صور تزوّر الحقيقة

تأثيرها لا يقل خطورة عن تزوير الوثائق

صورة  نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
صورة نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
TT

صور تزوّر الحقيقة

صورة  نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة
صورة نشرتها مجلة «دير شبيغل» الألمانية لإطلاق صواريخ إيرانية، واعترفت المجلة بعد ذلك أن الصورة مزورة

على مر التاريخ تم تزوير وثائق مهمة جدا ظلت لسنوات طويلة ينظر إليها وكأنها حقيقية إلى أن كشف أمرها. من هذه الوثائق قصة تزوير مذكرات أدولف هتلر على يد كونراد كوجاو أشهر مزور ألماني في العالم الذي أقنع إدارة مجلة «شتيرن» عام 1983 بأنه يملك مذكرات هتلر الأصلية وبالفعل قبض مقابل بيعه المذكرات لهذه المجلة ونشرها أكثر من 9 ملايين مارك ألماني إلا أن الشكوك التي حامت حول حقيقة المذكرات دفعت المكتب الاتحادي الجنائي لإجراء تحريات والكشف عن الحقيقة. فتقليد المزور لخط هتلر كان من المستحيل كشفه لكن نوع الورق الذي كتبت عليه المذكرات فضحه وكانت صناعة في الثمانينات وليس الثلاثينات وهو التاريخ الذي ادعى كوجاو أن هتلر قد كتب مذكراته خلاله.
والمشكلة أن المذكرات بيعت بسرعة بالملايين فأصبحت كالمرجع المقدس للذين كانوا ما زالوا مقتنعين بالفكر النازي وأجج مشاعرهم، وهذا شكل خطرا على ألمانيا من إيقاظ الفكر النازي. وتمكن المزور كوجاو من تزوير 62 مجلدا، الكثير من الأعداد ما زال بين الأيدي رغم مصادرة معظمها، وتعتبر اليوم لبعض هواة جمع الوثائق وثائق غير عادية، وللنازيين من الوثائق النادرة، ووجدت لها طريقا إلى كل أنحاء العالم.
وتزوير الصور لا يقل خطورة عن تزوير الوثائق، لأنها تتحدث في الكثير من الأحيان أكثر من النص المكتوب، ففي كل زاوية منها تفاصيل أكثر دقة تراها العين وليست بحاجة إلى تفسير أو شرح، وهذا سبب تغييرا حتى في مجرى تاريخ بعض البلدان لذا اهتمت مجموعة من المصورين الأوروبيين بقضية تزوير الصور وأقامت معرضا متنقلا بعنوان «صور تكذب» يضم أكثر من 300 صورة. جال المعرض في البداية مدينة بون الألمانية ثم مدينة برن السويسرية وسوف يعرض في مدن أخرى بعد أن جمعت المئات من صوره في كتيب.
وتأثير الصور يدفع إلى القول: «إن من يملك صورا يملك سلطة». فالصورة المزورة خاصة إذا كانت معبرة بإمكانها أن تتلاعب بمشاعر ومفاهيم الإنسان بالتأثر بها أو التأثير عليه، وهذا دفع أنظمة ديكتاتورية لاستغلال تزوير الصور لمآرب معينة، فهي لعبت دورا كبير في الثورات الشعبية في الماضي أو في الحروب. فعلى سبيل المثال غيرت الصور المزورة الكثير من مفاهيم ما سمي بربيع براغ في جمهوريات تشيكوسلوفاكيا سابقا، حيث أزيل كل من سمركوفسكي وسفوبودا من صورة الاحتفالات بهذه المناسبة عام 1968 وكانا يقفان إلى جانب رئيس الحزب ألكسندر دوبتشيك فأزيل خوفا من أن تذكر الصورة بأفكارهما الإصلاحية المعارضة للحزب وللرئيس، واختفيا تماما بعد ذلك من أدبيات الحزب.
ومن صور الحرب العالمية الأولى المزورة واحدة تحت عنوان «موت في الجو» ونشرت عام 1933 وهي لطائرة تهوي بعد اندلاع النار فيها نتيجة إصابتها بقذيفة يابانية، لكن اتضح عام 1994 أنها كانت لعبة يمكن تحريكها من الأرض صنعها أحد مصانع اللعب الأميركية. كما استغلت الصور المزورة في الحرب الأهلية الأميركية لأهداف دعائية ولتعميق العداء بين الجنوب والشمال وبيعت هذه الصور بعد ذلك بأسعار خيالية كتذكار. وكرست النازية أفضل المزورين للدعائية وللترويج والتهويل وإقناع الناس بأن النصر لألمانيا، لذا كان لدى النازية ما يسمى وزارة الدعاية.
والصورة المشهورة جدا في العالم وتحولت إلى رمز لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية تلك التي التقطت في الثاني من شهر مايو (أيار) 1945 تظهر جنديا سوفياتيا يرفع علم بلاده فوق قبة مبنى الرايخ تاغ (مجلس النواب الألماني)، لكن السوفيات تأخروا في التقاط الصورة فدخول الحلفاء إلى برلين وإحراق مجلس النواب كان في 30 أبريل (نيسان) 1945 فما كان من الجيش الأحمر إلا الادعاء بأنه يوم النصر، كما أزيلت من الصورة يد جندي كان يسند زميله الذي يرفع العلم لأنه كان يحمل في يده ساعات مسروقة، ومن أجل إكمال التزوير أضاف المزور دخانا داكنا يرتفع من المبنى مع أن الحرائق كانت قد أطفئت.
إلا أن تزوير الصور ليس وليد القرن العشرين بل قبل ذلك بكثير حتى أن مصادر تتحدث عن تزوير تم في أواسط القرن الـ19 لصور فوتوغرافية بالاستعانة بتقنيات بسيطة يومها وكانت إما مواد كيماوية أو إلصاق صورة فوق أخرى بالشكل المطلوب ثم إعادة تصويرها وهذا سمي «خدعا تصويرية».
لكن الأهم من كل ذلك هو تزوير الصور التاريخية بهدف صنع صورة لحقيقة معينة غير موجودة، إما سياسية وإما اجتماعية كما حصل في الثورة البلشفية أو الثورة الثقافية الصينية أو الحروب في أوروبا والعالم.
ويعتبر المصور الفوتوغرافي الفرنسي ايبولت بايار (1801-1887) أول مزور صور، ففي مارس (آذار) عام 1838 طور أول طريقة تزوير بنقل الصورة محمضة على الورق وبعد إدخال التزوير الذي يريده أعاد تصوير الصورة باستخدامه عدة صور غير محمضة إلى أن تصبح لديه الصورة المطلوبة وكأنها صورة أصلية.
وحسب تقدير علماء نفس فإن تزوير الصور لهدف سياسي يكون عادة جزءا من سياسة حكام يستغلون حقيقة أن الإنسان العادي يميل إلى المبالغة في تقدير مصداقية الصور، لذا فإن استخدامهم لهذه الصور من الأمور السهلة، خاصة إذا كان الإعلام يساهم في ذلك، وهذا حدث ويحدث في كل المجتمعات لمصالح أفراد أو جماعات معينة وهذا ما قام به مثلا ديكتاتوريون مثل ستالين الذي أسند مهمة تزوير جزء كبير مما التقط من الصور خلال وبعد ثورة الفلاحين في روسيا إلى أشهر المصورين المعروفين بالتزوير من أجل شطب معارضيه أو منافسيه، على سبيل المثال الثوري المجري تيبور ستامبولي من صورة كان يقف فيها خلف لينين. وتمكن المزور من صنع صورة، وكأن ستامبولي لم يكن في الصورة أصلا بعد أن أعاد المشهد الذي كان خلفه بكل تفاصيله، وكان هدف ستالين محو كل علاقة لهذا الثوري بالثورة البلشفية، وبهذا اختفى من تاريخ الثورة الروسية ولا يذكره أحد ومحيت كل علاقة له بها مع أنه كان من أبرز القياديين فيها.
ولم تسلم صور الثورة الصينية من التزوير بهدف تزوير ملامحها السياسية أيضا.
والصورة التي أخضعت للتزوير الأكثر نجاحا وظلت حقيقية حتى مطلع التسعينات في الصين هي صورة لماو تسي تونغ وهو يحفر لزرع شتلة شجرة بالقرب من سد مينغ ونشرت عام 1958 وإلى جانبه عمدة بكين بينغ تشاو، لكن عندما تسلم الأمانة العامة للحزب هويا غوينفونغ أقال عمدة بكين لخلاف سياسي معه وجرده من مناصبه وكان يجب أيضا أن يمحوه من كل الصور. ومن ينظر إلى الصورة اليوم لا يتصور أن شخصا قد اختفى منها، فالأشخاص.
ومن الصور الساخنة، تلك التي نشرتها عام 2011 صحيفة «تسوتونغ» التابعة للمجموعة اليهودية الحريديم أو الحريدية الأصولية. إنها صورة لأسامة بن لادن وهو مقتول، ويقال إنها حصلت على النسخة الأصلية قبل أن تنشر في الإعلام فقامت بتزويرها، حيث ظهرت إلى جانب الجثة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون وامرأة أخرى محجبتين لأسباب دينية، إلا أن الصورة اختفت بدورها قبل أن تحدث أزمة بين تل أبيب والبيت الأبيض.
ومع أنه لا يعرفها شخصيا حسب قوله ظهرت صورة لوزير الخارجية الأميركي الحالي جون كيري، عندما كانت سيناتورا عن الحزب الديمقراطي، مع الممثلة جين فوندا في مظاهرة في نيويورك في 13 يونيو (حزيران) 1971، ضد الحرب الأميركية في فيتنام. وكان يقول إن صورة الممثلة تعود لتاريخ آخر وجمعها المصور الأميركي كان لايت بعد ذلك مع تاريخ العام الذي سبق ذكره.
والصورة التي زادت التوتر الشعبي في سويسرا هي تلك التي نشرتها الصحيفة السويسرية الصفراء «بليك» في نوفمبر عام 1997 لساحة معبد حتشبسوت في الأقصر، فقبل يوم شن متطرفون هجوما على مجموعة من السياح السويسريين وآخرين غربيين وقتلوا عددا منهم، إلا أن الصحافية أرادت المبالغة جدا، فصبغت ساحة المعبد بالأحمر وكأنه بركة من دم الضحايا، إضافة إلى وجود جنديين مصريين.
وكادت صور نشرتها مجلة «ديرشبيغل» الألمانية يوم 10 يوليو (تموز) 2008 لصواريخ قالت إنها لإيران وانتشرت كما البرق في كل وسائل الإعلام، وكادت تحرك السفن الأميركية في الخليج العربي، لكن المجلة اعترفت بعد ذلك بأن الصور مزورة وما أطلق ليس إلا صاروخين أحدهما تعطل قبل إطلاقه.
ولم يقتصر التلاعب بالصور على الأمور السياسية بل والمصلحة الشخصية أيضا، فالكل يذكر صورة الرئيس الفرنسي ساركوزي في صيف عام 2008 وهو يجدف مع ابنه في قارب، لكن ترهلا في بطنه ظهر واضحا، فطلب من الصحيفة التي نشرت الصورة إزالة هذا الترهل وكان ما أراده الرئيس فعاد بطنه مشدودا.
وفي محاولة منها للتصدي لتهمة الإخفاق في اكتشاف حياة فوق كوكب المريخ نشرت «التايمز» الأميركية صورة نقلتها صحيفة «بيلد» الألمانية يوم 23 يناير (كانون الثاني) 2008 قالت إنها من وكالة ناسا فيها شيء كما لو كان كائنا بشريا فوق رمال حمراء ومرتفعات، مع عنوان «هل هناك حياة فوق المريخ»؟ وكانت هذه الرحلة قد كلفت أكثر من 600 مليون يورو وظلت تبحث لنحو 4 أعوام عما يدل على وجود حياة. وكان هدف التزوير مواصلة حصول ناسا على تمويل لاكتشاف المريخ.
والصورة التي كادت تباع بثمن مرتفع أرسلها أحد الشبان الألمان من شرفة شقة تقع أمام المركز التجاري في نيويورك، في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تظهر طائرة ادعى الشاب أنها إحدى الطائرتين في طريقها لاختراق أحد الأبراج، لكن بعد تفحص الصورة اتضح أن الطائرة كانت بوينغ 767 وليست 757 أي أن الشاب استعان بصورة الطائرة الخطأ من أجل حيلته ففشلت محاولته في الحصول على بضعة آلاف من الدولارات من إحدى الصحف الألمانية.
وفي مطلع فبراير (شباط) 2005 عرضت محطة التلفزيون الأميركية «سي إن إن» صورة لجندي أميركي بكامل ملابسه ومعداته العسكرية قالت إنها نشرت على موقع لمجموعة إسلامية متطرفة وبأنه مخطوف لديها وهو يجلس أرضا وقد صوبت إليه فوهة بندقية. وحسب قول المحطة كان الجندي في مهمة بالعراق، لكن اتضح فيما بعد أن الصورة للعبة بملابس جندي أميركي صنعتها شركة «دراغون موديل يو إس إي» وأنتجت هذا النموذج عام 2003 وأطلقت عليه اسم «كودي» وكانت الأخطاء كثيرة أيضا، سواء فيما يتعلق بالسروال أو القميص العسكري أو لون التنكر. لكن الصورة انتشرت رغم الأخطاء فيها.
ولا داعي للحديث كثيرا عن الصورة المزورة للحرب العراقية ضد الكويت، فإلى جانب آبار البترول التي زورت صورها وبأنها تحترق ولا مجال لإطفائها شنت منظمات حماية البيئة حملة شديدة اللهجة ضد بغداد بعد إظهار مصورين طيورا نافقة ومغموسة بالنفط وبأنها مهددة بالانقراض إذا ما لم يتم إنقاذها لكن اتضح بعد ذلك أن الصور لطيور في مناطق لا علاقة لها لا بآبار النفط ولا بالحرب العراقية الكويتية.
ونشرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» يوم 31 مارس 2003 خلال الحرب ضد العراق صورا غير متقنة التزوير منها صور التقطها المصور براين فالسكي في البصرة جنوب العراق نشرتها الصحيفة بسرعة وتظهر هاربين عراقيين، لكن من يدقق في الصورة يرى أن بعض الأشخاص ظهروا في الصور مرتين، وهذا ما اعترف به المصور وقال إنه دمج صورتين مستفيدا من تقنية الكومبيوتر من أجل الإثارة. وعقب الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين نشرت صحيفة «بيلد» الألمانية صورة لجموع غفيرة متجمعة في ساحة ببغداد من أجل تحطيم تمثاله لكن المصور اعترف بعد ذلك بأن القليل من العراقيين تجمهروا وهو أضاف بضع عشرات كي تكون الصورة ذات قيمة تاريخية. وهذا التزوير يعتمده مصورون عند التقاط صور لمظاهرات، خاصة في الصين.
والصورتان اللتان أثارتا الاستياء خلال الحرب في العراق هي لجندي أميركي يروي عطش جندي عراقي في الأسر، ففي واحدة يقدم له الماء من دون تصويب البندقية على رأسه وفي الأخرى يصوب البندقية، ولكن حتى الآن لم تعرف الصورة الحقيقية كما تقول أرسولا دامين التي أشرفت على تنظيم معرض «صور تكذب» عندما كان في بون.
واضطر البيت الأبيض إلى سحب صورة للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في موقع للإنترنت وإصلاحها بالتزوير وتظهره في إحدى المدارس وهو يقرأ في كتاب للأطفال بالقرب من تلميذة صغيرة، والمضحك أن الرئيس كان يحمل الكتاب بالمقلوب.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟