إبراهيم رشيد لـ «الشرق الأوسط»: بغداد تشكو من عشوائيات بيئية تنخر جسدها

الفنان العراقي: منحوتاتي مستوحاة من أسطورة «جلجامش».. وهي مسلات في معبد رافديني من أجل خلود عاصمة الرشيد

الفنان إبراهيم رشيد  -  منحوتة «الإناء النذري» المستمدة من ملحمة جلجامش من أعمال النحات إبراهيم رشيد عند ضفاف نهر دجلة («الشرق الأوسط»)  -  منحوتة «طائر الحرية» على ضفاف دجلة
الفنان إبراهيم رشيد - منحوتة «الإناء النذري» المستمدة من ملحمة جلجامش من أعمال النحات إبراهيم رشيد عند ضفاف نهر دجلة («الشرق الأوسط») - منحوتة «طائر الحرية» على ضفاف دجلة
TT

إبراهيم رشيد لـ «الشرق الأوسط»: بغداد تشكو من عشوائيات بيئية تنخر جسدها

الفنان إبراهيم رشيد  -  منحوتة «الإناء النذري» المستمدة من ملحمة جلجامش من أعمال النحات إبراهيم رشيد عند ضفاف نهر دجلة («الشرق الأوسط»)  -  منحوتة «طائر الحرية» على ضفاف دجلة
الفنان إبراهيم رشيد - منحوتة «الإناء النذري» المستمدة من ملحمة جلجامش من أعمال النحات إبراهيم رشيد عند ضفاف نهر دجلة («الشرق الأوسط») - منحوتة «طائر الحرية» على ضفاف دجلة

على نمط يسعى معه لتصحيح بعض فوضى ظاهرة النصب والتماثيل العشوائية التي انتشرت في العاصمة العراقية بغداد، واستفز وجودها ذائقة البغداديين والمختصين بفنون النحت والعمارة، واصفين وجودها بـ«التلوث البصري» من حيث قيمتها الفنية والمكانية، ينشغل الفنان والمعماري إبراهيم رشيد بوضع اللمسات الأخيرة لـ3 أعمال نحتية تنتمي إلى أسطورة «جلجامش»، وهي تروي نشيد الخلود لتنبثق منها عيون الماء مثل ينابيع خالدة، ضمن مشروعه الذي سماه «عيون الماء بين الرصافة والجسر».
وتشهد العاصمة بغداد انتشار الكثير من الأعمال الفنية التي تفتقر للقيمة الفنية والجمالية، إضافة للرداءة في الصنع، مما أثار سخرية فنانين ونشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، كان آخرها نصب الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري وهو يتوسط نماذج فجة لدلال القهوة بطريقة أظهرته كبائع متجول، في وقت كانت تزخر فيه مدينتهم بالكثير من الأعمال التي تتميز بالرصانة والقيمة الفنية والحرفية العالية قبل إحداث التغيير في العراق عام 2003. فيما شكت دائرة الفنون التشكيلية، إحدى الجهات الرسمية المعنية بالنصب والتماثيل، من إهمال استشارتها من قبل الجهات المنفذة لتلك الأعمال.
عن أعماله الجديدة، ونظرته للقيمة الفنية التي أرادها، قال الفنان العراقي إبراهيم رشيد الذي عاد أخيرا من هجرة دامت أكثر من ربع قرن بدأت عام 1991 في السويد، وأوروبا وشمال أميركا، أنجز فيها الكثير من المشاريع الفنية وحصل على الكثير من الجوائز العالمية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تهيأت لي الفرصة وضمن مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية عام 2013، لتقديم مشروع 3 أعمال نحتية، حملت اسم (عيون الماء بين الرصافة والجسر)، لتحتل مكانا مميزا في شارع المتنبي بالقرب من المركز الثقافي البغدادي، وعلى ضفاف دجلة وسط العاصمة بغداد، واستغرق العمل بها أكثر من سنتين، وهي أعمال تستمد وجودها من أسطورة جلجامش التي يستهل نصها بجملة (هو الذي رأى كل شيء)، وقد جسد العمل ترجمة حرفية لقصيدة الشاعر علي بن الجهم (عيون المها بين الرصافة والجسر) من حيث العلاقة المكانية».
ويضيف: «المشروع عبارة عن 3 منحوتات تشكل مشروعا نحتيا تركيبيا (إنستليشن) تتوزع في أماكن مختلفة وكأنها مسلات في معبد رافديني تعكس التاريخ والمعاصرة وهي في الحقيقة نتاج بحوث خاصة في مجال الفن والتخطيط الحضري. وما أسميه (ديمقراطية المكان)».
والأعمال النحتية هي الإناء النذري رقم 1 في داخل المركز الثقافي البغدادي، والثاني على ضفاف نهر دجلة، القريب منه، واستلهم الفنان فيها تأثيراته من شكل الإناء النذري السومري الفوار في فن وادي الرافدين الذي يفيض بالماء المقدس والذي يعد رمزا لدجلة والفرات و«رمز الحكمة السومرية».
هذه المنحوتات تتشكل مثل حركة الماء، تتخللها أخاديد متموجة يجري بينها الماء المتدفق وكأنه ينحت سطوحها وهو يتدفق من الأعلى بانسيابية مرهفة على الكتابة المسمارية لملحمة جلجامش.
أما العمل الثالث ويحمل اسم «طائر الحرية»، وهو عبارة عن شكل تجريدي معاصر يعكس فكرة الحرية الثقافية لما لشارع المتنبي من أهمية ثقافية مهمة في الحياة السياسية والاجتماعي والثقافية في بغداد.
وعن فلسفته في إنجاز الأعمال، يقول رشيد: «المنحوتات تتميز بأشكالها الديناميكية وحركتها المتنامية الصاعدة بأنساق جميلة إلى الأعلى لتعكس فكرة الديمومة، والمطلق والسمو الروحي كما في مفهوم فلسفة العمارة العربية الإسلامية وخصوصية الشكل الفريد لمئذنة الملوية في سامراء في العصر العباسي، إضافة إلى أن المتعارف عليه أن النحت العراقي هو فكرة النصب الفنية في الساحات العامة لكن ما أطرحه الآن هو فكر جديد يسعى إلى إكمال البيئة المحيطة من عناصر المدينة بالأعمال الفنية، أي عندما يتحول العمل الفني إلى جزء مكمل للمكان المحيط به وليس جزءا مركبا وثانويا كما في التجربة المكانية لنصب الشهيد المعروف في بغداد».
ولعل أكثر ما يثير تساؤلات الفنان إبراهيم رشيد بعد عودته من المهجر، هو البحث عن هوية بغداد اليوم التي ضاعت بين ديمقراطية المكان» و«ديمقراطية الإنسان» كما يقول، ويواصل: «بعد كل ما حصل للعراق من حروب وتدمير وإهمال وتخريب داخل هذه المدينة الغارقة في ماض عقيم ومستقبل بلا هوية، وهي التي كانت يوما من أكبر وأهم عواصم الشرق الأوسط. ما يحدث اليوم في بغداد يدعونا إلى أن نفكر جليا وجديا وبكثير من المسؤولية حول حاضرها المدني والعمراني والثقافي والتاريخي، وأن نتساءل بروح من الشفافية والمسؤولية أين هوية بغداد؟ وهذا ما أحاول طرحه في مفهومي لعلاقة الفن بالمدينة وبالبيئة والمحيطة وما أسميه (ديمقراطية المكان)؛ فالفن هو (الشكل الديمقراطي) لعلاقة الإنسان بالمدينة وحاجته اليومية، أما التصميم الحضري فهو الهيكل الإنشائي لهذه (الديمقراطية) المكانية، فهو الذي يهيئ دراسة الأبعاد الـ3 للمكان، بمختلف عناصره المعمارية والبيئية والطبيعية، ويهتم بمتعلقات الأرض وتخطيطها والمباني والمواصلات والشوارع وتصميمها والساحات والمدارس وجميع أماكن التجمع البشري في خارطة بيانية منسجمة تسمى (ديمقراطية المكان)»، مستطردا: «تتميز هذه الخارطة بعلاقات بيانية متعددة الاشتراطات والمميزات تهدف جميعها إلى جعل المناطق المدنية أكثر فعالية وجاذبية وفائدة للإنسان، وذلك من خلال ربط وحدات المكان بالناس وحاجاتهم وحركتهم اليومية».
يضيف الفنان رشيد: «أما اليوم فهنالك فوضى تصادمية بين الوحدات المعمارية والبيئية والخدمية والبشرية وبشكل غير منتهٍ، مولدا عشوائيات بيئية وثقافية هجينية ما لبثت تنخر يوميا بجسد بغداد الهزيل مثل سرطان بطيء».
يتساءل هذا الفنان الذي هو ابن حضارة بغداد وإبداعها والمنتمي لهذه المدينة التي عرفت بأنها رمز للفن والشعر والجمال: «هل يمكن أن نعيد بغداد مرة أخرى؟ هل يمكن الشروع في العمل من أجل تصميم أساس جديد يتلاءم ومميزات وخصائص المدينة العصرية في القرن الحادي والعشرين؟». يجيب عن أسئلته: «في البداية لا بد من العمل على إعادة فكرة دراسة وتنفيذ المراحل الأساسية من التخطيط الإنمائي لمدينة بغداد وإعادة دراسة الهوية المعمارية لها حتى يمكن أن نتوصل إلى أسس تخطيطية وعمرانية واقعية تحمل رؤية موحدة ومنسجمة للحفاظ على القيم والمبادئ التاريخية والحضرية للمدينة، خاصة بعد العبث الكبير الذي طالها بسبب الإهمال وتركها تغرق بين حطام الحروب والحصار وآثار الفساد وانعدام الأمن وما يجري من تخريب وتشويه ثقافي وبيئي عشوائي لها على أرض الواقع»، مشيرا إلى أن «لدينا نخبا ممتازة من المعماريين والفنانين والمصممين الحضريين والباحثين الجماليين والكتاب، باستطاعتهم أن يرسموا لبغداد صورة منقذة مبنية على أسس حضرية وجمالية ومعمارية معاصرة حتى لا تفلت الأمور أكثر مما هي عليه الآن وتغرق المدينة وتختفي في فوضى من عدم المسؤولية ونفقدها بين ماض ولى ومستقبل مجهول».
وحول تجربته الفنية التي سبقت هذه الأعمال، يقول: «هذه الأعمال جاءت امتدادا لأعمال فنية أخرى أنجزت في أوروبا منذ هجرتي عام 1991 إلى السويد تهتم بموضوع الإنسان والبيئة، وفي الوقت نفسه جاءت استمرارا لتطور مفهوم وظيفة الفن في المجتمع والحياة معا من ناحية، وشكلا متطورا للعناصر الفنية من ناحية أخرى. فهذه الأعمال الفنية هي أعمال تجريدية لكنها تحمل في روحها وتصميمها الحس العربي الإسلامي المعاصر، وتبتعد عن مفهوم التشخيص في النحت العراقي الذي ساد الفن العراقي المعاصر إثر تجارب جواد سليم وإسماعيل فتاح الترك ومحمد غني حكمت».
ويوضح النحات رشيد قائلا: «إذا كان لا بد لنا أن نفهم شكل العمارة على أساس أنها موسيقى متحركة فعلينا أيضا أن نفهم أن الفن هو عبارة أيضا عن موسيقى ديناميكية مكملة للعمارة؛ ولذلك أجد في تجربة التجريد في النحت أكثر نجاحا وانسجاما من أي أسلوب آخر؛ لما يحققه من هذا التكامل والانسجام المشترك».
وعن رأيه بالأعمال النحتية الموجودة في ساحات بغداد، قال رشيد: «المشكلة في الفن العراقي عموما أنه ذو ثقافة بصرية أكثر مما هو فكرة؛ ولذلك نسعى إلى التأثر بما نراه أكثر مما نتأثر بما نفكر به، وهناك فرق ما بين عمل نحتي يعرض في قاعة وعمل نحتي يعرض في الساحات العامة؛ فالعمل الأول هناك حرية واضحة ومتاحة للفنان في التعبير لا يشترط عليه بها أحد، والحالة الثانية هناك شروط جمالية ومعمارية وبيئية تفرض أهميتها على الفنان من أجل إنجاز عمل نحتي ناجح في البيئة العامة، وهذا ما نفتقر له في تجربة النحت العراقي الموجودة حاليا في معظم ساحات بغداد عدا نصب الشهيد وجدارية جواد سليم والجندي القديم للفنان الكبير رفعت الجادرجي»، موضحا أن «ذلك يعود إلى عناصر كثيرة، منها أن دراستنا الأكاديمية الفنية الآن أضحت متخلفة وليست قديمة فقط؛ لأنها لم تتواصل مع تطورات الفن والعمارة والتجارب العالمية، بسبب الحصار والقطيعة مع العالم، إضافة إلى عدم الرجوع إلى استشارة ذوي الخبرات والمختصين في هذا المجال من أجل تقويم عملية العمل الفني».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».