الحوثيون يختطفون مدير مكتب رئاسة الجمهورية ودول التعاون تدين

مصدر مقرب من الرئاسة لـ {الشرق الأوسط} : العلاقة بين هادي والحوثيين متوترة جدا.. والخلاف الأول حول مسودة الدستور

أحمد عوض بن مبارك (إ.ب.أ)
أحمد عوض بن مبارك (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يختطفون مدير مكتب رئاسة الجمهورية ودول التعاون تدين

أحمد عوض بن مبارك (إ.ب.أ)
أحمد عوض بن مبارك (إ.ب.أ)

اختطف مسلحون حوثيون في صنعاء مدير مكتب رئاسة الجمهورية، الدكتور أحمد عوض بن مبارك، من أحد شوارع صنعاء، في الوقت الذي أعلن فيه قائد قوات الأمن الخاصة عن قرب استيعاب ميليشيا الحوثيين في قوام قوات الأمن. وشهدت العاصمة صنعاء وبعض المحافظات مظاهرات منددة بانتشار الميليشيات المسلحة.
واعترفت اللجان (الميليشيات) التابعة لجماعة الحوثي، بزعامة عبد الملك الحوثي، باختطافها للدكتور أحمد عوض بن مبارك، مدير مكتب رئاسة الجمهورية، واعتبرت، في بيان لها، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إقدامها على هذه الخطوة كان «اضطراريا لقطع الطريق أمام أي محاولة انقلاب على اتفاق السلم والشراكة»، وهددت اللجان الشعبية الرئيس هادي وحكومته بخطوات أخرى تصعيدية و«سلسلة إجراءات خاصة ستقوم بها اللجان الشعبية حتى ترعوي تلك القوى عن غيها، وتتوقف عن ممارساتها الإجرامية بحق الشعب حاضرا ومستقبلا، وعلى الرئيس هادي أن يدرك حساسية الوضع حتى لا يكون مظلة لقوى الفساد والإجرام»، حسب البيان الذي لمح إلى اعتراض الحوثيين على مسودة الدستور واعتبارهم أن صياغتها تمت بصورة أحادية وإرضاء لأطراف خارجية ومن دون توافق، حسب ما ينص عليه اتفاق السلم والشراكة، حسب قولهم.
وفي أول رد فعل خليجي، أدان الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، يوم أمس بشدة اختطاف الدكتور أحمد عوض بن مبارك، مدير مكتب رئيس الجمهورية اليمنية والأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني، في صنعاء، على يد الميليشيات الحوثية. ووصف الأمين العام، في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، حادثة الاختطاف بأنها «عمل إرهابي يتنافى مع كل القيم والمبادئ الأخلاقية والإسلامية، ويتعارض مع المصلحة الوطنية العليا لليمن»، ولما للدكتور أحمد من دور وطني محمود ومخلص في العملية السياسية السلمية في اليمن.
ودعا أمين عام المجلس كل القوى السياسية اليمنية إلى الالتزام بنبذ العنف، والعمل على تنفيذ المبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة الوطنية، مع ضرورة مواصلة العملية السياسية بما يؤدي إلى إقرار الدستور الجديد وإجراء انتخابات حرة نزيهة تحقق للشعب اليمني تطلعاته وآماله.
وأكد الدكتور عبد اللطيف الزياني أنه على المجتمع الدولي دعم العملية السياسية في اليمن، والنظر في تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالوضع في اليمن، وتحمل مسؤولياته تجاه أي فئة أو جماعة يمنية تعرقل مسيرة العملية السياسية في الجمهورية اليمنية.
وأعرب الحوثيون في بيانهم عن رفضهم لموضوع قيام الدولة الاتحادية من ستة أقاليم كما تنص عليه مخرجات الحوار الوطني التي أعلنوا الالتزام بها، بصورة تبدو الأمور معها ضبابية ومتناقضة، والتأكيد على أن «قوى نافذة داخل الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني سعت إلى تمرير مسودة للدستور ارتكبت فيها مخالفات عدة منها: أنها دون توافق كل القوى السياسية الموقعة على اتفاق السلم والشراكة، ومخالفة لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ومتبنية رؤية أحادية للدستور إرضاء للخارج ضمن مشروع يهدف إلى تفكيك البلاد إلى كانتونات متقاتلة».
وأفاد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» بأن إحدى نقاط التفتيش التي يتمركز فيها مسلحون من ميليشيا الحوثيين في منطقة فج عطان بجنوب صنعاء، قرب دار الرئاسة، استوقفت سيارة بن مبارك قبل أن يتم اقتياده إلى جهة غير معلومة. والدكتور بن مبارك كان أمينا عاما لمؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انعقد العام المنصرم في اليمن وخرج بعدد من المخرجات، أهمها قيام دولة اتحادية في اليمن وصياغة دستور جديد للبلاد، وتشير مصادر سياسية يمنية إلى أن اختطاف بن مبارك جاء أثناء ذهابه إلى اجتماع رئاسي كان مقررا أن يناقش مسودة الدستور. وفي الوقت الذي سلمت فيه لجنة صياغة الدستور مسودته إلى هيئة الرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل، فقد انسحب ممثلو الحوثيين وحزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة الرئيس السابق علي عبد الله صالح من اجتماع الهيئة احتجاجا على تسلمها للمسودة.
وفي السياق ذاته، قال مصدر مقرب من الرئاسة اليمنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن العلاقة بين الرئيس عبد ربه منصور هادي والحوثيين باتت متوترة للغاية. واتهم المصدر الحوثيين بـ«التنصل من كل الاتفاقات والتفاهمات، بما فيها اتفاق السلم والشراكة الذي وقعوه مع كل الأطراف السياسية في الساحة والذي يقضي بسحب الميليشيات من المدن وتسليم السلاح الثقيل للدولة». واعتبر المصدر «اللغة التي استخدمها صالح الصماد، مستشار الرئيس هادي الذي كان يمثل الحوثيين قبل استقالته، بأنها حملت نبرة تهديد للرئاسة اليمنية من قبل الجماعة بأنها سوف تتصرف وفقا لمصالحها في حال لم يتم تنفيذ مطالبها بصورة رسمية وبقرارات رئاسية صادرة». وأضاف المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن أحد أبرز أسباب الخلافات بين الحوثيين ومؤسسة الرئاسة هو مسودة الدستور التي أنجزتها، مؤخرا، لجنة خاصة عكفت على إعدادها منعزلة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ودانت الولايات المتحدة عملية اختطاف بن مبارك، ودعت السفارة الأميركية في صنعاء في بيان لها، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى «إطلاق سراحه فورا وعودته إلى أسرته سالما»، واعتبرته من «الشخصيات البارزة خلال ثورة 2011»، و«مسؤولا متفانيا أظهر وطنيته في خدمة بلده». واعتبرت سفارة واشنطن «تكتيكات الترهيب مثل اختطاف بن مبارك لا مكان لها في المجتمعات الديمقراطية والمتحضرة، كما أن محاولات إسكات الأصوات اليمنية التي تتحدث نيابة عن البلد لن تمنع تقدم اليمن نحو السلم والاستقرار».
على صعيد آخر، كشف اللواء عبد الرزاق المروني، قائد قوات الأمن الخاصة التابعة لوزارة الداخلية (الأمن المركزي سابقا) عن خطة لاستيعاب ميليشيا الحوثيين المنتشرة في العاصمة صنعاء، في قوام قوات الأمن الخاصة. وجاءت تصريحات المسؤول الأمني اليمني المحسوب على الحوثيين بعد أيام من تعيينه بقرار جمهوري قائدا لقوات الأمن الخاصة بطلب من الحوثيين أنفسهم، هو وعدد من القيادات العسكرية المحسوبة على الجماعة وعلى الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وأكد المروني أن المسلحين، الذين قال إنهم أسهموا في حفظ الأمن والاستقرار في صنعاء وبقية المحافظات منذ 21 سبتمبر (أيلول) الماضي وحتى اليوم، سوف يتم استيعابهم بشكل نظامي في قوام أجهزة الأمن.
وتشهد المدن اليمنية مظاهرات رافضة لدمج الميليشيات في جهاز الأمن والجيش، وشهدت العاصمة صنعاء ومحافظتا تعز وإب مسيرات ومظاهرات رافضة لدمج الميليشيات. وخرجت، أمس، مسيرة حاشدة في صنعاء انطلقت من «ساحة التغيير» بجوار الجامعة الجديدة وحتى وزارة الدفاع، ورفع المتظاهرون شعارات ترفض دمج الميليشيات في قوام قوات الجيش والأمن. وفي محافظة تعز بجنوب صنعاء، نظمت حركة «رفض» و«شباب الدولة المدنية» وقفة احتجاجية للآلاف من أنصارها، وذلك للمطالبة بـ«استعادة الدولة» و«إخراج الميليشيات من المدن»، وطالبوا بتنفيذ اتفاق السلم والشراكة الموقع بين الأطراف السياسية والحوثيين واستكمال صياغة الدستور الجديد والاستفتاء عليه وتطبيق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل والإعلان صراحة عمن يقف وراء عرقلة تنفيذ تلك المخرجات. وفي محافظة إب المجاورة خرج الآلاف في مظاهرة تطالب بـ«رحيل الميليشيات» و«بسط هيبة الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار». ويعتقد الكثير من الأوساط والمراقبين أن تحركات الحوثيين ومحاولتهم السيطرة وبسط النفوذ، ترتبط بالعلاقة الوثيقة التي تربطهم بإيران، حيث يرى المراقبون أن إيران باتت حاضرة وبقوة في المشهد اليمني وعلى اطلاع كامل، عبر الحوثيين، على مختلف الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية.
من ناحية ثانية، حظرت اللجنة الأمنية في محافظة حضرموت اليمنية حركة الدراجات النارية، واتخذت اللجنة الأمنية في محافظة حضرموت اليمنية قرارا بحظر حركة الدراجات النارية في مدينة المكلا عاصمة المحافظة وبقية مدن المحافظة، وذلك بعد تزايد عمليات الاغتيالات والسطو المسلح الذي تستخدم فيه الدراجات النارية. وأقرت اللجنة بالبدء في تطبيق قرار الحظر اعتبارا من صباح اليوم (الأحد). وجاء قرار اللجنة الأمنية في حضرموت بحظر الدراجات النارية بعد قرارات مماثلة في العاصمة صنعاء وعدن وأبين، ويعتقد أن بقية المحافظات التي تشهد عمليات اغتيالات متواصلة سوف تتخذ نفس الإجراءات. ودعت «أمنية حضرموت» أصحاب الدراجات النارية للالتزام بهذه التعليمات «كونها تصب في مصلحة تأمين حياة المواطنين وفي إطار إجراءات وقائية قانونية لمنع وقوع أي جرائم قتل قد ترتكب باستخدام هذه الدراجات»، مؤكدة أن الأجهزة الأمنية سوف تتخذ إجراءات صارمة ضد كل من يخالف هذه التعليمات.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».