«جي بي تي ـ 3»... نظام ذكاء صناعي بديل عن الكتاب والمؤلفين

يكتب النصوص بعد معالجته تريليون كلمة وتعلمه اللغة الطبيعية

«جي بي تي ـ 3»... نظام ذكاء صناعي بديل عن الكتاب والمؤلفين
TT

«جي بي تي ـ 3»... نظام ذكاء صناعي بديل عن الكتاب والمؤلفين

«جي بي تي ـ 3»... نظام ذكاء صناعي بديل عن الكتاب والمؤلفين

كشف مختبر «أوبن إي آي» للذكاء الصناعي في سان فرنسيسكو هذا الصيف النقاب عن تقنية كان قد عمل لأشهر على تطويرها. وقد أمضى هذا النظام الجديد واسمه «جي بي تي - 3» GPT - 3 وهو مختصر لعبارة Generative Pre - trained Transformer 3. تلك الأشهر في تعلّم مدخلات ومخرجات اللغة الطبيعية عبر تحليل آلاف الكتب الرقمية وكامل موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية وما يقارب تريليون كلمة من مدوّنات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع أخرى على شبكة الإنترنت.

نظام للكتابة
كان ماكاي ريغلي (23 عاما)، مبرمج الكومبيوتر الشّاب من مدينة «سولت ليك» واحدا من القلّة الذين تمّت دعوتهم لتجربة النظام الذي يستخدم كلّ شيءٍ تعلّمه من بحر النصوص الرقمية الواسع لإنتاج لغة جديدة بنفسه. وتساءل ريغلي ما إذا كان النظام يستطيع تقليد الشخصيات المعروفة والكتابة مثلهم وربّما التحدّث مثلهم. في واحدة من تجاربه، استعان ريغلي باسم عالم النفس الشهير سكوت باري كوفمان. وأخذ النظام اسم كوفمان واختار قضية الإبداع موضوعا للنقاش.
بعدها، عندما سُئِل «جي بي تي - 3» «كيف نصبح أكثر إبداعا؟»، سارع إلى إعطاء الجواب التالي: «أعتقدُ أن التعبير الإبداعي هو نتاج ثانوي طبيعي للعيش منذ الصغر في عالم متنوّع. وكلّما زاد تنوّع هذا العالم، زاد اجتماعُنا بأناسٍ مختلفين وتعرضنا إلى فرص مختلفة وتعرفنا بأماكن مختلفة واصطدامنا بتحديات مختلفة. وكلّما زاد تنوّع هذا الاختلاف، أصبحنا أكثر قدرة على جمع هذه النقاط مع بعضها لتشكيل شيء جديد. أعتقد أنّكم إذا أردتم أن تكونوا مبدعين، فعليكم أن تفعلوا ذلك. إذا أردتُم أن تكونوا كتّابا، فعليكم أن تكتبوا، وإذا أردتم أن تكونوا موسيقيين، فعليكم أن تؤلّفوا، وإذا أردتكم أن تكونوا ممثلين كوميديين، فعليكم أن تصنعوا الكوميديا... وكلّما أبدعتُم أكثر، زاد احتمال عثوركم على أمورٍ شيّقة».
في وقت لاحق، نشر ريغلي المقطع على تويتر واستدعى أحدهم كوفمان الحقيقي لقراءته. شعر الأخير بالذهول وقال: «يبدو هذا المقطع كشيء قد أقوله حقا»، وأضاف لاحقا في تغريدة أخرى: «ذكاء صناعي دقيق ومجنون».

شعر ورسائل
منذ وصوله، دخل نظام «جي بي تي - 3» في عشرات التجارب الأخرى التي أذهلت الكثيرين بالطريقة نفسها. عمل النظام بالقليل من التشجيع فقط على تأليف التغريدات وكتابة الشعر وتلخيص الرسائل الإلكترونية والإجابة على أسئلة عادية وترجمة اللغات وحتّى صناعة برامجه الخاصة على الكومبيوتر. لفتت هذه المهارات انتباه بعض الخبراء في مجال الذكاء الصناعي، ووجد فيها الكثيرون من الباحثين خطوة غير متوقّعة باتجاه الآلات القادرة على فهم تقلّبات اللغة البشرية وأداء بعض المهارات البشرية. وقد رأت ميلاني ميتشل، باحثة في الذكاء الصناعي من معهد «سانتا في» المستقلّ في نيو مكسيكو وواحدة ممن حصلوا على فرصة اختبار هذا النظام، أنّ «الأمر كان مفاجئا بالنسبة لي ولكثير من النّاس. من الصعب أن نعرف ما الذي يفعله هذا النظام تحديدا». ولكنّ هذا النظام ليس أبدا خاليا من العيوب لأنّه غالبا يبتكر لغة تمييزية، وسامّة. وإذا طلبتُم منه تحضير 10 مقاطع بأسلوب عالم النفس سكوت باري كوفمان، فقد يعطيكم 5 نصوص مقنعة و5 أخرى غير مفهومة. وعندما تحادث كوفمان مع شبيهه المصنوع من الذكاء الصناعي، لم يشعر بالمفاجأة التي شعر بها أوّل مرّة. ودار بين الطرفين الحوار التالي:
> سكوت باري كوفمان (الحقيقي): ما هي المخيّلة؟
- نموذج الذكاء الصناعي من سكوت باري كوفمان: ما هي المخيّلة؟ أنت قُل لي!
> سكوت باري كوفمان: أنت يجب أن تعلم!
- نموذج الذكاء الصناعي من سكوت باري كوفمان: لا، أنت يجب أن تعلم. أنت الذي تعلم ما هي المخيّلة. ما هي باعتقادك؟
ولكن حتّى هذه السطور بدت كمحادثة حقيقية وأظهرت بشكل واضح ما يستطيع النظام القيام به وحده دون ترميز إضافي أو تعديل.

نماذج لغوية
نظام «جي بي تي - 3» هو ثمرة سنوات كثيرة من العمل داخل أبرز مختبرات الذكاء الصناعي في العالم ومنها «أوبن إي آي»، المنظّمة المستقلّة المدعومة بتمويل قيمته مليار دولار من مايكروسوفت ومختبرات أخرى تابعة لغوغل وفيسبوك. وتجدر الإشارة إلى أنّ شركة غوغل تملك نظاما مشابها يساعد في الإجابة على الاستفسارات على محرّك البحث خاصتها.
تساعد هذه الأنظمة التي تُعرّف على أنّها نماذج لغوية عالمية في تشغيل مجموعة متنوعة من الأدوات كالخدمات التي تلخّص المقالات الإخبارية أوتوماتيكيا وروبوتات المحادثة المصمّمة للمشاركة في الأحاديث الإلكترونية، إلّا أنّ تأثيرها على تكنولوجيا العالم الحقيقي لا يزال طفيفا. ولكنّ «جي بي تي - 3» الذي تلقّى تعليمه من مجموعة أكبر من النصوص الإلكترونية مقارنة بالأنظمة السابقة، فتح الباب أمام مجموعة واسعة من الاحتمالات الجديدة كالبرامج الرقمية القادرة على تسريع تطوير تطبيقات هاتفية جديدة أو روبوتات محادثة بأداء أقرب إلى البشر من التقنيات التي سبقتها. مع اختبار مصمّمي البرامج وروّاد الأعمال والخبراء والفنّانين لهذا النظام، تثير كلّ تجربة جديدة جدلا حاميا حول القوّة التي سيصل إليها هذا الجيل من التقنية في النهاية. يقول البعض إنّ هذا النظام قد يكون ممرا باتجاه آلات ذكية حقا، بينما يرى آخرون أنّ هذه التجارب مضلّلة رغم الذهول الكبير الذي تولّده.
من جهته، يقول مارك ريدل، أستاذ وباحث في معهد جورجيا للتقنية: «هذا النظام طلقٌ جدا ويتكلّم بوضوح شديد وبارعٌ جدا في إنتاج نصوص منطقية لسامِعِها ولكنّه لا يعرف بعد كيف يفكّر مسبقا ولا يخطّط لما سيقوله، أي أنّه لا يملك هدفا حقيقيا».

إبداعات ناشئة
يعملُ جوردان سينغر مصمّما للمنتج في شركة «سكوير» المتخصصة في منتجات الدفع الإلكتروني في سيليكون فالي، ويساعد في تصميم تطبيقات الشركة للهواتف الذكية.
زوّد المصمّم النظام الجديد بوصفة بسيطة لتطبيق هاتفي ورموز الكومبيوتر الذي يحتاجه لصناعة التطبيق. كانت الوصفة باللغة الإنجليزية الصحيحة وتمّ تصميم الرمز في أداة «فيغما» التي يستخدمها المحترفون مثل سينغر.
وعندما انتهى، استطاع «جي بي تي - 3» كتابة رموز مشابهة وحده دون مساعدة. ويعتبر هذا السلوك جديدا بالكامل وقد فاجأ صانعي «جي بي تي - 3» الذين لم يصمّموا النظام لصناعة رموز الكومبيوتر، بل للتأليف أو كتابة التغريدات أو ترجمة اللغات. لقد صنعوه للقيام بشيء واحد فقط هو توقّع الكلمة التالية في سلسلة من الكلمات.
*خدمة «نيويورك تايمز»



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.