دعوى تكساس تقسم الصف الجمهوري

مشرعون اصطفوا وراء ترمب... وآخرون انشقوا عنه

تجمع داعم لترمب بأوستن تكساس في 14 نوفمبر الماضي (أ.ب)
تجمع داعم لترمب بأوستن تكساس في 14 نوفمبر الماضي (أ.ب)
TT

دعوى تكساس تقسم الصف الجمهوري

تجمع داعم لترمب بأوستن تكساس في 14 نوفمبر الماضي (أ.ب)
تجمع داعم لترمب بأوستن تكساس في 14 نوفمبر الماضي (أ.ب)

مع اقتراب موعد مصادقة المجمع الانتخابي على نتيجة الانتخابات الرئاسية يوم الاثنين، تتكثف جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرامية إلى حشد الدعم الجمهوري لدعوى تكساس أمام المحكمة العليا. فالكثيرون من دائرة الجمهوريين المغلقة يرون هذه القضية كآخر طلقة في ذخيرة ترمب القضائية للتشكيك بنزاهة الانتخابات. ورغم أن هناك اعترافا ضمنيا في صفوف هؤلاء بأن المحاولة الأخيرة لن تغير من النتيجة، إلا أن البعض منهم رأى أن اصطفافه وراء ترمب في اللحظات الأخيرة من الصراع مهم للحسابات السياسية المستقبلية وللاحتفاظ بدعم الناخبين الموالين للرئيس الأميركي.
وخير دليل على ذلك، توقيع 106 جمهوريين في مجلس النواب على عريضة تعرب عن دعمهم لقضية تكساس وجهود ترمب القضائية. وهذا عدد كبير ويشكل أغلبية النواب الجمهوريين البالغ عددهم 196 نائباً. ويثبت هذا الدعم الكبير تأثير ترمب الهائل على شريحة واسعة من الجمهوريين الذين يعلمون جيداً أن هذا التأثير لن ينتهي بخسارته، بل سيمتد معه إلى الأعوام المقبلة، عندما يترشحون مجدداً سعياً للاحتفاظ بمقاعدهم في الكونغرس. حينها سيكونون بحاجة إلى دعم مناصري ترمب لهم في ولاياتهم تحت طائلة الخسارة.
ويقابل هؤلاء الجمهوريون، فريق آخر من حزبهم، من الذين لم يهنئوا بايدن علناً بعد، لتجنب سخط ترمب، لكنهم لم ينضموا إلى داعمي قضية تكساس. وهم من القيادات الجمهورية التي ترجح أن القضية خاسرة، وأن المحكمة العليا لن تنظر فيها لغياب الحجج المقنعة.
وقد ورد هذا الكلام على لسان الجمهوري البارز، وأحد القيادات في مجلس الشيوخ جون كورنين. كورنين يمثل ولاية تكساس في الكونغرس، وهي الولاية التي بدأ المدعي العام فيها بالحملة الهادفة إلى إلغاء نتائج ولايات أخرى بسبب اعتمادها على عملية التصويت عبر البريد. وكورنين هو نفسه كان قاضيا في المحكمة العليا في تكساس، وخبير في القانون. وقد قال إنه مرتبك من الحجة القضائية وراء القضية، معتبراً أنه من غير المناسب للولايات بالتدخل في قوانين ولايات أخرى. وأضاف كورنين: «أنا لا أفهم الحجة القضائية، ولا أريد أن تكون لولايات أخرى فرصة تحدي قوانين تكساس مثلاً بناء على جهد مماثل. فإذا استطعت أن تفعل هذا في إطار الانتخابات، يمكنك أن تقوم بالمثل في قضايا أخرى، مثل تغيير قانون تكساس المتعلق بالتعديل الثاني للدستور»
يتكلم كورنين هنا عن حق حمل السلاح (التعديل الثاني) في تكساس ويعرض وجهة نظر تعكس تخوف الكثير من الجمهوريين المخضرمين من تشعبات القضية وانعكاساتها على القوانين الأميركية، حتى في حال فشلها. وكرر هذا الموقف، السيناتور الجمهوري واحد القيادات الجمهورية جو ثون الذي قال للصحافيين: «لا أعلم لما سعت ولاية مثل تكساس لا تود لأحد أن يتحكم بتصرفاتها، لأن تقول لولايات أخرى كيف تتحكم بانتخاباتها. أشك أن المحكمة العليا ستنظر في القضية».
موقف وافق عليه السيناتور الجمهوري بن ساس الذي قال: «أنا لست محامياً، لكني أشك أن تقبل المحكمة العليا بالقضية». وتابع ساس في تخمين سلط الضوء على قضية جديدة، فقال إن مدعي عام تكساس كين باكستون يسعى إلى عفو رئاسي من ترمب عبر طرحه قضية من هذا النوع: «من خلال اطلاعي على فحوى القضية، يبدو وكأنها تجسد رجلاً يتوسل العفو قدم دعوى تهدف إلى الترويج له بدلاً من دعوى قضائية. فكل الادعاءات التي اعتمد عليها سبق وأن رفضت في المحاكم الفيدرالية».
ويواجه باكستون الذي يترأس الجهود القضائية هنا، مشاكل قضائية شخصية، فمكتب التحقيقات الفيدرالي يحقق بسوء استعماله لمنصبه لمساعدة أحد المتبرعين الأثرياء. وبمواجهة هذه الاتهامات، نفى باكستون أن يكون هدفه الحصول على عفو، فقال في مقابلة تلفزيونية إنه لم يتحدث مع ترمب أبداً حول موضوع العفو عنه.
ورغم انقسام الجمهوريين حيال القضية، إلا أن انضمام جمهوريين مثل النائب ستيف سكاليز، وهو الرجل الثاني في القيادات الجمهورية في مجلس النواب، إلى ركب الداعمين للقضية، يطرح مسألة احتمال تحدي بعض هؤلاء النواب لعملية المصادقة على الانتخابات عندما يصل الملف إلى الكونغرس في السادس من يناير (كانون الثاني) بعد مصادقة المجمع الانتخابي على النتيجة في الرابع عشر من ديسمبر (كانون الأول).
- مراحل المصادقة المتبقية
عملياً، من المتوقع أن تنتهي الدعاوى القضائية مع مصادقة المجمع الانتخابي الرسمي يوم الاثنين المقبل على النتيجة. وهذا ما رجحه بعض الموالين للرئيس دونالد ترمب في الكونغرس كالسيناتور الجمهوري مايك براون، الذي قال: «قضية تكساس هي الملاذ الأخير قبل الرابع عشر من ديسمبر موعد لقاء المجمع الانتخابي». لكن هذا لا يعني نهاية المشاحنات، أو اختتام الجمهوريين لمحاولاتهم إظهار الولاء لترمب حتى اللحظة الأخيرة. فكيف سيتمكنون من ترجمة ذلك على أرض الواقع؟
أمامهم خيارات متعددة يمكنهم اعتمادها في المرحلتين المتبقيتين من الإجراءات البروتوكولية التقليدية، التي لم تشهد في السابق أي تحديات من النوع الذي نشهده حالياً. والمرحلتان المقبلتان هما: مصادقة المجمع الانتخابي في الرابع عشر من ديسمبر، ومصادقة الكونغرس على قرار المجمع الانتخابي في السادس من يناير (كانون الثاني).
- المجمع الانتخابي
بحسب النظام الانتخابي الأميركي، يشارك الأميركيون بطريقة غير مباشرة في الانتخابات الرئاسية. هذا يعني أن الناخبين يصوتون للمرشح الرئاسي أولاً، ثم وبناء على نتيجة الانتخابات في كل ولاية، يختار المجلس التشريعي في الولاية أعضاء المجمع الانتخابي الذي يجتمعون «في أول يوم اثنين بعد ثاني يوم أربعاء في ديسمبر». ويدلي هؤلاء بأصواتهم لصالح المرشح الفائز في الولاية.
العدد الإجمالي لأعضاء المجمع الانتخابي هو 538 عضواً، وهو عدد أعضاء الكونغرس نفسه، مع إضافة ٣ أعضاء لتمثيل العاصمة واشنطن، ويحتاج الرئيس للفوز 270 صوتاً منهم.
- هل يمكن أن يتحدى كبار الناخبين نتيجة التصويت؟
نعم، ولكن هذا نادر الحدوث، ويسمى هؤلاء عادة بأعضاء المجمع «الخائنين» الذين صوتوا ضد إرادة الناخبين في ولايتهم. وحتى لو حصل هذا الأمر، فإنه لا يقلب المعادلة لصالح المرشح الفائز، وإنما يعد مجرد عرقلة.
وتحكم القوانين في 33 ولاية أميركية، إضافة إلى واشنطن العاصمة، أعضاء المجمع الانتخابي بالالتزام بنتيجة التصويت فيها. وهناك 14 ولاية تسمح باستبدال «أعضاء المجمع الخائنين».
يلتقي أعضاء المجمع الانتخابي كل في ولايته، وعادة يجري اللقاء في مبنى الكابيتول التابع للولاية، ولا يلتقون بالضرورة في الوقت نفسه. ويترأس جلسة التصويت حاكم الولاية أو سكرتيرها، لتوقيع شهادة مصادقة على النتيجة بعد التصويت.
يتم إرسال شهادات المصادقة بعد ذلك إلى المسؤولين الفيدراليين عن الانتخابات، وإلى نائب الرئيس مايك بنس بصفته رئيساً لمجلس الشيوخ، إضافة إلى القضاة الفيدراليين في مواقع لقاء أعضاء المجمع. التاريخ النهائي لإرسال هذه المصادقات هو الـ23 من ديسمبر (كانون الأول).
ويسعى ترمب وحلفاؤه في هذه المرحلة إلى إقناع المشرعين الجمهوريين في الولايات اختيار أعضاء من المجمع الانتخابي يوافقون للتصويت لترمب بدلاً من بايدن في الولايات التي خسر فيها.
- مصادقة الكونغرس على النتيجة
في السادس من يناير، يعقد الكونغرس جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب، لجمع أصوات المجمع الانتخابي وإعلان اسم الرئيس المقبل للولايات المتحدة رسمياً. وتعلن النتائج بالترتيب الأبجدي للولايات، حينها يمكن للنواب وأعضاء مجلس الشيوخ الذين يمثلون ولاية معينة الاعتراض على النتيجة في ولايتهم.
ويجب أن يعترض نائب واحد وسيناتور واحد من الولاية نفسها على النتيجة للعرقلة. وفي حال حصول ذلك، ترفع جلسة الكونغرس المشتركة ويجتمع المجلسان كل في قاعته لمناقشة العرقلة لساعتين فقط، ثم التصويت لحسم المسألة في الولاية المتنازع عليها.
هذا يعني أن اعتراض النواب الذين وقعوا على وثيقة دعم ترمب ليس كافياً، فعلى هؤلاء أن يحظوا بدعم سيناتور من ولايتهم للمضي قدماً بجهودهم. وحتى الساعة لم يعلن أي عضو في مجلس الشيوخ أنه سيشكك بنتيجة ولايته الرسمية، وحتى لو حصل هذا، فإن تصويت المجلس هو الذي سيحكم النتيجة.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.