وزراء خارجية أطراف «الاتفاق النووي» لخفض التوتر قبل تسلم بايدن

طهران تنفي تبادل رسائل مع الإدارة الجديدة... و«تشويه» تصريح خامنئي يثير الجدل

عراقجي خلال مباحثات متلفزة مع اللجنة المشتركة لأطراف الاتفاق النووي الأربعاء (الخارجية الإيرانية)
عراقجي خلال مباحثات متلفزة مع اللجنة المشتركة لأطراف الاتفاق النووي الأربعاء (الخارجية الإيرانية)
TT

وزراء خارجية أطراف «الاتفاق النووي» لخفض التوتر قبل تسلم بايدن

عراقجي خلال مباحثات متلفزة مع اللجنة المشتركة لأطراف الاتفاق النووي الأربعاء (الخارجية الإيرانية)
عراقجي خلال مباحثات متلفزة مع اللجنة المشتركة لأطراف الاتفاق النووي الأربعاء (الخارجية الإيرانية)

يبحث وزراء خارجية الدول الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني، اليوم، سبل أحياء الصفقة الحالية، وخفض التوترات الحالية مع طهران، بعد أحدث تحذيرات من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمهيداً لانضمام فريق الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن الذي ينوي العودة إلى الاتفاق بعد تسلم مهامه في البيت الأبيض الشهر المقبل.
وتواجه أطراف الاتفاق مهمة لا تقل حساسية عن الخطوات الأخيرة للاتفاق، في ظل الأعراض التي يعاني منها الملف النووي الإيراني بعد انتهاك أجزاء أساسية، تقدمت طهران بموجبه في تطوير أجهزة الطرد المركزي، وبناء منشآت جديدة، إضافة إلى رفع مخزونها من اليورانيوم المخصب.
ووعد الرئيس الأميركي جو بايدن بالعودة إلى الاتفاق، لكن لم تتضح بعد معالم خطة فريقه للعودة. وخلال الأيام الأخيرة، طالب مدير الوكالة الدولية، رافائيل غروسي، بتوقيع اتفاق جديد مع إيران، يحدد كيفية تراجع طهران عن انتهاكات تعهداتها النووية، وقال بوضوح: «الانتهاكات أكثر من أن يتم التراجع عنها بسرعة»، وتابع: «لا يمكن أن أتخيل أنهم سيقولون ببساطة: سنعود للمربع الأول، لأن المربع الأول لم يعد له وجود»، وأضاف: «من الواضح أننا سنحتاج بالضرورة إلى بروتوكول أو اتفاق أو تفاهم أو وثيقة ملحقة تحدد بوضوح ما الذي سنفعله».
ومن الجانب الإيراني، كرر مبعوث طهران الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كاظم غريب آبادي، مرة أخرى، احتجاجه على تصريحات يدلي بها غروسي لوسائل الإعلام حول ملف إيران، قائلاً إن «إثارة أي تقييم لكيفية تنفيذ الالتزامات يتجاوز تماماً تفويض الوكالة».
وأمس، نقلت صحيفة «همشهري»، التابعة لبلدية طهران، عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، أن بلاده لم تتبادل رسائل مع إدارة بايدن، نافياً صحة التقارير التي تحدثت عن تواصل عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، ومسؤولين في إدارة بايدن.
وقال خطيب زاده للصحيفة إن إيران «تنتظر خطوات عملية لإدارة بايدن»، لكنه «أوصى» الرئيس الأميركي المنتخب بالعودة إلى الاتفاق النووي، مشيراً إلى «تباين واضح» بين تصريحات بايدن وسياسة الإدارة الحالية للرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب الذي انسحب من الاتفاق النووي بهدف تعديل سلوك طهران على مختلف المستويات، وأهمها وقف الأنشطة الإقليمية، والحد من تطوير برنامج الصواريخ الباليستية.
وشهد آخر اجتماع جرى بين الأطراف الموقعة على الاتفاق، الأسبوع الماضي، أجواء متوترة، على خلفية إثارة الدول الأوروبية إعدام الصحافي الإيراني روح الله زم. وخلال الأيام القليلة الماضية، عاد ملف حقوق الإنسان الذي تراجع بعد الاتفاق النووي إلى الأوساط الأوروبية، خاصة مع تعقيد قضية أصحاب الجنسيات المزدوجة المعتقلين لدى إيران بتهمة التجسس لدول غربية.
وعقب نهاية الاجتماع الافتراضي، كشف عراقجي عن تلاسن بينه وبين المسؤولين الأوروبيين، مبدياً استغرابه من إدانة إعدام زم، وتجاهل اغتيال محسن فخري زاده، نائب وزير الدفاع لشؤون الأبحاث مسؤول الدفاع في البرنامج النووي.

تحذير من «تيار التحريف»
والأسبوع الماضي، واصل الرئيس حسن روحاني توجيه الرسائل المتتالية إلى بايدن، في 3 مناسبات: الاثنين، شدد روحاني على عزمه رفع العقوبات الأميركية، وقال في رسالة ضمنية إلى خصومه المحافظين إنه «لن يسمح بتأخير رفع العقوبات حتى دقيقة واحدة». وبعد ذلك بيومين، أعرب روحاني عن سعادته برحيل ترمب، قبل أن يضطر الخميس إلى ضبط مفرداته، وفق توصية «المرشد» علي خامنئي بشأن «إجهاض» مفاعيل العقوبات الأميركية.
وأفصح خامنئي عن تحفظه على مفردات روحاني، الأربعاء، عندما قال إن «رفع العقوبات بيد العدو، لكن إجهاض الحظر بيدنا». وعاد للقول إنه لا يعني من كلامه عدم السعي لرفع العقوبات «لأنه لو كان بالإمكان رفع العقوبات، فلا ينبغي التأخير في ذلك حتى ساعة واحدة».
وهاجم خامنئي الدول الأوروبية الثلاث بأشد العبارات، فيما اكتفى بتحذير المسؤولين الإيرانيين من الثقة بالإدارة الأميركية، وحرص على القول إن «العداء الأميركي لإيران لن ينتهي»، في إشارة إلى عدم تغيير موقفه من العلاقات مع الولايات المتحدة، بغض النظر عن الرئيس الأميركي، وسياسته تجاه إيران.
وأبرزت وسائل الإعلام المؤيدة لروحاني تصريحات خامنئي حول عدم التأخير في رفع العقوبات، لكنها نقلت تحفظات خامنئي بشأن ضرورة «تحييد» مفاعيل العقوبات بأسلوب باهت، وهو ما أغضب إعلام معسكر المحافظين و«الحرس الثوري».
والجمعة، سارع موقع خامنئي إلى تنشيط أسلوبه الدعائي في نشر الملصقات. وعبر ملصق جديد، اتهم من وصفهم بتيار «التحريف» بتشويه خطاب خامنئي، عبر شطب عبارات باللون الأحمر، وقصها من الخطاب.
واقتبس حساب ناطق باسم مكتب خامنئي على «تويتر»، تضمن الملصق، من خطابه في نهاية يوليو (تموز) الماضي الذي قال فيه إن «مهمة تيار التحريف تقديم العناوين الخاطئة لحل مشكلة العقوبات».

«فاتف» يعود للواجهة
ورغم المناوشات بين الجانبين، فإن تأكيد خامنئي على إمكانية رفع العقوبات قد يمنح دفعة لفريق روحاني الذي يسابق الزمن لمواصلة المباحثات الحالية مع أطراف الاتفاق لوضع أساس يمهد لعودة بايدن للاتفاق دون شروط مسبقة، وذلك قبل أشهر قليلة على نهاية رئاسة روحاني.
وقبل أيام قليلة، نقلت مواقع الحكومة أن خامنئي سمح بإعادة مشروع امتثال إيران لمعايير مجموعة «فاتف» الدولية المعنية بمراقبة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مجلس تشخيص مصلحة النظام، بعد نحو عام من تجميده، وهو ما أدى إلى إدراج إيران مجدداً في القائمة السوداء للدول عالية المخاطر على النظام البنكي العالمي.
وتعد الخطوة مؤشراً إلى إزالة العقبات التي قد تعرقل الحركة المالية الإيرانية، إذا ما قرر بايدن رفع العقوبات، وإعادة واشنطن إلى الاتفاق النووي.
وفي محاولة لتخفيف الضغوط الحالية، تراهن جماعات الضغط الإيرانية المقربة من وزير الخارجية محمد جواد ظريف على ترهيب الدول الغربية من صعود رئيس محافظ، ما لم تتمكن حكومة روحاني من رفع العقوبات قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو (حزيران) المقبل.
وحذر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، أمس، من أنه حتى في حال رفع العقوبات، فإن وجود إيران في القائمة السوداء لمجموعة «فاتف» يحول دون تخطي المشكلات المالية، حتى مع أقرب الحلفاء.
وطالما قالت الحكومة الإيرانية إن امتثالها للقوانين الدولية لن يؤثر على أنشطة «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، ودعم الميليشيات المتعددة الجنسيات التي تدين بالولاء الآيديولوجي لإيران.
وهاجم أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام، محسن رضايي، أمس، عبر حسابه في «تويتر»، من اتهمهم بالولاء للغرب، دون أن يذكر أسماء، وقال: «أصحاب النزعة الغربية مثل عريس يتلقى الصفعات القوية من العروس الغربية. وفي كل مرة، يعودون مخذولين، لكن بعضهم لا يزال يريد مواصلة هذه الاستراتيجية في البلاد».

مخاوف من أجهزة الطرد المركزي
وتفاخر روحاني، الأسبوع الماضي، بأن بلاده أحرزت تقدماً كبيراً في مجال تطوير أجهزة الطرد المركزي، ما أثار شكوكاً حول استعداده للعودة إلى التزامات الاتفاق النووي، مقابل عودة الولايات المتحدة للاتفاق.
وقال روحاني، الأربعاء: «عندما تفاوضنا (حول الاتفاق النووي)، كانت 6 قرارات أممية فوق رؤوسنا، لكن اليوم انكسر هذا السيف، ولم يعد موجوداً»، وتابع: «إذا كنا نمتلك أجهزة طرد مركزي من طراز (آي آر 1) و(آي آر 2)، والجيل الأول من (آي آر 4)، فإننا اليوم لدينا (آي آر 6) و(آي آر 8)؛ هذا يظهر نمو قدراتنا».
وذهب روحاني أبعد من ذلك في موازنة قدرات بلاده الحالية بالفترة التي سبقت الاتفاق النووي، قائلاً إنه «لدينا اليوم الرادار الأكثر تطوراً، وأفضل المدمرات البحرية، والنظام الصاروخي الأكثر تطوراً».
وأول من أمس، أكدت صور الأقمار الصناعية تقارير عن قيام إيران بإنشاء منشأة جديدة تحت الأرض، ضمن عمليات توسع جديدة في منشأة فردو التي أعادت طهران فيها تخصيب اليورانيوم ضمن انتهاكات الاتفاق.
وقبل الصور، لم يعلن أي مسؤول إيراني عن أنشطة بناء جديدة في فردو، على خلاف الأنشطة التي شهدتها منشأة نطنز (قرب أصفهان) مؤخراً. وقبل نحو 10 أيام، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» صوراً جديدة التقطتها أقمار صناعية من منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم الرئيسية، تظهر موجة النشاط الجديدة لإنشاء أقسام جديدة تحت الأرض.
وكانت وسائل إعلام غربية قد تناقلت صوراً لأول مرة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تظهر أنشطة بناء إيرانية جديدة في نطنز. وأفادت وكالة «أسوشيتدبرس»، نقلاً عن مدير الوكالة الدولية، بأن إيران بدأت في بناء مصنع لتجميع أجهزة الطرد المركزي تحت الأرض.
وجاءت عمليات التوسع الجديدة بعدما تعرضت أجزاء من المنشأة فوق الأرض لانفجار. وكان مدير المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، على أكبر صالحي، قد أعلن عن مشروع بناء المنشأة في قلب جبال نطنز، في سبتمبر (أيلول) الماضي. وهذا الشهر، أقر البرلمان الإيراني مشروعاً ملزماً للحكومة بتشغيل ما لا يقل عن 164 جهاز طرد مركزياً متطوراً من طراز «آي آر 6» في منشأة فردو، وتسريع عملية تخصيب اليورانيوم، برفع أجهزة الطرد المركزي هناك قبل نهاية مارس (آذار) المقبل.



بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي» رغم عدم وجود شحّ في إمدادات الطاقة.

وقال بزشكيان في خطاب متلفز: «نطلب من شعبنا العزيز الجاهز والحاضر في الميدان، طلباً بسيطاً وهو تقليص استهلاكه للكهرباء والطاقة»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتابع: «لا نطلب من الشعب تقديم التضحيات في الوقت الراهن، لكننا نحتاج إلى ضبط الاستهلاك؛ فبدلاً من تشغيل 10 أضواء، يتعين تشغيل ضوءين في المنزل، ما المشكلة في ذلك؟».

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

وبقيت منشآت توليد الطاقة في إيران في منأى إلى حد كبير عن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي. وقبل سريان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان)، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران.

ولم تُسجّل في الأيام الأخيرة أي انقطاعات للتيار الكهربائي في طهران.

واتّهم بزشكيان أعداء إيران باستهداف البنية التحتية، وفرض حصار «بهدف تحويل حال الرضا الحالية إلى سخط».

وغالباً ما تشهد إيران انقطاعات متكرّرة للطاقة في ذروة الطلب خلال فصلي الشتاء والصيف.

تنتج إيران، وفق وكالة الطاقة الدولية، نحو 80 في المائة من كهربائها من الغاز الطبيعي، وهي مكتفية ذاتياً من هذا المورد بفضل وفرة حقوله.

كما تستخدم مادة المازوت لتشغيل محطات الكهرباء القديمة، إضافة إلى محطات كهرومائية ومحطة نووية واحدة.

بسبب تقادم البنى التحتية وقلة الاستثمارات وتأثير العقوبات الدولية المشددة التي حرمت البلاد من الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات، تعجز شبكة الكهرباء عن تلبية الطلب في فترات الذروة.

وسبق أن أطلق بزشكيان حملات توعية لتقليص استهلاك الطاقة.


11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

مع سعيه إلى إبرام اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس دونالد ترمب الإرث المُعقَّد لقراره الذي اتخذه قبل 8 سنوات، حين ألغى ما وصفه بأنه «اتفاق مروّع وأحادي الجانب».

كان الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما يعاني من عيوب وثغرات. وكان سينتهي بعد 15 عاماً، تاركاً إيران حرة بعد عام 2030 في إنتاج ما تشاء من الوقود النووي. لكن ما إن انسحب ترمب من الاتفاق عام 2018، حتى انطلق الإيرانيون في موجة تخصيب في وقت أبكر بكثير، مما جعلهم أقرب إلى القنبلة من أي وقت مضى.

والآن، يتعامل مفاوضو ترمب مع تبعات ذلك القرار، الذي اتخذه رغم اعتراض كثير من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.

وتَركَّز قدر كبير من الاهتمام أخيراً على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى مستوى أدنى بقليل مما يُستخدَم عادة في القنابل الذرية. ويُعتقد أن معظم هذه الكمية مدفون في مجمع أنفاق قصفه ترمب في يونيو (حزيران) الماضي. لكن تلك الكمية، البالغة 440 كيلوغراماً من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.

واليوم، يقول المفتشون الدوليون إنَّ لدى إيران ما مجموعه 11 طناً من اليورانيوم، عند مستويات تخصيب مختلفة. ومع مزيد من التنقية، يكفي ذلك لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.

وتراكم ذلك المخزون كله تقريباً في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق عهد أوباما. ويعود ذلك إلى أنَّ طهران التزمت بتعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي، أي نحو 97 في المائة، إلى روسيا. وبذلك تُرك مصممو الأسلحة الإيرانيون بكمية من الوقود النووي أقل من أن تكفي لبناء قنبلة واحدة.

والآن، يُشكِّل بلوغ ذلك الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه ترمب ومفاوضَيه الرئيسيَّين: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويدرك ترمب تماماً أنَّ أي شيء يستطيع التفاوض عليه مع الإيرانيين سيُقارَن بما حققه أوباما قبل أكثر من عقد. وبينما لا يزال البلدان يتبادلان المقترحات، وقد يخرجان خاليي الوفاض، فإنَّ ترمب بدأ بالفعل يحكم على اتفاقه، الذي لم يُتفاوض عليه بعد، بأنَّه «أفضل».

وكتب ترمب على موقعه للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «الاتفاق الذي نبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير». وأضاف أن اتفاق عهد أوباما «كان طريقاً مضموناً إلى سلاح نووي، وهو ما لن يحدث، ولا يمكن أن يحدث، في الاتفاق الذي نعمل عليه».

واستناداً إلى أهداف ترمب المتغيرة غالباً في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمةً شاقةً من موضوعات التفاوض، كثير منها فشل فريق أوباما في معالجته. فعليهما إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ. ولم يتناول اتفاق 2015 قدرة إيران الصاروخية قط، وتجاهلت طهران قراراً للأمم المتحدة فرض قيوداً.

وعليهما إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، الذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نزلوا إلى الشوارع. وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين مُحفِّزات الحشد العسكري الأميركي الذي أدى في نهاية المطاف إلى هجوم 28 فبراير (شباط).

وعليهما التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الأميركية - الإسرائيلية، وهي خطوة كان ترمب بوضوح غير مستعدٍّ لها. والآن اكتشفت إيران أنَّ بضعة ألغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط تستطيع رفعه أو خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.

لكن مصير البرنامج الذري هو ما يقع في قلب المفاوضات. وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون أنَّ لديهم «حقاً» في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه. لكن ذلك لا يزال يترك مجالاً لـ«تعليق» كل الجهود النووية لعدد من السنوات. وكان نائب الرئيس، جي دي فانس، قد طالب بـ20 عاماً عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل أسبوعين، ليعلن ترمب بعد أيام أنَّ الفترة الصحيحة هي «غير محدودة».

وقال وليام بيرنز، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الذي أدى دوراً رئيسياً في مفاوضات عهد أوباما، لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة، إنَّ الاتفاق الجيد يتطلب «عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقاً ممتداً لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات».

كما دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح. وقال: «ما لم تُرسَم الخطوط بوضوح وتُراقَب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها».

شاحنة محملة بحاويات اليورانيوم تدخل نفقاً في أصفهان يونيو الماضي (أ.ب)

وهذا بالضبط ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق أوباما عام 2018، ولم يضع شيئاً مكانه. في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة. ثم بدأت التخصيب بشراسة.

وفي الحرب الحالية، تحدَّث ترمب علناً عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، التي يمكن أن تصنع نحو 10 أسلحة. لكنه لم يتحدَّث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طناً، والتهديد الذي يشكِّله للولايات المتحدة وحلفائها.

وفي اتفاق عهد أوباما، مُنع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كافٍ لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية. وحُدِّد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلاً. وكان يفترض أن تبقى القيود قائمة 15 عاماً، حتى 2030. لكن سُمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة.

وتبين أن تلك الثغرة هيأت لهم وضعاً جيداً لما حدث بعد أن مزَّق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. فقد رد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.

في أوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، أعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.

ثم أدى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران. وحمَّل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في أكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب. وكان ذلك على مسافة شعرة من أعلى درجة عسكرية.

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

ومن أوائل 2021 إلى أوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة. وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ60 في المائة.

ثم، في يونيو، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك أنفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت أخرى في أصفهان. وأعلن أنَّ البرنامج النووي «أُبيد».

رسمياً، كانت الحكومة الأميركية أكثر تحفظاً، قائلة إن البرنامج «تراجع». لكن إذا كانت «عملية مطرقة منتصف الليل» قد شلت بالفعل كثيراً من البنية التحتية الذرية لإيران، فإنَّ إدارة ترمب قالت القليل أو لم تقل شيئاً عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.

وكان ويتكوف أحد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الأمر، إذ وصف المخزون بأنه «تحرك نحو التسليح؛ إنه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه». وأضاف أن إيران يمكنها تحويل وقودها الأعلى تخصيباً إلى نحو 30 قنبلة.

وبينما تَركَّز النقاش العام على ما إذا كان يمكن لفريق كوماندوز أميركي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فإنَّ خبراء نوويين يقولون إن طهران يمكنها تحويل كامل الـ11 طناً إلى وقود قنابل، إذا تمكَّنت من تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.

وقال إدوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، إنَّ مخزون إيران يمكن أن ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحاً، اعتماداً على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل أيضاً الأجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.

وخلص توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى أنَّ مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة إذا جرى تخصيبه أكثر.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طناً حالة غموض كبرى. أما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.

وقال غاري سامور، الذي قدَّم المشورة للبيت الأبيض في عهد أوباما بشأن برنامج إيران النووي: «نعم، لقد قُتل كثير من كبار علمائهم. لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الأساسية لإنتاج أسلحة نووية إذا قرروا القيام بذلك».

*خدمة «نيويورك تايمز»


عراقجي: ننتظر لنرى ما إذا كانت واشنطن جادة بشأن الدبلوماسية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
TT

عراقجي: ننتظر لنرى ما إذا كانت واشنطن جادة بشأن الدبلوماسية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط، وذلك مع وصوله إلى مسقط آتياً من باكستان التي تقود جهود الوساطة.

وكتب عراقجي على منصة «إكس»: «زيارة مثمرة للغاية إلى باكستان التي نقدّر للغاية نواياها الطيبة وجهودها الأخوية لإعادة إحلال السلام في منطقتنا. عرضت وجهة نظر إيران بشأن إطار عمل... لإنهاء الحرب على إيران بشكل دائم. علينا أن نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

واختتم عراقجي زيارة إلى إسلام آباد، السبت، وسط مساعٍ لعقد جولة مفاوضات جديدة بين طهران وواشنطن، في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات.

وأوضح ترمب، في اتصال مع قناة «فوكس نيوز»: «قلت لهم: كلا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للوصول إلى هناك. لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس (حول طاولة) والتحدث عن لا شيء».

وأكد الرئيس الأميركي أن إلغاء زيارة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان لا تعني استئناف الحرب مع إيران.

وأوردت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا)، بعد ظهر السبت، أن عراقجي غادر إسلام آباد «بعدما التقى بمسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى، وبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية».

وبدأ عراقجي، الجمعة، زيارته لإسلام آباد في إطار جولة من المقرر أن تشمل مسقط وموسكو. والتقى رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحاق دار، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة بين واشنطن وطهران.

وقالت الخارجية الإيرانية، في بيان، إن عراقجي شكر لباكستان جهودها، وأوضح مواقف بلاده المبدئية بشأن آخر التطورات المرتبطة بوقف إطلاق النار والوقف الكامل للحرب المفروضة على إيران.