تحقيق جديد لأعمال السياب يفتح باب تزييف التاريخ الأدبي في العراق

صاحب «أنشودة المطر» في ذكرى رحيله السادسة والخمسين التي تصادف اليوم

غلاف الأعمال الكاملة  «دار الرافدين»
غلاف الأعمال الكاملة «دار الرافدين»
TT

تحقيق جديد لأعمال السياب يفتح باب تزييف التاريخ الأدبي في العراق

غلاف الأعمال الكاملة  «دار الرافدين»
غلاف الأعمال الكاملة «دار الرافدين»

ما جوهر الاضطراب الذي استدعى تحقيقاً جديداً للأعمال الشعرية الكاملة لبدر شاكر السياب؟
كان إبراهيم الوائلي أول من فتح باباً أُغلق بالرتاج على ما سماه بعنوان تراثي هو «اضطراب الكلم» في شعر أحد كبار الشعراء العراقيين، وهو الزهاوي. فكانت الحصيلة كتابه الرائد ولا شك، اضطراب الكلم لدى الزهاوي «مطبعة الإيمان، بغداد: 1970». والكتاب ثمرة التدقيق ومقابلة النصوص بعضها ببعض بين ديواني الزهاوي الأول «الكلم المنظوم» وديوانه الثاني «لم يذكر اسمه، وقد يقصد الديوان المعروف بديوان الزهاوي – المطبعة العصرية بمصر لصاحبها خير الدين الزركلي. وذكر فقط سنة طبعه عام 1924 بالقاهرة»، فوجد أن هناك ظاهرة وصفها بـ«ليست بغريبة في موضوعها بقدر ما هي غريبة في سعتها وتنوعها»، وهي عنده «تبديل الكثير من المفردات والعبارات وبعض الأشطر بتمامها». ولقد أغرت هذه الظاهرة الباحث الرصين الوائلي فمضى بفحص شعر الزهاوي المعروف والمتداول آنذاك كله، فوجد أن اضطراب الكلم يكاد يقتصر على الديوانين المذكورين وديوانه الثالث «اللباب». لم يزد الوائلي عما وصفه باضطراب الكلم، وكان هدفه الرئيس استعادة أصل النص الشعري قبل أن يلحقه الاضطراب. ثمَّ إنه لم يجد له مثيلاً في الشعر العربي، لا سيما العراقي منه، رغم أنه قد وصف الظاهرة بعدم الغرابة؛ ربما لأنها على صلة غير خافية بظاهرة معروفة في تاريخنا الأدبي سمّاها البصير جداً طه حسين «في الشعر الجاهلي – 1926»، جرياً على رأي أستاذه مارجليوث «أصول الشعر العربي - 1925: الانتحال». فهل انتهى الأمر عند حدود الظاهرة المفردة؟

روايات مختلفة لقصيدة واحدة
في ذكرى رحيله السادسة والخمسين، تُصدر دار «الرافدين» التحقيق الموسع للأعمال الكاملة لرائد الشعر الحر في العالم العربي بدر شاكر السياب، في مجلدين أنيقين. والتحقيق الجديد بصنعة شاعر شاب سبق له أن أصدر أربع مجاميع شعرية هو علي محمود خضير، وبتقديم خاص كتبه أدونيس تحدث فيه عن السياب بوصفه شاعراً مؤسِّساً للشكل الجديد في الشعر العربي. وتحدث كذلك عن الإشكاليات الكبرى التي تعرض لها السياب في قصائده الرئيسة فيما يخص موقع الشعر في المجتمعات الإسلامية العربية. فما الجديد الذي استدعى إصدار هذا التحقيق للأعمال الشعرية الكاملة للسياب؟
في مقدمة تحقيقه يكتب خضير أن شعر السياب لم يكن موضع عناية خاصة تتولى وتأخذ على عاتقها توثيق شعر السياب على أساس مهني محايد ينقِّيها مما وصفه بـ«الأخطاء الإجرائية والتأثيرات (بأنواعها)»... وهو يتهم الطبعات السابقة لشعر السياب، بما فيها الطبعة المعروفة والمتداولة لأعمال السياب الكاملة بمجلديها «دار العودة، بيروت – 1971» بأنها «تعاني من ثغرات مؤثرة وعلَّات متوارثة لا تتناسب مع قيمة الشاعر»، وهي عنده تتصل بـ«نقص، سهو، عدم دقة، وأخطاء». والاتهام يطال حتى ما أصدره السياب في حياته، وما صدر بعد رحيله الفاجع، من دواوين شعرية. ثمة، إذن، اضطراب جديد لا بد من معالجته للوصول إلى ما افترضه المحقق «النسخة الأصلية» لشعر السياب التي أرادها الشاعر وليس ما فرضته «الظروف التاريخية الدقيقة». وهو اضطراب معاصر نسبياً، ومختلف إلى حد ما عما درسه الوائلي في الدواوين الثلاثة للزهاوي. فما جوهر الاضطراب الذي استدعى تحقيقاً جديداً للأعمال الشعرية الكاملة لبدر شاكر السياب؟

حذف حسب الموقف السياسي للناشر
يجزم المحقِّق بأن القارئ العربي لم يطّلع ويقرأ النص الحقيقي الكامل لقصيدة السياب؛ فهناك تبايُن «اختلاف - اضطراب» بين القصائد في طبعة الأعمال الكاملة ونشرها في الصحف والمجلات أو في الدواوين المفردة. فنحن، كما يشدِّد المحقِّق، أمام روايات مختلفة للقصيدة الواحدة. لنأخذ قصيدة «الأسلحة والأطفال»، مثلاً. سنجد لها ثلاث روايات – صياغات: رواية مطبعة «الرابطة - بغداد: 1954»، ورواية ديوان «أنشودة المطر – منشورات مجلة شعر: 1960»، ورواية طبعة «دار العودة – بيروت: 1971». وهذا الاضطراب ذو أشكال مختلفة: تعديلات أجراها الشاعر بنفسه، وحذْف «مقاطع اعتمدها الشاعر»، وإضافة أخرى سبق أن حذفها بـ«نفسه» أيضاً. وسبب هذا التباين «الاختلاف»، كما يرى المحقِّق، عائد إلى الموقف السياسي للناشر «دار نشر أو صحيفة أو مجلة» أو الدولة وقتذاك، وهناك ما جرى حذفه «بتخويل من الشاعر وتنسيق معه»، وفي كل الأحوال فقد وثَّق المحقِّق هذه الحالات بهوامش خاصة في موضعها. نذكِّر، هنا، بما كُتب على غلاف أحد دواوين الزهاوي نفسه، قبل السياب بعقود، مما يؤكد أثر السياسة في اضطراب شعر الزهاوي: «أسقط ناظمه بعض أبيات قصائده، ونشر أكثرها إبانها بإمضاء مستعار في أشهر جرائد مصر يوم كان الاستبداد شديداً». وسنرى أن اضطراب الشعر جزء أصيل من اضطراب بلاد كاملة.
التباين، إذن، حاصل ولا شك، ولكي يعثر المحقِّق على «النسخة الأصلية» فقد كان عليه أن يتوسل، في إنجازه مهمته الشاقة، بما توفَّر من «مخطوطات الشاعر»، والطبعات السابقة للأعمال الكاملة، وهناك الدراسات التي كُتبت عن حياة السياب وشعره. فوضع ما يمكن تسميته بخريطة طريق في عمله. وهذه الخريطة تمثِّلها ست خطوات التزم بها المحقق، وهي: التحري الدقيق في القصائد، والتحقيق حسب المتاح من «مخطوط أصلي أو وثيقة منشورة»، والضبط الشكلي للكلمات والأبيات الشعرية وتصحيح ما يرد من أخطاء فيها، وكتابة هوامش تتولى مهمة شرح ما طرأ على القصيدة «تعديلاً أو حذفاً»، وإيراد بعض التفاصيل «الخاصة» المتعلِّقة بالقصيدة، ثم شرح الغامض من «المفردات والأعلام» الواردة في القصيدة.
من حُسن حظ المحقِّق، وربما الأجدر أن نكتب من حسن حظ السياب نفسه، أن المحقق هو شاعر عارف بالشعر العربي، على الرغم من حداثة سنه وتجربته الشعرية، ولقد مكّنته هذه المعرفة من أن يكتشف هنّات الطبعات السابقة ويشخِّص مواضع اختلافها وتباينها عن بعض. من هذا القبيل ما يتحدث عنه المحقِّق مما يتصل بعدم «التزام الطبعات (الكاملة) السابقة بالصياغات النهائية لدواوين الشاعر»؛ فهي تتجاهل التغييرات التي تطرأ على القصائد، فلا تهتم بها، وكان الأجدر بها أن تفرد لها هوامش خاصة توضح الأمر لدى القارئ. ومما له صلة بما وفَّرته معرفة المحقِّق الشعرية لنص السياب تصحيح أخطاء مضى عليها خمسون عاماً، وكان الأجدر بجامعي شعره، فضلاً عن دارسيه الكثرة، أن ينبهوا عليها. وهو يسوق، مثلاً، ما ورد في قصيدة «ليلة في العراق – مجموعة شناشيل ابنة الجلبي» من خلل الوزن واضطراب المعنى، لا سيما في قوله «تمصُّ الماء، يقرع في مداها النُّسغُ»، والذي سيجده بصياغة جديدة تتضمن إضافة تُصلح اضطراب الوزن الشعري والمعنى في مخطوطة القصيدة، وفي عدد مجلة «حوار»: «تمصُّ الماء، يقرع في مداها النُّسغُ آلاف الدرابك حين ترتعش».
غير أن ما يسمّيه المحقق بـ«تبدلات المتن الشعري» يظل ملاحظة أساسية؛ فهو يعتقد أن هذه «التبدلات» حصلت لعوامل متعدِّدة، يتعلق بعضها باختلاف وتحولات الشاعر وقناعاته الفنية. وبعضها على صلة بتحقيق طلب دور النشر، في حياة الشاعر وبموافقته، أو بعد رحيله. وفي هذا السياق نجد المحقِّق متعاطفاً مع السياب ونصه الشعري، فنراه يندد بالتعسف الذي لحق بشعر السياب حتى جاوز «الحدود الأدبية والأخلاقية في بعض الموارد إلى محاولات تنقسم – مثالاً لا حصراً: إما للنيل منه والغض من مكانته، وإما توجيه شعره بسياق ما».

حفلة تزييف كبرى
هل نحن إزاء ما سماه الوائلي «اضطراب الكلم»، على صعيد مختلف وبعيد زمنياً عن شعر الزهاوي، أم نحن أمام مجرد تباين واختلاف بين نصوص قصيدة السياب؟ وهل هذا الاضطراب يشمل الشعر العربي بطبعاته الوطنية كلها أم أنه يقتصر على الأدب العراقي، شعراً وقصةً قصيرةً وروايةً، وربما حتى مسرحاً؟ لقد سمعنا وقرأنا عن قصائد أسقطها محمود درويش وأدونيس، وربما حتى سعدي يوسف، لكننا لم نسمع أمراً مماثلاً ومشابهاً لما حدث ويحدث في الشعر العراقي والأدب عامةً، فلا نعرف أن ديوان شاعر النيل حافظ إبراهيم، قد اضطربت قصائده واختلفت في النشر. وهو ذاته ما لم يحصل مع محمود سامي البارودي، وأمير الشعراء أحمد شوقي، بل لم يحصل مع معاصر السياب صلاح عبد الصبور وغيره ممن لحقه. مرة أخرى هل ما حصل ويحصل، وما سيحصل ولا شك، يخص الشعر العراقي وحده؟ وعن ماذا يعبّر اضطراب الشعر العراقي وتباينه؟ وهل حقاً نحن في سياق ظاهرة أدبية صِرفة ينحصر الاشتغال والتفكير بها في سياق الأدب فقط؟ ألا يعبّر اضطراب الشعر عن اضطراب البلد والشخصية العراقية؟ إن ما فُهم على أساس من أنه اضطراب الكلم قد تحول بتعمد وتعنُّد إلى رغبة جامحة تتعلق وتختص بظاهرة جديدة ومختلفة كلياً في سياق الشعر والأدب العراقي، إنها ظاهرة تزييف التاريخ الأدبي القائم على أساس تزييف النص وتدمير ثباته المتحقق عبر التداول. لنأخذ، مثلاً، الشعر الحربي الذي كُتب من منطق تمجيد الحرب في عراق الثمانينات وصولاً إلى لحظة سقوط الديكتاتور، وتتصل به قصائد المدح لصدام حسين... ماذا حدث لهذا الشعر، ذلك الكم الكبير الذي كانت عيني تذهب إلى ركنه في مكتبة كلية الآداب؟ ليس عندي سوى جواب واحد ووحيد: لقد جرى رفع هذا الشعر من المجاميع الكاملة المطبوعة لاحقاً، أو جرى تغيير النص بما ينسجم مع مشهد السقوط المدوّي. نحن في حفلة تزييف كبرى يشترك فيها شعراء وكتاب قصة ورواية ومسرح. ومن المؤسف حقاً أن الحياة والظروف الملتبسة قد ورَّطت السياب بهذا الاضطراب «التزييف». وبعض مأثرة التحقيق الجديد أنه يدعم فرضية كتاب أعمل عليه منذ سنوات، يناقش مشكلة أو مشكلات تزييف النص الأدبي، ومن ثمَّ تزييف التاريخ الأدبي في العراق.
أياً كان الأمر، فإن التحقيق الجديد للأعمال الشعرية الكاملة لبدر شاكر السياب يعيد الجدل فيما يخص شعر السياب. وهو تحقيق مهني محايد، حاول محقِّقه أن ينأى بنفسه وعمله عما يثير اللبس، ويفتح شهية الاختلاف على ما أنجزه. وهي مأثرة تستحق الإشادة، مثلما تستحق صنعة علي محمود خضير نقاشاً علمياً أكثر تخصصاً وفائدة. أقصى ما تحدث عنه المحقِّق، في سياق مهنيته، أن كتب عن «تباين» القصيدة واختلاف طبعاتها، وركَّز على تفاصيل عمله المهني المحايد، فكان هذا التحقيق ثمرة الحياد والعمل المهني. وهو، بالنسبة لي، دليل آخر على صحة فرضيتي عن تزييف التاريخ الأدبي والتلاعب بثبات النص الأدبي وتداوله التاريخي في العراق.

* ناقد وأكاديمي عراقي


مقالات ذات صلة

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

كتب فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة

د. ماهر شفيق فريد
كتب مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة،

ميرزا الخويلدي (الدمام - السعودية)
كتب التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
كتب همنغواي

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة

ندى حطيط

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون
TT

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة وعلم النفس والفكر السياسي. تشهد بذلك عشرات الدراسات الصادرة عنه بمختلف اللغات خلال القرن الماضي، وفي هذه الألفية الثالثة. وأحدث هذه الدراسات كتاب صادر في 2025 عن دار «أركتوروس للنشر»، في لندن، عنوانه «فردريك نيتشه: المفكر الذي شق درباً جديداً وأحدث ثورة في الفلسفة»

Friedrich Nietzsche: The Ground - Breaking Thinker who Revolutionized Philosophy

من تأليف توني لي مورال Tony Lee Moral.

كان لنيتشه حضور في حقلنا الثقافي منذ العقود الأولى من القرن العشرين؛ فقد كتب الرواد، من أمثال عباس محمود العقاد وعلي أدهم، مقارنين فلسفته في القوة بفلسفة المتنبي. وأخرج عبد الرحمن بدوي كتاباً عنه، وكذلك فعل فؤاد زكريا في مرحلة لاحقة. وترجم فيلكس فارس كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كما تجد لنيتشه ذكراً، يطول أو يقصر، في تواريخ الفلسفة، والفلسفة الوجودية خاصة، في عديد من الكتب لمؤلفين عرب.

أهم معالم الطريق في حياة نيتشه هي مولده في 1844، التحاقه بجامعة بون ليدرس اللاهوت وفِقْه اللغتين اليونانية واللاتينية، ثم التحاقه بجامعة لايبتسغ حيث تعرف على فكر أرتور شوبنهاور، أداؤه الخدمة العسكرية لعام واحد في الجيش البروسي، صداقته للموسيقار ريتشارد فاغنر (تحطمت علاقتهما فيما بعد كما تحطمت علاقته بأصدقاء آخرين)، اشتغاله أستاذاً لفقه اللغة بجامعة بازل في سويسرا، بدء مسيرته في التأليف بإصدار كتابه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» في 1872، هجرته إلى إيطاليا وانهيار قواه العقلية حتى وفاته بالتهاب رئوي وجلطة في سن الخامسة والخمسين. وقد تولت أخته إليزابيث إصدار مؤلفاته بعد وفاته، ولكنها للأسف تلاعبت في نصوصه بما زيَّف حقيقته، إرضاء للسلطات النازية التي تبنَّته (كما تبنت فاغنر) مع أن نيتشه من النازية براء.

وفي حياته الخاصة كان نيتشه معذّباً؛ عانى طيلة عمره من عدد من الأمراض: نوبات صداع عنيف، وآلام في العينين، واضطرابات معدية، ودفتيريا ودوسنتاريا، ونوبات اكتئاب. ولم يعرف السعادة في الحب، ولا هو تزوج. وكانت في حياته قصة حب بلا أمل للو أندرياس سالومي، وهي شابة روسية لامعة مهتمة بالفلسفة وعلم النفس والأدب كانت (مثل مي زيادة) أنثى فريدة انجذب إليها كثير من مفكري العصر وأدبائه. لقد كان نيتشه نموذجاً للمفكر المنعزل (عاش في إيطاليا بين ثلوج جبال الألب، ووصف الفلسفة بأنها طريقة للعيش بين «الجليد والجبال العالية»). وزاده انعزالاً أن أفكاره الجريئة كانت صادمة لمعاصريه، وموضع هجوم من أغلب المشتغلين بالفلسفة.

وفلسفة نيتشه في القوة رد فعل إزاء معاناته الشخصية؛ فهو من ناحية يؤكد الجانب التراجيدي في الوجود. ومن ناحية أخرى يبذل محاولة بطولية لتجاوز المعاناة وارتقاء قمم فكرية ووجدانية عالية رغم أوجاع البدن والنفس. ومن أقواله: «إن ما لا يقتلني يقويني».

بلغ من نبوغ نيتشه أنه تعلَّم أبجدية اللغة اليونانية القديمة والعزف على البيانو في سن الثالثة. وفي سنوات دراسته أُولِع بالأدب ونظم شعراً وانجذب إلى موسيقى موزار وبيتهوفن. كان أدباؤه المفضلون هم شعراء المأساة الإغريقية، إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديز، وشعراؤه الأثيرون هم بايرون وهولدرلين. وكان قارئاً نهماً يقضي الليل كله في القراءة، وقد غمس قدميه في دلو مليء بماء مثلّج كي يظل صاحياً!

تناول نيتشه في كتاباته قضايا جوهرية، مثل معنى الحياة والحرية الفردية والمواضعات الاجتماعية. وأشاد بما دعاه الإنسان الأعلى (السوبرمان) قائلاً إنه سيعلو على الإنسان الحالي، كما علا الإنسان الحالي على القردة. وفلسفته إيجابية تقدس القوة والغلبة ولا تخلو من تعالٍ ذكوري على المرأة (له في ذلك أقوال سيئة السمعة مثل: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنس إذن سوطك»). وهو لا يقدم إجابات جاهزة قدر ما يطرح أسئلة تحث على التفكير.

ولا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسى؛ إذ يرى هذا الذهن الجبار ينحدر في أواخر أيامه إلى هاوية الجنون. ومن مظاهره شعور مفرط بالعظمة يجعل نيتشه يكتب أشياء من قبيل: «لماذا كنتُ حكيماً إلى هذا الحد؟»، و«لماذا كانت كتبي جيدة هكذا؟».

ويوقع رسائله باسم «دويو نيزوس» أو «المصلوب» (متقمِّصاً شخصية المسيح). ويرى بعض الباحثين أنه كان مصاباً بالزهري، مما أدى إلى شلل تدريجي وتدهور للنسيج المخي.

لكن التراث الذي خلفه يبقى من بعده. لقد تلقف منه الناقد والفيلسوف الدنماركي جورج براندز فكرة الإنسان الأعلى. واهتم به الكاتب المسرحي السويدي سترندبرغ. ورسم المصوِّر إدوارد مونج لوحته المسماة «الصرخة» من وحي كتاباته.

وعلى الصعيد الفكري، ألقى هايدغر سلسلة محاضرات عن نيتشه في جامعة فرايبورغ. وأعاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه عن تاريخ الجنس ومؤسسات السجن والمدرسة والمستشفى أفكار نيتشه عن إرادة القوة والتنافس على السيطرة والعقوبة. أما الفلاسفة الوجوديون (مثل سارتر وكامو)، فقد طوروا أفكار نيتشه ومضوا بها إلى آفاق أبعد.

ونظريات فرويد عن اللاشعور تدين بالكثير لنيتشه، وكذلك الشأن مع يونغ الذي اقتبس من كتاب «هكذا تكلم زرادشت» مفهوم الفردية والتميُّز ومجاوزة الذات.

وامتد تأثيره إلى مفكري ما بعد الحداثة، مثل جاك دريدا وجول ديلوز، وذلك في نظرياتهم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة.

ومن الأدباء الذين اهتموا بنيتشه جويس وكافكا وهرمان هسه، وتوماس مان في روايته «الجبل السحري»، ود. ه. لورنس في «نساء عاشقات»، وويليام فوكنر في «الصخب والعنف»، وصمويل بكيت في «في انتظار غودو»، ونابوكوف في «لوليتا».

هكذا يظل فكر نيتشه المثير للخلاف ولا يخلو من متناقضات قوة حيوية في الفكر المعاصر واستكشافاً راديكالياً لقضايا الأخلاق والدين والثقافة والفن، ومنصة وثب نقفز منها (سواء وافقناه أو خالفناه) إلى فهم أعمق لمعنى وجودنا ولدوافعنا ومحركات السلوك لدى الآخرين.


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرزُ ملفات العدد ملفُ «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، الذي تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر مقالات عدة تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهو «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026»، احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها بافتتاحية العدد، ذكرت رئيسة التحرير أن صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد سيكون بثلاث لغات: العربية، والفرنسية، والإنجليزية.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية... بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام لـ«الرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية»، مقالاً ناقش فيه واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والثانية ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تُفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها بأن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي؛ فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، الأستاذة المساعدة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الخرطوم.

في هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس.

وكتب الدكتور يوسف إسماعيلي، الخبير في «مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها» في المغرب، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

يقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بوصفها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية، إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.


التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»
TT

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء، وضرورة عملية فرضها الأمر الواقع، وليست كطبق فاخر يكتسب شهرة عالمية ويوحد بين مختلف الثقافات والشعوب، ويكتب قصة مشوقة عن الهجرة والطبقات الاجتماعية والذوق الشعبي وتحولات العالم الحديث.

في كتابه «البيتزا: تاريخ وحكايات»، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة آلاء أحمد جاد، يتتبع الباحث الإيطالي لوكا تشيزاري رحلة هذا الطعام، بعيداً عن الحكايات المكررة التي تختزلها في قصة ملكة إيطالية تسمى «مارغريتا» حملت أشهر أنواع تلك الوجبة اسمها.

ويوضح المؤلف أن البيتزا ليست اختراعاً مفاجئاً، بل ثمرة تاريخ طويل من الخبز المسطح الذي عرفته شعوب البحر المتوسط منذ قرون، فقد عرف الإغريق والرومان وغيرهم أشكالاً متعددة من العجين المخبوز الذي يُضاف إليه الزيت والأعشاب والجبن، غير أن نابولي هي التي منحت هذه الفكرة شخصيتها الحديثة.

واللافت أن الطماطم، التي تبدو اليوم عنصراً لا يمكن فصلها عن البيتزا، لم تكن جزءاً أصيلاً من المطبخ الإيطالي، فقد وصلت إلى أوروبا بعد اكتشاف القارة الأميركية، وظلت لفترة طويلة موضع شك؛ إذ اعتقد بعض الناس أنها نبات ضار غير صالح للأكل.

ومع الوقت، وجدت طريقها إلى مطابخ جنوب إيطاليا، خصوصاً بين الفقراء الذين رأوا فيها مكوناً رخيصاً ومشبعاً، هنا بدأت ملامح البيتزا «النابولية» تتشكل: خبز دائري ساخن، وطماطم، وزيت، وثوم أو جبن، يؤكل باليد في الشارع دون أطباق أو مراسم.

كانت نابولي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مدينة مكتظة، تعج بالعمال والحرفيين والباعة والبحارة، فظهرت الحاجة إلى طعام يمكن شراؤه بثمن زهيد، وتناوله أثناء العمل أو في الطريق، بل إن بعض الباعة كانوا يبيعونها بنظام الدفع المؤجل للفقراء. ولهذا ارتبطت البيتزا في بدايتها بالطبقات الشعبية، ونظر إليها كثير من أبناء الطبقات الميسورة باعتبارها طعاماً بسيطاً لا يليق بالموائد الراقية.

ومن أشهر القصص المرتبطة بها حكاية «بيتزا مارغريتا»، التي يُقال إنها صُنعت تكريماً للملكة مارغريتا عام 1889 بألوان العلم الإيطالي: الأحمر للطماطم، والأبيض للموزاريلا، والأخضر للريحان، لكن لوكا تشيزاري يدعو إلى التعامل بحذر مع هذه الرواية، فالكثير من تفاصيلها اكتسبت شهرتها لاحقاً، حين احتاجت البيتزا إلى أسطورة وطنية تمنحها مكانة أكثر رفعة، فالحقيقة الأهم أن هذا الطبق كان موجوداً قبل القصة، وأن شهرته لم تأتِ من القصور، بل من الشوارع.

التحول الأكبر حدث مع موجات الهجرة الإيطالية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث حمل المهاجرون معهم وصفاتهم وحنينهم إلى نابولي، فظهرت مطاعم البيتزا في أحياء الإيطاليين بنيويورك وشيكاغو ومدن أخرى.

هناك تغيرت البيتزا لتلائم المكونات الجديدة والشهية الأميركية، فكبرت أحجامها، وتنوعت إضافاتها، وصارت جزءاً من ثقافة المدن الحديثة، قبل أن تعود إلى أوروبا والعالم في صورة مختلفة وأكثر انتشاراً.

وهكذا أصبحت البيتزا مرآة لثقافة الشعوب: في نابولي تحكي عن الفقر والابتكار اليومي، وفي أميركا تروي قصة الهجرة والاندماج، وفي العالم المعاصر تعكس سرعة الحياة والعولمة وقدرة الطعام على عبور الحدود.