«ثورة الفلاحين»... أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس وزراء الهند

غضب 119 مليون مزارع و144 مليون عامل في القطاع الزراعي

مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
TT

«ثورة الفلاحين»... أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس وزراء الهند

مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)

تهدد مظاهرات المزارعين في الهند، للاحتجاج على قوانين زراعية جديدة، بأن تصبح أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال فترة توليه منصبه. وسوف يكون الانصياع لطلبات المزارعين وإلغاء القوانين اعترافاً غير معهود بالهزيمة من جانب رئيس الوزراء الهندي، الذي تعهد بأن تصلح القوانين قطاع الزراعة. وقال مودي أمس، في تغريدة، «نحن نتخذ كل هذه المبادرات لزيادة دخل المزارعين وجعلهم أكثر رخاء. الإصلاحات سوف تساعد في جذب الاستثمارات في الزراعة، وتعود بالفائدة على المزارعين».
وفرض عشرات الآلاف من المزارعين حصاراً عند مدخل العاصمة الهندية دلهي. وقد جاءوا مستعدين للاستمرار في التظاهر لما يصل إلى «ستة شهور»، ضد الإصلاحات الزراعية التي أقرتها الحكومة في تشريع جديد، وتقول إنه من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي بالبلاد. لكنها أيضاً أثارت غضباً عالمياً للطريقة التي تعاملت بها السلطات الهندية مع المحتجين السلميين، وأخذت طابعاً سياسياً واقتصادياً ودولياً. في المقابل، ردت الهند بحدة على الدعم الدولي لمظاهرات المزارعين لديها باعتباره يعتمد على «معلومات مغلوطة» و«لا أساس له»، مشددة على أن الأمر برمته يخض شأناً داخلياً لدولة ديمقراطية.
وبمرور الوقت، تحول غضب المزارعين إلى حركة متكاملة الأركان ضد حكومة مودي، مع إظهار شخصيات من مختلف فئات المجتمع تضامنهم معهم. ويقول نقاد التشريع الجديد، إن هذه الإصلاحات يمكن أن تؤدي إلى استغلال المزارعين من جانب الشركات الكبرى. وأكد وزير الدولة لشؤون الزراعة كايلاش شودري، أن أقصى ما لدى الحكومة استعداد لتقديمه هو «تعديلات». ومثلما فعلت الحكومة طوال الوقت، سعى شودري إلى إلقاء اللوم عن مشاعر الغضب بين المزارعين على أحزاب المعارضة و«المحرضين». وفي الأمس نظم المزارعون إضراباً عن الطعام في مواقع على طول حدود العاصمة الهندية، التي يتواجدون بها بأعداد كبيرة منذ 19 يوماً. وقال جورباكس سينغ، أحد زعماء الاحتجاجات في ولاية البنجاب بشمال الهند، حيث بدأ هو وزعماء آخرون إضراباً عن الطعام في موقع احتجاج رئيسي، «نريد إلغاء القوانين».
ولكن استمرار الاضطرابات قد يسبب فوضى في أسواق الطعام، ويؤثر بصورة سلبية على المستهلكين، كما من المرجح أن يعوق الانتعاش ما بعد أزمة فيروس كورونا. وقال الكاتب أندي موخرجي، في تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ»، إن الخلاف يتركز على الاستراتيجية التي يجب اتباعها. الأسواق أم المنظمات؟
هذه معضلة قديمة، تبناها الاقتصادي رونالد كوس عام 1937. مودي يحبذ الأسواق، وقد تعهد بتحويل الاقتصاد بأكمله إلى منطقة تجارة حرة تعود بالفائدة على 119 مليون مزارع و144 مليوناً من العاملين في المزارع، بالإضافة لأسرهم.
بغض النظر عن كيفية حل المشكلة في نهاية المطاف، تطرح الاحتجاجات أسئلة مفتوحة حول مسار الاقتصاد السياسي الهندي والنموذج التنموي بها، ودور الدولة والأسواق في قطاع يوظف أكبر عدد من الأشخاص في البلاد، ومستقبل السياسة في المناطق الريفية في الهند بشكل عام.
وعبر رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، عن دعمه لها. وأعلن ترودو أنه: «ستدافع كندا دائماً عن حق الاحتجاج السلمي وحقوق الإنسان. الوضع مقلق ونحن جميعاً قلقون جداً، ولذلك فقد تواصلنا عبر وسائل متعددة مباشرة مع السلطات الهندية لتسليط الضوء على مخاوفنا». واعتبرت نيودلهي أن تصريحات ترودو حول قضية محلية في الهند غير مبررة، وأن التعليقات تشكل «تدخلاً غير مقبول» في الشأن الداخلي، وتهدد بإلحاق الضرر بالعلاقات بين البلدين. وبالفعل، استدعت الحكومة الهندية دبلوماسيين كنديين، وأبلغتهم احتجاجها على تصريحات رئيس الوزراء ترودو.
أصبحت ولاية البنجاب الشمالية، التي يطلق عليها «سلة خبز الهند»، مركز مشاعر الغضب في أوساط المزارعين، ما أدى إلى توقف جميع الخدمات العامة، وذلك مع إقدام المتظاهرين على إغلاق الطرق والطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية. وامتدت الاحتجاجات إلى عدد من الولايات. وتأتي البنجاب في طليعة موجة الغضب، لكون أبنائها من بين المستفيدين الرئيسيين من الثورة الخضراء في سبعينيات القرن الماضي، التي غيرت وجه الزراعة في الهند، ومعها حياة المزارعين داخل الولاية. وحتى اليوم، عقدت أربع جولات من المحادثات، شارك في اثنين منها هيئة مؤلفة من ثلاثة وزراء وبضعة عشرات من الممثلين عن نقابات المزارعين.
ما سر غضب المزارعين؟
مشاعر السخط في صفوف المزارعين تستعر منذ سنوات عديدة، وقد نظموا من حين لآخر مسيرات احتجاجية ضخمة في جميع أنحاء البلاد، اعتراضاً على ما وصفوه بـ«إهمال» الحكومة لقطاع الزراعة وسط تزايد الخصخصة.
ويدعي مزارعون وتجار أن الحكومة تريد وقف نظام دعم الحد الأدنى السعري باسم الإصلاحات، ويخشون من أن تتركهم القوانين الجديدة تحت رحمة الشركات. في المقابل، أكدت الحكومة أن القوانين الزراعية الجديدة ستجلب للمزارعين فرصاً أفضل وستدخل تقنيات جديدة في مجال الزراعة.
ويقول خبراء زراعيون إن الملايين من صغار المزارعين في الهند فقدوا دخولهم بسبب انخفاض أسعار محاصيلهم وارتفاع تكاليف النقل والتخزين. ويخشى المزارعون من أن تفتح القوانين الجديدة الباب أمام إخضاع القطاع الزراعي لسيطرة الشركات التجارية، الأمر الذي تنفيه الحكومة. كما يساور المزارعين قلق كبير من أن تؤدي القوانين الزراعية الجديدة التي مررها البرلمان في سبتمبر (أيلول) إلى إلغاء نظام دعم الحد الأدنى السعري، الذي ألفه المزارعون ويبيعون بفضله محاصيلهم بسعر مضمون. ويعتبر هذا النظام في الأساس ضماناً للمزارعين إذا لم يحصلوا على سعر أفضل في أسواق المحاصيل التي يغطيها النظام. حينها، تتدخل الحكومة لشراء المحاصيل بسعر ثابت، ولذلك أصبح يجري النظر إلى هذا النظام على نطاق واسع باعتباره حماية للمزارعين من الخسارة.
من جهتها، تؤكد الحكومة أن القوانين الجديدة ستحرر التجارة الزراعية، وتمنح المزارعين الحرية لبيع منتجاتهم خارج الأسواق المنظمة والدخول في عقود مع المشترين بسعر متفق عليه مسبقاً. ويسعى المزارعون، من ناحيتهم، للحصول على ضمانات بأن الحكومة لن تنهي هذا الوضع. وفي الوقت الذي يرغب المزارعون في إلغاء القوانين الزراعية الثلاثة، وسن قانون جديد يضم بنداً يكفل عدم المساس بنظام دعم الحد الأدنى السعري، تصر الحكومة على أنه لن يجري إلغاء النظام. وتشير أرقام إلى أن أكثر عن نصف المزارعين في الهند مدينون بسبب رداءة المحاصيل. وفي عام 2019، أقدم 28 شخصاً يعتمدون على الزراعة على الانتحار كل يوم، مع انتحار 20638 شخصاً خلال عامي 2018 و2019، وفقاً للمكتب الوطني الهندي لسجلات الجرائم.
بعد وصوله إلى السلطة عام 2014، وعد مودي بمضاعفة دخول المزارعين بحلول عام 2022. ومع ذلك، لم يتحسن الوضع. وتتعرض الحكومة حالياً لضغوط لجلب استثمارات خاصة إلى قطاع الزراعة الذي أصيب بالجمود على مدى العقود الماضية.
التداعيات السياسية
يشكل المزارعون جمهوراً انتخابياً سياسياً قوياً داعماً لحزب «بهاراتيا جاناتا» الذي يترأسه مودي. ووجهت أحزاب المعارضة اتهامات لـ«بهاراتيا جاناتا» الحاكم بانحيازه للأثرياء ومعاداته للمزارعين. وينفي الحزب الحاكم هذه الاتهامات، متهماً أحزاب المعارضة بتحريض المزارعين للتظاهر ضد قوانين الإصلاح الزراعي الجديدة «التقدمية». ويقول معارضون سياسيون إن حكومة مودي مررت القوانين على عجلة، دون مناقشة حقيقية.
ومع ذلك، يرى محللون أن «دعم» المعارضة للمزارعين يأتي انطلاقاً من رغبتها في استغلالهم في الوقوف في وجه «بهاراتيا جاناتا»، الذي أقصاهم على نحو ممنهج عن مواقع السلطة والنفوذ السياسيين.
في هذا الصدد، قال المحلل نيتين باي إن «حكومة مودي المتغطرسة لم تتعاون مع المزارعين، وكان بإمكانها أن تتجنب مظاهرات المزارعين واحتجاجاتهم لو أنها تبنت عملية تشاور اجتماعية واسعة النطاق في صياغة القوانين الزراعية الجديدة من خلال المسار البرلماني. إلا أن تخطي الرحلة والقفز إلى الوجهة المقصودة مباشرة ترتب عليه أن جميع أصحاب المصلحة المعنيين بالقطاع الزراعي تلقوا صدمة بدلاً عن الحصول على تفسير، وقرار جاهز بدلاً عن جلسة استماع، وفي كثير من الحالات، مخاوف وجودية بدلاً عن التوقعات الإيجابية».
تنديد عالمي
في هذا الصدد، ذكر الكاتب الصحافي جاسبريت أوبيروي، في مقال له، أن «الضغط السياسي للسيخ هو قوة قوية في المشهد السياسي الكندي. إلى جانب تحقيق التوازن السياسي بالداخل، كان لدى ترودو أيضاً ثأر أو اثنان ينبغي له تسويتهما مع نظيره الهندي مودي. وخلال السنوات الست الماضية، انتهى بالزعيمين الأمر عند مفترق طرق في مناسبات متعددة، لا سيما فيما يتعلق بمسألة عدم استجابة كندا لمطالب الهند بقمع أصوات الخالستاني (أرض السيخ المنفصلة) السائدة في كندا. ويستمر التعبير المستمر عن مخاوف عالمية، في الوقت الذي أبدت الأمم المتحدة تأييدها الغضب السائد أوساط المزارعين الهنود، مؤكدة أن من حقهم الاحتجاج السلمي، ويجب على السلطات السماح لهم بالقيام بذلك. وقال ستيفان دوغاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، «فيما يتعلق بمسألة الهند، ما أود قوله هنالك هو ذاته ما قلته لآخرين عند إثارة مثل هذه القضايا، وهو أن للناس الحق في التظاهر سلمياً، وعلى السلطات السماح لهم بذلك». وفي لندن، كتبت مجموعة من 36 برلمانياً من أحزاب مختلفة خطاباً إلى وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، يطلبون منه تقديم احتجاج لدى نظيره الهندي، إس. جايشانكار، فيما يخص التداعيات على البريطانيين من أبناء البنجاب جراء مظاهرات المزارعين ضد الإصلاحات الزراعية الجديدة في الهند. كما أعرب الحزب الشيوعي الأسترالي عن تضامنه مع المزارعين الهنود الغاضبين.



تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».