الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً

في ضوء طموحاتها السياسية والاقتصادية

الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً
TT

الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً

الصين... محور الاهتمامات الاستراتيجية آسيوياً وعالمياً

تدخل آسيا، القارة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم (ذلك أن عدد سكانها 4.64 مليار شخص، ما يقرب من 60 في المائة من سكان العالم) العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين حاملةً على عاتقها تساؤلات كبرى لعام 2021 - هل ستكون آسيا قادرة على تجاوز مصاعب السنة المنتهية خلف ظهرها، وتحقيق انتعاش اقتصادي، واستعادة الحياة الطبيعية، إلى جانب مجابهة التحديات الجيوسياسية القائمة أمامها. والمعروف أنه، منذ اكتشاف فيروس جائحة «كوفيد - 19» في مدينة ووهان الصينية، تغيرت قوانين اللعبة الدولية، وازدادت التحديات الاقتصادية والاستراتيجية. وخلال عام انتخابي استثنائي في الولايات المتحدة، حاول دونالد ترمب الرئيس الأميركي المنتهي ولايته صبَّ اهتمامه على ما اعتبره «الخطر الصيني» على الولايات المتحدة ومكانتها العالمية، فخاض معها غير مواجهة من تسمية «كوفيد - 19» في تصريحات وحملته الانتخابية «الفيروس الصيني»، إلى معركته مع شركة «هواوي للاتصالات والإلكترونيات»، وأخيراً اتهام الصين بالقرصنة والانتهاكات الإلكترونية لمواقع رسمية أميركية حساسة.
من دون إنكار النزاع الحدودي المزمن بين الهند والصين، وأزمة الصين مع عدد من «جاراتها» الآسيويات بسبب الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وبطبيعة الحال، الصعود الصيني السريع كعملاق اقتصادي وسياسي وعسكري، جاء فيروس «كوفيد - 19» لتوسيع دائرة المخاوف من طموح بكين، في مختلف أرجاء العالم، دفعت بالفعل عواصم آسيوية إلى تسريع جهود إعادة بناء تحالفات جيوسياسية وتطوير سلاسل إمداد جديدة.
- الصين... واقعاً ومستقبلاً
ترتبط اليوم بعض أكثر بؤر التوتر في آسيا إلحاحاً بالصين بشكل مباشر ومطالباتها الإقليمية والبحرية التي تطرح تحديات كبيرة خلال عام 2021. والمتوقع أن تشهد القارة مزيداً من التوتر بين الصين و«جيرانها» في الشرق الأقصى وجنوب آسيا، وربما ينطوي ذلك على صراع مسلح محدود.
ولقد بدأت علامات ذلك بالفعل في الظهور عندما أثار الرئيس دونالد ترمب ضجة سياسية كبيرة في آسيا بتوقيعه على مشروعي قانونين بشأن التيبت وتايوان وهونغ كونغ قبل مغادرة منصبه. وكان ترمب قد وقّع على «قانون السياسة والدعم للتيبت» و«قانون ضمانات تايوان» اللذين يستهدفان الصين. ويأتي إقرار المشروعين في الوقت الذي يتأهب فيه ترمب لمغادرة منصبه في يناير (كانون الثاني) الحالي، مع وجود خلاف بين البلدين على جميع الجبهات تقريباً.
وفي الواقع، تجنّب مشروعا القانونين دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأميركي، ويهدف أحدهما إلى تعميق العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان، بينما يهدف الآخر إلى تعزيز دعم الولايات المتحدة لمساعي شعب التيبت للحصول على حقه بحكم نفسه. ويتيح قانون التيبت للولايات المتحدة فرض عقوبات وقيود على التأشيرات الخاصة بالمسؤولين الصينيين، إذا حاولوا التدخل في اختيار الدالاي لاما التالي، الزعيم الروحي للبوذيين من أبناء التيبت. كذلك يدعو القانون الصين إلى السماح للولايات المتحدة بإنشاء قنصلية في لاسا، عاصمة إقليم التيبت ذاتي الحكم في الصين، قبل أن تتمكن من فتح أي قنصليات أخرى في الولايات المتحدة. أما التشريع المتعلق بتايوان فيدعو واشنطن إلى تشجيع الدولة (الجزيرة الموالية للغرب) على زيادة الإنفاق العسكري لدرء الهجمات المحتملة من الصين. والجدير بالذكر هنا، أن سلطات بكين تعتبر تايوان «مقاطعة منشقة عن الوطن الأم» يجب إعادتها إلى سيطرتها، بالقوة إذا لزم الأمر. كذلك يدعو إلى زيادة مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان من أجل المساعدة في تعزيز دفاعات الجزيرة.
على صعيد آخر، إلى جانب قضية هونغ كونغ المزمنة، يتوقع أن تدخل الصين خلال الفترة المقبلة مواجهة مرتقبة في بحر الصين الجنوبي مع كل من إندونيسيا وماليزيا والفلبين وفيتنام، بما في ذلك إخطارات رسمية مقدمة إلى الأمم المتحدة. ووفقاً لجياديفا رانادي، رئيس المركز الهندي لتحليل الشؤون الصينية واستراتيجياتها، فإنه «خلال 2021، ستحاول إدارة (الرئيس الأميركي الجديد جو) بايدن إصلاح العلاقات مع الصين، ولكن مع حشد الحلفاء في الوقت ذاته، من أجل معالجة ما يعتبره كثيرون في واشنطن سلوكاً سيئاً من قبل بكين، خاصة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق مثل هونغ كونغ وإقليم سنكينانغ - ويغور (تركستان الشرقية) ذاتي الحكم».
ويتابع رانادي قائلاً: «من المؤكد أن أي تخفيف لشدة السياسات التي سبق أن اتبعتها الإدارتان الأميركيتان السابقتان (إدارة دونالد ترمب وإدارة باراك أوباما) سيكون بمثابة أكسجين للرئيس الصيني شي جينبينغ سيجعله أكثر عدوانية. ومعلوم أنه رغم الضغط الأميركي الكبير، لم يتردد شي في مواصلة سعيه لجعل الصين قوة عالمية تنافس (إن لم تكن تسبق) الولايات المتحدة. وبالتالي، علينا أن نعاين الفترة المقبلة كي نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخفف دعمها لتايوان واليابان والفلبين فيما يخص القضايا الأمنية... أم لا».
وفي شأن هونغ كونغ، بالذات، يرى محللون أنه من المرجح أن تهاجر أعداد كبيرة من مواطني المستعمرة البريطانية السابقة بجنوب الصين إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، وبالأخص، في أعقاب إقدام السلطات المحلية التابعة لبكين على سحق المعارضة العلنية بشكل فعال. ولكن، رغم أعمال القمع الواسعة التي مورست في هونغ كونغ خلال العامين الأخيرين، تبقى هناك مشاعر سخط واستياء مستعرة ويمكن أن تشتعل في صورة حركة أكثر تنظيماً، وربما عنيفة مرة أخرى.
- التنافس الصيني - الهندي
على صعيد آخر، تدخل الدولتان الأضخم في العالم، الصين والهند، عام 2021 من حيث خرجتا من عام 2020. ذلك أن الأشهر الـ12 الأخيرة كانت علامة فاصلة في التاريخ الطويل للعلاقات المتوترة بين الهند والصين، في أعقاب اندلاع أخطر الاشتباكات بين البلدين في منطقة لاداخ الحدودية الواقعة في جبال الهيمالايا منذ حرب عام 1962. وحقاً، تبدو العلاقات بين نيودلهي وبكين اليوم في أدنى مستوياتها.
ومع عدم وجود سبب عملي لأي تطبيع في العلاقات بين حكومتين متشدّدتين، فإن مشكلة الصراع الحدودي بين الهند والصين في جبال الهيمالايا ستنتقل دونما شك من 2020 إلى 2021. وبطبيعة الحال، يضاف إلى أسباب التوتر المستمر والمرتقب تفاقمه الطموح الصيني الذي يقارب العدوانية، وعلاقات الصين القديمة مع باكستان (خصم الهند التاريخي اللدود)، وكذلك التعاون الاستراتيجي المتنامي بين روسيا والصين، مع ما يترتب على ذلك من آثار، يتوقع أن تكون كلها عوامل محورية تفرض على سلطات نيودلهي القومية المحافظة رسم ملامح الاستراتيجية المستقبلية للهند.
في هذا المجال، من المتوقع أن تصبح تحالفات نيودلهي الدولية أولوية مهمة للسياسات الخارجية والأمنية الهندية في 2021. وإذا كان تكثيف التعاون الأمني مع الولايات المتحدة قد أصبح سمة بارزة في سياسة الهند الخارجية تحت قيادة ناريندرا مودي خلال 2020، فإن دمج أوروبا في حسابات الهند الاستراتيجية الجديدة يجب أن يكون الهدف الرئيسي في 2021. وعن هذا الأمر، يقول الكاتب الصحافي شيشير غوبتا: «إن الهند تتطلع إلى ما وراء المنافسة الجيو - سياسية بين الثنائي الولايات المتحدة والصين. وكانت نيودلهي قد بدأت أيضاً في التخلص من أسلوب التفكير الذي ساد خلال حقبة ما بعد الاستعمار ضد التعاون الأمني الإقليمي مع أوروبا».
- منطقة المحيطين الهندي والهادي
في سياق موازٍ، يُتوقع خلال العام الجديد (2021) أن يُنظر إلى منطقة المحيطين الهندي والهادي بشكل متزايد على أنها «مركز ثقل» استراتيجي عالمي، سواء من حيث إمكانياتها الاقتصادية والديموغرافية أو التحدّيات الأمنية المرتبطة بها. وكانت الهند (بصفتها نصيراً لمبدأ «حرية وانفتاح المحيطين الهندي والهادي») تسعى، وفق محللين، لبناء هيكل جيو - سياسي جديد في مناطق شرق آسيا وجنوبها. وتجدر الإشارة ضمن هذا الإطار إلى أن العام الماضي (2020) كان قد جرى الانضمام الرسمي لجميع الأعضاء الأربعة في المجموعة المعروفة باسم «الحوار الأمني الرباعي»، أو «كواد». وبالفعل، أجرت القوات البحرية لكل من أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة أكبر مناوراتها البحرية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأرسلت الدول المشاركة سفناً حربية وغواصات وطائرات إلى المحيط الهندي، في خطوة قال محللون إنها تشير إلى جدية الدول الأربع في مواجهة النفوذ العسكري والسياسي للصين في حوضي المحيطين الهندي والهادي، بما في ذلك بحر الصين الجنوبي.
ولعل ما يستحق التوقف عنده هنا، أن بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، كان قد قال قبل فترة قريب إن الهند «بصفتها لاعباً رئيسياً في منطقة المحيطين الهندي والهادي، أصبحت شريكاً لا غنى عنه على نحو متزايد لبريطانيا». في الوقت نفسه، يتوقع المراقبون والمحللون تعاون دول أخرى، مثل أستراليا وفيتنام والفلبين مع الهند في مبادرة المحيطين الهندي والهادي خلال 2021. وفي سياق متصل، وبجانب تعزيز الشراكة بين الهند وفرنسا على الصعيد الإقليمي بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، من المنتظر انضمام مزيد من الدول الأوروبية إلى «كواد»، أو اضطلاعها بدور أكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وذلك بعدما تنبهت أخيراً إلى خطورة التحدي الصيني. وحول هذه النقطة، أعرب الكاتب الصحافي راجا موهان عن اعتقاده بأنه «خلال عام 2021، سيظهر التعاون الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادي، كقضية مهمة في خطط وضع خارطة طريق لمدة عقد من الزمن لشكل الشراكة بين نيودلهي ولندن، ولا سيما بعدما اجتازت لندن عتبة الانفصال عن أوروبا، وباشرت تحديد دور دولي جديد لها».
وأردف موهان أنه «بينما يلاحَظ حتى هذه اللحظة أنه لم يجرِ التوصل الاتحاد الأوروبي بعد إلى موقف مشترك لجميع الدول الأعضاء البالغ عددها 27، فيما يتعلق بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، لكن الاتحاد تعهد بالعمل مع إدارة الرئيس الأميركي الجديد بايدن لتعميق العلاقات مع دول المنطقة. ولقد طور أخيراً علاقته مع مجموعة (آسيان) إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية».
- مستقبل أفغانستان... على المحك
> من أكثر الملفات السياسية والأمنية الآسيوية تعقيداً الصراع الأفغاني ومستقبل أفغانستان. وفي هذا الشأن يتوقع المحللون أن يدخل الصراع الدائر الأكثر دموية في العالم مرحلة حاسمة في 2021.
ما هو معروف أن الولايات المتحدة تُعد لسحب جميع قواتها من أفغانستان بحلول مايو (أيار) المقبل، كجزء من اتفاق السلام التاريخي الذي توصلت إليه مع جماعة «طالبان»، والذي يهدف إلى إنهاء 19 سنة من الحرب. ومن المقرر عقد الجولة المقبلة من المفاوضات بين «طالبان» والحكومة الأفغانية في قطر اعتباراً من الشهر المقبل، رغم دعوات الرئيس أشرف غني الأخيرة لإعادتها إلى أفغانستان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مباحثات السلام كانت قد أطلقت في 12 سبتمبر (أيلول) في أحد فنادق الدوحة، لكن في وقت سابق من ديسمبر (كانون الأول)، قرر المفاوضون من كلا الجانبين أخذ استراحة بعد أشهر من الاجتماعات المحبطة في كثير من الأحيان، التي تعثرت بسبب الخلافات حول الإطار الأساسي للمناقشات والتفسيرات الدينية. وعليه، فإن العملية التفاوضية متوقفة حالياً حتى الخامس من يناير الحالي.
الرئيس الأفغاني أشرف غني قال بعد فترة وجيزة من إعلان توقف المباحثات، موضحاً: «من الضروري أن يرى الناس كيف تجري المباحثات وما هي القضايا التي تركز عليها ولماذا». أما «طالبان» فلم تعلق على دعوة غني، لكنها رفضت في الماضي دائماً إجراء المفاوضات داخل أفغانستان. وتبعاً لما يراه شوبانجي باندي، الزميل في برنامج الدراسات الاستراتيجية التابع لـ«مؤسسة الأوبزرفر للأبحاث»، فإن «مهمة تحديد الجدول الزمني لسحب القوات بالكامل من أفغانستان ستقع على عاتق الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، الذي سيتولى منصبه في 20 يناير. ومن غير الواضح ما إذا كان بايدن الذي سبق له تولي منصب نائب الرئيس سيحترم تماماً الاتفاق بين الولايات المتحدة و(طالبان) المبرم في ظل إدارة ترمب. أما الأمر الذي يزيد قرار بايدن تعقيداً فهو امتناع (طالبان) عن الالتزام بالعديد من الشروط الرئيسة في الاتفاقية، ومنها التعهد بالحد من أعمال العنف ومنع شبكة (القاعدة) الإرهابية من العمل على الأراضي الأفغانية».
واستطرد باندي شارحاً «منذ توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة في فبراير (شباط)، كثفت (طالبان) هجماتها ضد قوات الأمن الأفغانية، على تحسين موقعها التفاوضي في المباحثات من خلال تحقيق مكاسب في ساحة المعركة. ويبدو أن احتمال توصل المفاوضين الحكوميين الأفغان ومفاوضي (طالبان) إلى تسوية سياسية في 2021 ضئيل، بالنظر إلى الهوة الهائلة بين الجانبين بشأن القضايا الأساسية وتردد أي من الطرفين في تقبل قبول حلول وسطى».
- الآفاق الاقتصادية الآسيوية وارتباطها بـ«كوفيد ـ 19»
> عانى الاقتصاد الآسيوي من أسوأ ركود له على الإطلاق خلال عام 2020، لكن من المنتظر أن ينتعش النمو في العام 2021 مع توقع نمو آسيا بنسبة 6.8 في المائة. وبالمثل، ستشهد الصين، التي عانت من ضربة الجائحة في وقت سابق زمنياً عن البلدان الأخرى، انتعاشاً قوياً للغاية.
في العام المقبل، من المتوقع أن يتوسع الاقتصاد الصيني بنسبة 8.2 في المائة، لكن هذا لا يزال أقل بنقطة مئوية كاملة عن تقديرات «صندوق النقد الدولي» قبل ستة أشهر. في هذا الصدد، قال كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي، ياسويوكي ساوادا إن «التوقعات الخاصة بالنمو الاقتصادي الآسيوي تظهر تحسناً، وجرى رفع تقديرات النمو الاقتصادي لكل من الصين والهند، أكبر اقتصادين بالمنطقة». ولكن تبقى مسألة استمرار الجائحة لفترة طويلة الخطر الرئيس على اقتصاديات القارة، لكن التطورات الأخيرة على جبهة اللقاحات تخفف من حدة هذا الخطر.
من جهة ثانية، ثمة مَن يرى أن اقتصاد الهند مرشح للنمو بنسبة 8 في المائة خلال العام الجديد، بل، ويمكن أن تصبح الهند أسرع الاقتصادات الآسيوية نمواً في 2021؛ إذ تتوقع «دار الأبحاث والسمسرة الأجنبية» نمو الاقتصاد الهندي (وفقاً لقياس الناتج المحلي الإجمالي) بنسبة 9.9 في المائة في 2021، متجاوزاً اقتصاد الصين (نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2021 بنسبة 9 في المائة) وسنغافورة (بنسبة 7.5 في المائة) خلال الفترة ذاتها.
أيضاً، من المتوقع ن تكون فيتنام واحدة من الدول القليلة التي تتغلب على الانكماش الاقتصادي الناجم عن جائحة «كوفيد - 19»، إذ يقدّر «صندوق النقد الدولي» أن تحقق فيتنام نمواً بنسبة 2.4 في المائة رغم الجائحة، في وقت تنكمش فيه اقتصادات بلدان أخرى. وبالتالي، وفق خبراء «الصندوق» فإن فيتنام مرشحة لأن تغدو «النمر الآسيوي» المستقبلي، وأن تنجح في جذب الاستثمارات الأجنبية، وفي دفع عجلة التصنيع وزيادة الصادرات باطراد.
ثم إنه مع طرح لقاحات «كوفيد - 19»، يبدو أن إعادة فتح الحدود وعودة الاقتصادات الآسيوية لطبيعتها أصبحتا في متناول اليد. وحول هذه المسألة، أعرب رونالد تشان، الرئيس التنفيذي بمؤسسة «مانوليف إينفستمنت مندجمنت»، عن اعتقاده بأن الاستمرار في الاستثمار والتنوع سيعود بثمار إيجابية على المستثمرين خلال 2021. ومما يُذكر أنه بوشر، بالفعل، في العديد من الدول الآسيوية على رأسها الصين وسنغافورة واليابان في توزيع اللقاح على العمال الأساسيين لديها. كذلك في الهند، بدأت جهود توزيع اللقاح، وبحلول نهاية يناير الحالي، سيكون لدى الهند اثنان من اللقاحات الهندية الصنع المرشحة لخوض تجارب نهائية. وبحلول منتصف العام، ستتلقى العديد من الدول الآسيوية اللقاحات، مع أن استعادة الحياة الطبيعية بالكامل لا تزال خارج نطاق الإمكان.


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

حصاد الأسبوع مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري،

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه»

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
حصاد الأسبوع النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.