى عنه على نحو متزايد لبريطانيا». في الوقت نفسه، يتوقع المراقبون والمحللون تعاون دول أخرى، مثل أستراليا وفيتنام والفلبين مع الهند في مبادرة المحيطين الهندي والهادي خلال 2021. وفي سياق متصل، وبجانب تعزيز الشراكة بين الهند وفرنسا على الصعيد الإقليمي بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، من المنتظر انضمام مزيد من الدول الأوروبية إلى «كواد»، أو اضطلاعها بدور أكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وذلك بعدما تنبهت أخيراً إلى خطورة التحدي الصيني. وحول هذه النقطة، أعرب الكاتب الصحافي راجا موهان عن اعتقاده بأنه «خلال عام 2021، سيظهر التعاون الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادي، كقضية مهمة في خطط وضع خارطة طريق لمدة عقد من الزمن لشكل الشراكة بين نيودلهي ولندن، ولا سيما بعدما اجتازت لندن عتبة الانفصال عن أوروبا، وباشرت تحديد دور دولي جديد لها».
وأردف موهان أنه «بينما يلاحَظ حتى هذه اللحظة أنه لم يجرِ التوصل الاتحاد الأوروبي بعد إلى موقف مشترك لجميع الدول الأعضاء البالغ عددها 27، فيما يتعلق بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، لكن الاتحاد تعهد بالعمل مع إدارة الرئيس الأميركي الجديد بايدن لتعميق العلاقات مع دول المنطقة. ولقد طور أخيراً علاقته مع مجموعة (آسيان) إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية».
- مستقبل أفغانستان... على المحك
> من أكثر الملفات السياسية والأمنية الآسيوية تعقيداً الصراع الأفغاني ومستقبل أفغانستان. وفي هذا الشأن يتوقع المحللون أن يدخل الصراع الدائر الأكثر دموية في العالم مرحلة حاسمة في 2021.
ما هو معروف أن الولايات المتحدة تُعد لسحب جميع قواتها من أفغانستان بحلول مايو (أيار) المقبل، كجزء من اتفاق السلام التاريخي الذي توصلت إليه مع جماعة «طالبان»، والذي يهدف إلى إنهاء 19 سنة من الحرب. ومن المقرر عقد الجولة المقبلة من المفاوضات بين «طالبان» والحكومة الأفغانية في قطر اعتباراً من الشهر المقبل، رغم دعوات الرئيس أشرف غني الأخيرة لإعادتها إلى أفغانستان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مباحثات السلام كانت قد أطلقت في 12 سبتمبر (أيلول) في أحد فنادق الدوحة، لكن في وقت سابق من ديسمبر (كانون الأول)، قرر المفاوضون من كلا الجانبين أخذ استراحة بعد أشهر من الاجتماعات المحبطة في كثير من الأحيان، التي تعثرت بسبب الخلافات حول الإطار الأساسي للمناقشات والتفسيرات الدينية. وعليه، فإن العملية التفاوضية متوقفة حالياً حتى الخامس من يناير الحالي.
الرئيس الأفغاني أشرف غني قال بعد فترة وجيزة من إعلان توقف المباحثات، موضحاً: «من الضروري أن يرى الناس كيف تجري المباحثات وما هي القضايا التي تركز عليها ولماذا». أما «طالبان» فلم تعلق على دعوة غني، لكنها رفضت في الماضي دائماً إجراء المفاوضات داخل أفغانستان. وتبعاً لما يراه شوبانجي باندي، الزميل في برنامج الدراسات الاستراتيجية التابع لـ«مؤسسة الأوبزرفر للأبحاث»، فإن «مهمة تحديد الجدول الزمني لسحب القوات بالكامل من أفغانستان ستقع على عاتق الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، الذي سيتولى منصبه في 20 يناير. ومن غير الواضح ما إذا كان بايدن الذي سبق له تولي منصب نائب الرئيس سيحترم تماماً الاتفاق بين الولايات المتحدة و(طالبان) المبرم في ظل إدارة ترمب. أما الأمر الذي يزيد قرار بايدن تعقيداً فهو امتناع (طالبان) عن الالتزام بالعديد من الشروط الرئيسة في الاتفاقية، ومنها التعهد بالحد من أعمال العنف ومنع شبكة (القاعدة) الإرهابية من العمل على الأراضي الأفغانية».
واستطرد باندي شارحاً «منذ توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة في فبراير (شباط)، كثفت (طالبان) هجماتها ضد قوات الأمن الأفغانية، على تحسين موقعها التفاوضي في المباحثات من خلال تحقيق مكاسب في ساحة المعركة. ويبدو أن احتمال توصل المفاوضين الحكوميين الأفغان ومفاوضي (طالبان) إلى تسوية سياسية في 2021 ضئيل، بالنظر إلى الهوة الهائلة بين الجانبين بشأن القضايا الأساسية وتردد أي من الطرفين في تقبل قبول حلول وسطى».
- الآفاق الاقتصادية الآسيوية وارتباطها بـ«كوفيد ـ 19»
> عانى الاقتصاد الآسيوي من أسوأ ركود له على الإطلاق خلال عام 2020، لكن من المنتظر أن ينتعش النمو في العام 2021 مع توقع نمو آسيا بنسبة 6.8 في المائة. وبالمثل، ستشهد الصين، التي عانت من ضربة الجائحة في وقت سابق زمنياً عن البلدان الأخرى، انتعاشاً قوياً للغاية.
في العام المقبل، من المتوقع أن يتوسع الاقتصاد الصيني بنسبة 8.2 في المائة، لكن هذا لا يزال أقل بنقطة مئوية كاملة عن تقديرات «صندوق النقد الدولي» قبل ستة أشهر. في هذا الصدد، قال كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي، ياسويوكي ساوادا إن «التوقعات الخاصة بالنمو الاقتصادي الآسيوي تظهر تحسناً، وجرى رفع تقديرات النمو الاقتصادي لكل من الصين والهند، أكبر اقتصادين بالمنطقة». ولكن تبقى مسألة استمرار الجائحة لفترة طويلة الخطر الرئيس على اقتصاديات القارة، لكن التطورات الأخيرة على جبهة اللقاحات تخفف من حدة هذا الخطر.
من جهة ثانية، ثمة مَن يرى أن اقتصاد الهند مرشح للنمو بنسبة 8 في المائة خلال العام الجديد، بل، ويمكن أن تصبح الهند أسرع الاقتصادات الآسيوية نمواً في 2021؛ إذ تتوقع «دار الأبحاث والسمسرة الأجنبية» نمو الاقتصاد الهندي (وفقاً لقياس الناتج المحلي الإجمالي) بنسبة 9.9 في المائة في 2021، متجاوزاً اقتصاد الصين (نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2021 بنسبة 9 في المائة) وسنغافورة (بنسبة 7.5 في المائة) خلال الفترة ذاتها.
أيضاً، من المتوقع ن تكون فيتنام واحدة من الدول القليلة التي تتغلب على الانكماش الاقتصادي الناجم عن جائحة «كوفيد - 19»، إذ يقدّر «صندوق النقد الدولي» أن تحقق فيتنام نمواً بنسبة 2.4 في المائة رغم الجائحة، في وقت تنكمش فيه اقتصادات بلدان أخرى. وبالتالي، وفق خبراء «الصندوق» فإن فيتنام مرشحة لأن تغدو «النمر الآسيوي» المستقبلي، وأن تنجح في جذب الاستثمارات الأجنبية، وفي دفع عجلة التصنيع وزيادة الصادرات باطراد.
ثم إنه مع طرح لقاحات «كوفيد - 19»، يبدو أن إعادة فتح الحدود وعودة الاقتصادات الآسيوية لطبيعتها أصبحتا في متناول اليد. وحول هذه المسألة، أعرب رونالد تشان، الرئيس التنفيذي بمؤسسة «مانوليف إينفستمنت مندجمنت»، عن اعتقاده بأن الاستمرار في الاستثمار والتنوع سيعود بثمار إيجابية على المستثمرين خلال 2021. ومما يُذكر أنه بوشر، بالفعل، في العديد من الدول الآسيوية على رأسها الصين وسنغافورة واليابان في توزيع اللقاح على العمال الأساسيين لديها. كذلك في الهند، بدأت جهود توزيع اللقاح، وبحلول نهاية يناير الحالي، سيكون لدى الهند اثنان من اللقاحات الهندية الصنع المرشحة لخوض تجارب نهائية. وبحلول منتصف العام، ستتلقى العديد من الدول الآسيوية اللقاحات، مع أن استعادة الحياة الطبيعية بالكامل لا تزال خارج نطاق الإمكان.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.