أبرز الإنجازات العلمية في «عام الجائحة»

أول مهمة عربية إلى المريخ... ونظام للتنبؤ بشكل البروتينات... وشريحة كومبيوتر في الدماغ

رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
TT

أبرز الإنجازات العلمية في «عام الجائحة»

رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي
رسم تخيلي لمسبار الأمل الإماراتي

رغم أن معظم الناس سيربطون على الأرجح عام 2020 بظهور وباء «كوفيد - 19»، فإن من الإنصاف القول إن هذا العام كان مليئاً بالاختراقات في مختلف مجالات الحياة، توارت أخبارها خلف متابعة أعداد الإصابات والوفيات جراء الوباء، الذي ظلت بعض ألغازه عصية على الفهم حتى الآن.
وإذا كانت بعض هذه الاختراقات لم تأخذ حظها من الاهتمام، فربما تكون نهاية العام هي فرصة مناسبة لنقول إن عام 2020 لم يكن عاماً استثنائياً بسبب ظهور الوباء فقط، لكنه كان كذلك أيضاً بسبب بعض الإنجازات غير المسبوقة في مجالات المهام الفضائية والتشخيص الطبي والتقنيات العصبية.

مهام فضائية

يعد هذا المجال هو الأكثر إنجازاً في عام 2020، لا بسبب عدد المهام الفضائية التي انطلقت، فحسب، بل بسبب قيمة هذه المهام وانضمام شركاء جدد لهذا المجال الذي كان حكراً على دول ومؤسسات بعينها، ومن أبرز هذه المهام:
> ثلاث رحلات فضائية للمريخ. تظهر في رحلات الفضاء إلى المريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، كأول دولة عربية ترسل مسباراً فضائياً إلى الكوكب الأحمر هو مسبار الأمل، حيث انطلق من قاعدة «مركز تانيغاشيما الفضائي» في اليابان يوم 20 يوليو (تموز)، ومن المقرر وصوله إلى المريخ في شهر فبراير (شباط) من عام 2021.
ولن يحط «مسبار الأمل» على الكوكب، لكنه سيبدو في مداره الأحمر لمدة عامين على الأقل، بهدف دراسة الغلاف الجوي العلوي ومراقبة تغير المناخ على كوكب المريخ، وهو ما يميزه عن المهمة الأخرى التي ستحط على أرض الكوكب، والتي أطلقتها الصين في 23 يوليو (تموز) من قاعدة فضائية في وينتشانغ في جزيرة هاينان.
ويتوقع بلوغ المسبار الصيني (المريخ 5) الحامل للمركبة «تيانوين» الكوكب الأحمر في شهر فبراير (شباط) أيضاً، وستكون نقطة الهبوط المستهدفة سهلاً مسطحاً يقع داخل حوض يعرف باسم «يوتوبيا» شمال خط استواء المريخ، وستدرس المركبة جيولوجية المنطقة، من على السطح وما تحت السطح.
وبعد إطلاق المهمة الصينية بسبعة أيام، أطلقت كالة الفضاء الأميركية (ناسا) في 30 يوليو (تموز) المسبار الأميركي «برسفيرنس» باتجاه الكوكب الأحمر، ومن المقرر وصوله أيضاً في فبراير (شباط)، ليكون خامس مسبار أميركي يحط على هذا الكوكب، وستكون مهمته هي اكتشاف آثار لجراثيم قديمة كان يعج بها الكوكب الأحمر على الأرجح قبل ثلاثة مليارات سنة.
> أول رحلة مأهولة لـ«سبيس إكس». انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) أول رحلة لشركة «سبيس إكس» المملوكة لرائد التكنولوجيا إيلون ماسك إلى المحطة الدولية، حيث حملت 4 رواد فضاء، في أول مهمة كاملة ترسل فيها وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) طاقماً إلى الفضاء على متن مركبة مملوكة للقطاع الخاص... وإضافة إلى ذلك، كانت أول رحلة تعود من خلالها أميركا إلى عهد انطلاق الرحلات لمحطة الفضاء الدولية من أراضيها، بعد أن اضطر رواد الفضاء الأميركيين خلال السنوات الماضية، للقيام برحلاتهم إلى الفضاء على متن مركبة الفضاء الروسية سويوز.

اكتشافات كونية

ورغم أن نتائج تلك المهام الفضائية لم تظهر بعد، لكن كانت هناك مهام فضائية تم التخطيط لها في أعوام سابقة، حققت بعض الاكتشافات الكونية المهمة في 2020، ومن أهمها:
> اكتشاف ثقب أسود قريب من الأرض. وتم وصف هذا الاكتشاف وتوثيقه في مايو (أيار) بدورية «الفلك والفيزياء الفلكية»، وهو عبارة عن ثقب أسود يمكن رؤيته بالعين المجردة، إذا تم النظر إليه من الجهة الجنوبية للأرض في سماء رائقة، ويقع على بعد نحو 1000 سنة ضوئية، أو ما يعادل تقريباً 9.5 ألف مليون كيلومتر في كوكبة المرقب، وتم الاستدلال عليه من الطريقة التي يتفاعل بها مع نجمين قريبين منه، أحدهما يدور في مدار الثقب والنجم الثاني يدور في مدار حولهما معاً، على خلاف الطريقة المعتادة لاكتشافات الثقوب السوداء.
والطريقة المعتادة هي تتبع كيفية تفاعل الثقب الأسود بعنف مع سحابة الغاز والغبار التي تتراكم حوله، إذ يمزق هذه المادة المحيطة به وينجم عن ذلك انبعاث غزير لأشعة أكس يلتقطه التلسكوب.
> أكبر انفجار كوني. ويتعلق هذا الاكتشاف برصد أدلة على حدوث انفجار كوني هائل في الفضاء يفوق 5 مرات الانفجارات التي رصدت من قبل، وتم وصفه بأنه «أكبر انفجار كوني منذ نشأة الكون». ونشرت دورية الفيزياء الفلكية في فبراير (شباط) دراسة عن هذا الاكتشاف، ذهب فيها الباحثون إلى القول إن الطاقة الضخمة المرصودة قد انبثقت من ثقب أسود هائل على بعد 390 مليون سنة ضوئية من الأرض.
> ميلاد كوكب واختفاء آخر. وعثر علماء فلك فرنسيون في مايو (أيار) على أول دليل مباشر على ولادة كوكب جديد، ووثقوا هذا الاكتشاف في دورية «علم الفلك والفيزياء الفلكية»، أعلن علماء أميركيون في أبريل (نيسان) أن كوكباً آخر اختفى.
وقال العلماء الفرنسيون عن ميلاد الكوكب، إنهم رصدوا باستخدام تلسكوب المرصد الجنوبي الأوروبي الكبير جداً (VLT)، ميلاد هذا الكوكب الذي يحيط بنجم وليد اسمه «إيه بي أوريجا» (AB Aurigae)، على بعد نحو 520 سنة ضوئية من الأرض.
أما عن قصة اختفاء الكوكب، فقد كان مصدرها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، التي أعلن علماؤها في 21 أبريل (نيسان) أن الكوكب المعروف باسم Fomalhaut b، والمشهور بأنه أحد أول الكواكب الخارجية المكتشفة خارج النظام الشمسي، اختفى.
ودفع هذا السلوك غير المتوقع لـ«الكوكب» الواقع على بعد 25 سنة ضوئية من الأرض، إلى استنتاج أن ما كان يعتقد أنه كوكب، كان في الواقع سحابة من الغبار، تُركت في أعقاب التصادم الكوني.

تقنيات ذكية

> الغرسات العصبية بتقنية «نيورالينك». وكما كان رائد التكنولوجيا الأميركي إيلون ماسك حاضراً في رحلات الفضاء، كان حاضراً في إنجاز آخر، اسمه «تقنية نيورالينك»، بما يجعله الشخص الأبرز في إنجازات عام 2020 العلمية.
وتقنية نيورالينك، هي أحد إنجازات الشركة التي تحمل الاسم نفسه، والتي تأسست عام 2016، وهي شركة تقنية لعلوم الأعصاب تركز على بناء أنظمة الواجهات العصبية الآلية.
وهذه التقنية التي تم الإعلان عنها في أغسطس (آب) عبارة عن شريحة كومبيوتر صغيرة، يتم زرعها داخل الدماغ، بحيث يمكنها قراءة كل أنشطة الدماغ، فضلاً عن المواد الكيميائية، ما يجعلها قادرة على التخطيط وتوقع الوظائف الخاصة بالشخص، كما تتيح المنطقة التي سيتم فيها زرع الشريحة معالجة بعض مشاكل السمع والبصر، فضلاً عن بعض المشاكل النفسية، كما أنه من الممكن مستقبلاً أن تعالج العديد من الأمراض المتعلقة بالأعصاب، ويمكن من خلالها التواصل مع الهواتف الذكية وأجهزة الكومبيوتر وغيرها.
> رصد البروتينات بنظام «ألفا فولد». في مجال ليس ببعيد عن تقنية «نيورالينك»، تمكن فريق الذكاء الصناعي «ديب مايند» التابع لشركة «غوغل»، في التغلب على تحدٍ بيولوجي بدا مستحيلاً لعقود، وذلك عبر خوارزمية الذكاء الصناعي «ألفا فولد»، التي مكنت من التنبؤ بشكل البروتينات بناء على تكوينها.
والبروتينات هي في الأساس سلاسل من «الأحماض الأمينية» التي تم ثنيها في شكل معقد، ويؤدي توقع بنيتها إلى تحسين العلوم الطبية الحيوية بشكل كبير، والسماح للأطباء بتطوير علاجات جديدة بشكل أسرع.
وقال أندريه لوباس، مدير معهد «ماكس بلانك» لعلم الأحياء التنموي في مدونة «ديب مايند»: «لقد سمحت لنا نماذج (ألفا فولد) الدقيقة بشكل مذهل بحل بنية البروتين التي كنا عالقين فيها لما يقرب من عقد من الزمان».

عام الحفريات

من الحصول على تفسير جديد لحدث وقع قبل 445 مليون سنة، إلى قائمة من اكتشافات الحفريات التي تتعلق بالماضي أيضاً، والتي تجعل من عام 2020 هو عام الاكتشافات المهمة في هذا المجال، ومن أبرز هذه الاكتشافات:
> أول حفرية لديناصور منقار البط. اكتشف فريق بحثي من جامعة باث البريطانية أول حفرية لديناصور منقار البط في المغرب، ما يشير إلى أن الديناصورات عبرت مئات الكيلومترات في المياه المفتوحة للوصول إلى هناك.
ووفق دراسة نُشرت حول هذه الحفرية في دورية «البحث الطباشيري» خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن هذا الديناصور الجديد الذي تمت تسميته «أجنابيا أوديسيوس»، اكتشف في صخور بالمغرب يعود تاريخها إلى نهاية العصر الطباشيري منذ 66 مليون عام، وكان صغيراً مقارنة بأقاربه من ديناصورات منقار البط، حيث كان يبلغ طوله 3 أمتار فقط، وكان بحجم المهر.
> نوع جديد من التيروصور. وكما كان المغرب مكاناً لاكتشاف أول أول حفرية لديناصور منقار البط، كان أيضاً مكاناً لاكتشاف نوع جديد من التيروصور.
واكتشف فريق من علماء الحفريات بجامعتي بورتسموث وباث في بريطانيا في منطقة «كم كم» الصحراوية (جنوب شرقي المغرب) نوعاً جديداً من التيروصورات الصغيرة، مماثلة في الحجم للديك الرومي، وتختلف عن أي من التيروصورات الأخرى التي شوهدت من قبل، وذلك بسبب منقارها النحيل الطويل بلا أسنان.
والتيروصورات هي أقل شهرة من أبناء عمومتها (الديناصورات)، ويوجد أكثر من 100 نوع معروف من هذه الزواحف المجنحة، بعضها بحجم طائرة مقاتلة والبعض الآخر صغير مثل العصفور، ويعد النوع الجديد الذي نشر الموقع الإلكتروني لجامعة باث البريطانية تقريراً عنه في أكتوبر (تشرين الأول) فريداً من نوعه.
> كنز من المعلومات في حفرية قرد. ومن الديناصورات إلى القرود، حيث ملأت حفرية قرد تعود إلى 13 مليون عام، واكتشفها فريق بحثي أميركي شمال الهند، فراغاً كبيراً في سجل أحافير القرود، وقدمت أدلة جديدة حول تاريخ هجرة أسلاف قرد الجيبون من أفريقيا إلى آسيا.
والحفرية المكتشفة التي تم توثيقها سبتمبر ( أيلول) في دورية «بروسيدينج أوف رويال سوسيتي»، وهي ضرس سفلي كامل، ينتمي إلى جنس وأنواع غير معروفة سابقاً من قرد الجيبون، وتمثل أقدم سلف معروف لهذا القرد، وأول نوع من القردة الأحفورية تم اكتشافه في موقع الحفريات الشهير «رامناغار» بالهند منذ ما يقرب من قرن.
> اكتشاف حفرية أقدم بجعة في التاريخ. كان من المعروف أن طيور البجع تمتد أسلافها إلى فرنسا ويرجع عمرها إلى عصر الأوليجوسين (فترة جيولوجية امتدت إلى نحو 34 مليون سنة مضت) بناءً على هيكل عظمي جزئي واحد من جنوب شرقي فرنسا، ولكن حفرية اكتشفت في وادي الحيتان بمصر أعادت كتابة تاريخ حفريات طيور البجع، إذ يرجع تاريخها إلى عصر الإيوسين، تحديداً 36 مليون سنة، أي أقدم بنحو 6 ملايين سنة من أقدم حفرية لطائر البجع.
وتم الإعلان عن هذا الاكتشاف في مؤتمر الحفريات الفقارية في العالم (SVP)، الذي أقيم بشكل افتراضي في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بسبب جائحة كورونا، وجاء هذا الكشف في إطار تعاون دولي بين علماء من جهاز شؤون البيئة المصري وجامعة ميشيغان الأميركية.

دفن وانقراض
> دليل على دفن الإنسان البدائي لموتاه. وبالرغم من اكتشاف هيكل عظمي لطفل من الإنسان البدائي بعمر نحو عامين، بين عامي 1970 و1973، فإن المجموعات المرتبطة بهذه العينة ظلت غير مستغلة في أرشيف المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بفرنسا، حتى حمل عام 2020 نتائج دراسة أجريت على هذه العينة، وأثبت من خلالها الباحثون من المركز الوطني للبحث العلمي والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي (فرنسا) وجامعة إقليم الباسك (إسبانيا)، أن الإنسان البدائي كان يدفن موتاه.
وأظهر الباحثون في الدراسة التي نشرت في ديسمبر (كانون الأول) بدورية «ساينتيفيك ريبورتيز»، أن الهيكل العظمي قد دُفن في طبقة رسوبية وبقيت العظام، التي كانت غير متناثرة نسبياً، في وضعها التشريحي، ما يشير إلى أنها حفظت أفضل من الحيوانات العاشبة الأخرى الموجودة في الطبقة نفسها، وهو ما يكشف عن سرعة دفنها بعد الموت.
> انقراض جماعي. نجح العلماء في تقديم أدلة على أسباب حادث الانقراض الجماعي الذي وقع قبل 445 مليون سنة، والذي يسمى «الانقراض الجماعي الأوردوفيشي المتأخر».
وكانت النظريات السابقة تتحدث عن أن السبب إما حدوث التبريد أو التجلد، لكن من خلال الجهود المشتركة للمسح الجيولوجي لكندا وجامعة هال في إنجلترا، كشف الجيولوجيون عام 2020 عن السبب الحقيقي لوقوع هذا الحدث.
ووفقاً لدراستهم، كان الاحترار العالمي، الناجم بشكل أساسي عن الانفجارات البركانية ونقص الأكسجين، هو السبب الرئيسي لانقراض جماعي مبكر حدث. رغم اعتراض بعض الباحثين على النتائج، فإن الأدلة المقدمة كانت كافية، وهو جعل الجميع يدرك أن الكوكب الذي نعرفه في عام 2020 يكافح أيضاً من آثار الاحتباس الحراري، وبالتالي، يبدو أن إدراك قضايا الماضي إلزامي لمستقبلنا.

«منجزات» الجائحة

> لقاحات كورونا. وبينما كان أصحاب هذه الإنجازات العلمية يتحدون الظروف الصعبة التي فرضتها جائحة كورونا، كان هناك آخرون معنيون بشكل أساسي بالعمل على مواجهة هذه الجائحة عن طريق فهم فيروس كورونا الجديد المسبب لها، ومن ثم العمل على إنتاج لقاح له.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن هناك 191 لقاحاً قيد التطوير، منها 40 لقاحاً في مرحلة التقييم السريري البشري، ومن بينها 10 لقاحات وصلت إلى مرحلة التجارب الثالثة.
ومن بين اللقاحات العشرة التي وصلت إلى مرحلة التجارب السريرية، توجد خمسة لقاحات في الصدارة، بدأت بالفعل عمليات التلقيح ببعضها، ومن هذه اللقاحات لقاحان يستخدمان تقنية «الناقلات الفيروسية»، وهما لقاح «أكسفورد - أسترا زينيكا» واللقاح الروسي «سبوتنيك 5»، ويعتمد الأول على فيروس غدّي معدل وراثياً يتسبب عادة في نزلات البرد لدى الشمبانزي، ليحمل جزءاً من فيروس كورونا المعروف باسم بروتين «سبايك»، وعندما يدخل اللقاح إلى الجسم فإنه يستخدم هذا الرمز الجيني لإنتاج البروتين السطحي للفيروس التاجي، ما يؤدي إلى استجابة تهيئ الجهاز المناعي لمحاربة الفيروس التاجي في حالة الإصابة.
أما اللقاح الروسي، فيعتمد على التقنية نفسها، لكن بدلاً من استخدام فيروس غدّي يتسبب في نزلات البرد لدى الشمبانزي، يتم استخدام فيروس يسبب نزلات البرد عند البشر.
ويعتمد لقاحا موديرنا وفايزر على تقنية جديدة تستخدم لأول مرة، وهي «مرسال الحمض النووي الريبي»، حيث يتم حقن «مرسال الحمض النووي الريبي»، (mRNA) الذي يحمل المعلومات لإنتاج البروتينات الموجودة على سطح الفيروس، وهي نتوءات «بروتين سبايك» التي بواسطتها يلتصق الفيروس عادة بالمستقبلات على سطح الخلية البشرية، ويمكن أن تكون هذه اللقاحات أسرع في الإنتاج وأكثر فاعلية من اللقاحات النموذجية ويمكن إعادة صياغتها بسهولة إذا تحور الفيروس.
أما اللقاح الصيني الذي طورته شركة «سينوفارم»، فيعتمد على تقنية قديمة، وهي «الفيروس المعطل»، حيث تعتمد تلك التقنية على أخذ عينة من الفيروس يتم عزلها من مريض ثم يتم قتل الفيروس باستخدام مادة كيميائية، ويشتمل اللقاح على الفيروس المعطل ممزوجاً بهيدروكسيد الألومنيوم، وهو مادة مساعدة لأنها تعزز الاستجابات المناعية. وهذه التقنية قديمة تم استخدامها في لقاحات أخرى.
> الجائحة والعصافير. وإذا كانت الجائحة أثرت سلبياً على البشر، وبات الجميع يترقب فاعلية اللقاحات في القضاء عليها، فإنها في المقابل كانت إيجابية على العصافير، حيث نشرت في سبتمبر (أيلول) دورية «ساينس» التي تصدرها «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم»، دراسة لباحثين من جامعة تينيسي الأميركية كشفت أن فترات الإغلاق التي شهدتها دول العالم بسبب الجائحة جعلت صوت العصافير أكثر عذوبة.
وكان كثير من الناس قد لاحظوا خلال فترات الإغلاق، بأن صوت العصافير والطيور من حولهم تغير، وأنهم لم يعودوا يسمعون نفس أنماط التغريد والزقزقة التي كانت سائدة قبل الجائحة، وقاد ذلك الباحثون إلى إجراء دراسة تبين خلالها أن الطيور عمدت إلى درجة تنغيم أخفض في طبقة صوتها، وأداء زقزقات أجمل وأوضح، بسبب اختفاء الضوضاء، حيث يجبر وجودها العصافير على التغيير من طريقة تغريدها، من أجل اختراق الضجيج المستمر الصادر عنها.



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.