عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (6)

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
TT

عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010

نستعرض في هذه الحلقة السادسة من الكتاب الجديد للأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، روايته لأحداث الثورة الليبية التي اندلعت في فبراير (شباط) 2011، والتي خصص لها فصلين على مساحة 50 صفحة. وتركز هذه الحلقة على ما جاء في الفصل الأول الذي أورده تحت عنوان: «أسرار القرارات العربية لحماية الشعب الليبي من عنف القذافي».
ويكشف موسى أن العقيد (معمر القذافي) عد أن الرئيس المصري حسني مبارك هو المرشح للسقوط بعد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، و«أنه سينجو من الثورة ضده»، مشيراً إلى أن اجتماع المندوبين الدائمين علق مشاركة ليبيا في اجتماعات الجامعة بعد قيام قوات النظام بضرب بنغازي وطبرق. ويوضح أن القرار العربي بفرض حظر جوي على ليبيا كان إجراءً وقائياً لحماية المدنيين من غارات النظام.
اعتباراً من منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2010، دارت الأحداث في العالم العربي بسرعة كابد المرء في ملاحقة تطوراتها. فبين عشية وضحاها، رحل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى المنفى في السعودية، بعد أن هدرت شوارع وميادين تونس بالشباب الغاضب المطالب بالانفتاح السياسي والعدل الاجتماعي. وبعد أقل من شهر، أجبرت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر الرئيس حسني مبارك على التنحي في 11 فبراير (شباط) 2011. ثم انفرطت بعدها حبات العقد العربي. فبعد تونس ومصر، اندلعت الثورة في ليبيا، الواقعة بينهما جغرافيا، وتبعتهما اليمن وسوريا.
نأتي لبيت القصيد وهو الثورة الليبية، فقد نقل عن القذافي قوله إن «المرشح للسقوط بعد زين العابدين بن علي هو حسني مبارك». كان توقعاً صحيحاً، لكن التوقع الخاطئ أنه تصور أنه الوحيد الذي سينجو من الثورات، من دون أن يرى ما يجري حوله بدقة أو عمق. لم ينظر الرجل -الذي ظل يحكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود- إلى خريطة بلاده المترامية الأطراف؛ لو نظر إليها ولو نظرة خاطفة، لوجد أنه يقع بين قوسين من ثورتين هائلتين: واحدة في تونس، ومنها كانت البداية؛ والثانية الضخمة كانت في مصر.
اعتباراً من 15 فبراير (شباط) 2011، اتجهت الأنظار صوب ليبيا، حيث اندلعت المظاهرات المناهضة لحكم القذافي لأول مرة في بنغازي، وما لبثت أن عمت المظاهرات مختلف المدن الليبية، بما في ذلك العاصمة طرابلس. هنا، وضعت يدي على قلبي، فأنت تستطيع أن تتصور رد فعل أي نظام عربي على مظاهرات تطالبه بالرحيل إلا نظام القذافي، لا يمكنك أن تتوقع ردة فعله، بالإضافة إلى التوتر الذي يصم علاقاته مع مختلف الدول الغربية؛ ومن ثم كان لدي تخوف من ردة فعلهم إزاء أحداث ليبيا.
زادت المظاهرات شراسة، وزادت معها وتيرة قمع قوات القذافي للمتظاهرين، إلى أن خرج العقيد متحدثاً إلى شعبه في 22 فبراير (شباط) 2011، حيث قال في خطاب بثه التلفزيون الرسمي مباشرة إنه ليس رئيساً حتى يستقيل، واصفاً نفسه بأنه «قائد الثورة إلى الأبد»، وأنه محارب بدوي جاء بالمجد إلى الليبيين، وأن صورة ليبيا شوهت أمام العالم بسبب الأحداث الأخيرة، ملوحاً باستخدام القوة عند الحاجة. أثار خطاب القذافي ردود فعل عالمية شديدة الغضب، إذ تفاعلت الهيئات الدولية والدول الكبرى، واحدة بعد الأخرى، منددة بذلك الخطاب، وبالعنف الذي تستخدمه السلطات الليبية في قمع المتظاهرين.
- ردود فعل الجامعة
أمام تلك التطورات المتسارعة، بما فيها الأنباء التي تتحدث عن قيام قوات القذافي بضرب بنغازي وطبرق والمتظاهرين الموجودين فيهما، وارتفاع الخسائر البشرية، دعوت مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين للاجتماع في مساء يوم خطاب القذافي نفسه (22 فبراير)؛ لأن الأمر لا يحتمل انتظار اجتماع وزاري قد يستغرق انعقاده أياماً حتى وصول الوزراء إلى القاهرة.
بدأت الاجتماع بأن قلت للمندوبين الدائمين: يجب ألا نتأخر في رد فعلنا؛ فالأنباء تترى عن وقوع ضحايا كثيرين ومتزايدين من الليبيين، وصار العرب المقيمون في ليبيا، خاصة المصريين والتوانسة، معرضين للخطر بعد أن اتهمهم سيف الإسلام القذافي بدعم المتظاهرين ضد حكم والده. بالإضافة إلى ما أتوقعه من ردود فعل خارجية إزاء الوضع في ليبيا، وإزاء العقيد نفسه، وأن على الجامعة العربية أن تتصرف بالدعوة إلى التعقل.
في نهاية الاجتماع، أصدرنا قراراً تضمن عدداً من النقاط، منها: التنديد بالجرائم المرتكبة ضد المظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية الجارية في كثير من المدن الليبية والعاصمة طرابلس، مع وقف مشاركة وفود حكومة الجماهيرية العربية الليبية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة، إلى حين إقدام السلطات الليبية على الاستجابة للمطالبات المذكورة أعلاه، وبما يضمن تحقيق أمن الشعب الليبي واستقراره.
كانت هذه أول مرة في تاريخ جامعة الدول العربية التي يصدر مجلسها قراراً بوقف مشاركة وفود دولة عضو فيها في اجتماعات المجلس، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها، كرد فعل لأوضاع داخلية سلبية. كنت أرى أن هذا يمثل تطوراً هاماً في التنظيم العربي المتعدد الأطراف، كما أنها رسالة هامة إذا قبلها العقيد القذافي، فيمكن للجامعة، ولي شخصياً، أن أعتمد عليها في حركة سياسية قد تسهم في منع تدهور الأوضاع في ليبيا.
في الثاني من مارس (آذار) 2011، بدأت أعمال الدورة الـ135 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وتحت عنوان «المستجدات الخطيرة التي تشهدها ليبيا»، قرر المجلس عدداً من القرارات (منشور نصها في الكتاب) التي أكدت على ما اتخذه اجتماع المندوبين، وأضاف بنداً جديداً يؤكد «استمرار التشاور حول أنجع السبل لحماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لا يمكنها أن تقف مكتوفة في شأن ما يتعرض له الشعب الليبي الشقيق من سفكٍ للدماء، بما في ذلك الالتجاء إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق بين الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي في هذا الشأن».
- الدعوة لفرض حظر جوي
نأتي هنا للحديث عن الموضوع المهم الذي أثار بعض الجدل فيما يخص قرار الجامعة العربية المطالبة بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية، كإجراء وقائي لحماية المدنيين، وفي ذلك أقول إن أول دعوة على المستوى العربي الرسمي طالبت مجلس الأمن الدولي بفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين صدرت عن اجتماعات الدورة الـ118 للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في 10 مارس (آذار) 2011، تحت عنوان «تطورات الوضع العربي الراهن»، وتضمنت ما يلي: «أكد المجلس الوزاري على عدم شرعية النظام الليبي القائم، وعلى ضرورة إجراء اتصالات مع المجلس الوطني الانتقالي. ودعا المجلس الوزاري الجامعة العربية إلى تحمل مسؤولياتها باتخاذ الإجراءات اللازمة لحقن الدماء، وتحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق، ودراسة السبل الكفيلة لتحقيق ذلك، بما في ذلك دعوة مجلس الأمن الدولي لفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين».
في 12 مارس (آذار) 2011، جاء موعد الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس الجامعة العربية الذي دعت له دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس التعاون الخليجي آنذاك؛ ولذلك كان طبيعياً وبديهياً أن تطالب دول مجلس التعاون الخليجي، بل وتضغط لدفع الجامعة العربية لإصدار قرار يدعو مجلس الأمن إلى إنشاء منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية.
عند هذا الاجتماع المهم، يجب أن أنقل -للقراء عموماً، وللشعب الليبي الشقيق بأجياله الحالية والقادمة- ما جرى فيه من واقع النصوص الحرفية لمحاضر جلساته، من دون تدخل أو محاولة تفسير أو تحليل... فأنا أثق في فطنة القارئ.
اشتمل هذا الاجتماع على ثلاث جلسات: الأولى الافتتاحية، وكانت علنية، بدأت في الساعة الثانية والدقيقة الثلاثين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، واقتصرت على كلمة لرئيس الجلسة يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بسلطنة عمان، لمدة 15 دقيقة. ثم رفعت الجلسة، لتبدأ الجلسة الأولى المغلقة. وخلال استعراض كلمات ممثلي الدول العربية (منشور كلمات كل الدول بالكتاب)، أشير إلى أنني سأقتبس فقرات مسجلة تعبر بجلاء عن موقف الدول العربية الأعضاء من مسألة الطلب من مجلس الأمن فرض حظر جوي على ليبيا لإنقاذ الشعب الليبي من طائرات القذافي؛ لاستحالة عرض الكلمات والمداخلات كاملة لضيق المساحة.
بدأت الجلسة المغلقة الأولى في تمام الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، وقد أعطاني رئيس الجلسة الكلمة، ومما قلته فيها: «بالإضافة إلى ما ذكرناه في الجلسة الخاصة التي سبقت هذا الاجتماع الرسمي، أود لفائدة كل من انضم إلى هذا الاجتماع أن أشير إلى أنني استندت في بداية طرح مرجعية الاجتماع إلى الفقرة (11) من قرار المجلس الصادر في 2 مارس (آذار) الذي تحدث فيه عن سبل حماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يتعرض له الشعب الليبي من سفك للدماء، بما في ذلك الاتجاه إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق في ذلك مع الاتحاد الأفريقي.
خلال الفترة من 2 مارس (آذار) حتى الآن (12 مارس/ آذار)، وقعت أحداث ضخمة جداً، وسالت دماء كثيرة جداً، وأيضاً ساد لغط كبير حول ما يجري في العالم العربي؛ اجتمع الاتحاد الأفريقي وقرر ما قرره، ومجلس الأمن بالطبع أصدر قراره المعروف تحت الفصل السابع الذي تم أخذ العلم به رسمياً في قرارنا يوم 2 مارس (آذار)، كذلك الأمانة العامة تلقت عدداً من الرسائل، سواء من طرابلس أو من بنغازي، وأجرينا عدداً من الاتصالات مع الحكومة الليبية، ومع المجلس الانتقالي. هذه الأوراق سوف نوزعها على حضراتكم.
الآن وأمس، اجتمع مجلس التعاون الخليجي، وأصدر قراراً مهماً، وطالب فيه مجلس الجامعة العربية بأن ينظر في أمر الحظر الجوي، وكذلك مدى شرعية الوضع في ليبيا. أنا أود أن أوزع على حضراتكم قرار مجلس التعاون الخليجي، باعتباره جزءاً مهماً من جامعة الدول العربية، وأيضاً قرار الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، حتى يكون كل شيء واضحاً أمام الجميع وللتاريخ.
نحن نريد أن نصل إلى موقف ينقذ ليبيا ويحقن الدماء، وترون الهيجان الكبير جداً في الشارع العربي في هذا الإطار، وأطلب أن يؤخذ موقف الشعوب في الاعتبار، والظروف الجديدة التي يعيشها العالم العربي، أمور كانت الناس تسكت عليها، الآن لم يعد من الممكن السكوت عليها.
> كلمة ممثل قطر، حمد بن جبر آل ثان، رئيس الوزراء وزير الخارجية: ما يحدث في ليبيا صار إبادة جماعية، دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها، وهذه الإبادة الجماعية تحتاج منا كجامعة عربية أن يكون لنا موقف واضح، نحن لا نتمنى لأشقائنا الليبيين إلا كل خير، ولكن الآن في ظل هذا الظرف، أنا أعتقد أننا يجب أن نكون أمام مسؤولياتنا، هناك أناس نازحون، هناك مدن تضرب بالصواريخ، نحن نرى وأنتم كذلك ما يحدث، فهذه القضية تحتاج منا إلى وقفة، ونحن نعرف أن الحظر الجوي مقصود منه وقف وحقن الدماء، أي عمل نقوم به في الجامعة العربية المقصود منه ليس ضد أي طرف، ولكن لوقف القتال وحقن الدماء.
> كلمة ممثل الجزائر، مراد مدلسي، وزير الشؤون الخارجية الشعبية: في مستهل مناقشاتنا لأول مرة على مستوى مجلسنا الموقر لموضوع فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، فإنه من الواضح أن هذا الإجراء يعد من اختصاصات مجلس الأمن الدولي وحده دون غيره، وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يتوج اجتماعنا هذا بموقف مناسب مع تطور (...) الأوضاع التي تشهدها ليبيا، ولهذا الغرض يتعين على مجلسنا أن يوجه دعوة إلى الليبيين، سلطة ومعارضة، للوقف الفوري للعنف، وتغليب لغة الحوار لحل مشاكلهم فيما بينهم، من أجل عودة الاستقرار والأمن.
> كلمة ممثل الإمارات، الشيخ عبد الله بن زايد، وزير الخارجية: لا شك أن ما يحدث في ليبيا اليوم يعد خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني لدور الحكومات أو الأنظمة لحماية شعوبها (...) ما نتمناه أن تكون هذه الدعوة إلى مجلس الأمن لفرض هذا الحظر على الطائرات العسكرية، وليس الطائرات المدنية، وأنا متأكد أن الكثير منكم لديه خبرة عسكرية بأن هناك إمكانية للتعرف على الطائرات العسكرية، لا أعتقد أن هناك تخوفاً من هذا القبيل، ولكن إذا كانت هناك دول عربية مستعدة أن تشارك في تطبيق هذا القرار إذا صدر عن مجلس الأمن، أعتقد أن علينا أن نقوم بذلك.
> ممثل سوريا، يوسف أحمد، مندوب سوريا لدى الجامعة العربية:
فيما يخص مسألة فرض الحظر الجوي، من يضمن أن هذا الحظر يستهدف منع الطيران وحماية المدنيين الليبيين من عمليات القصف الجوي التي يتعرضون لها، أم أنه سيشمل فيما بعد توجيه ضربات لقواعد الدفاع الجوي والمطارات والرادارات الليبية، كما يصرح وزير الدفاع الأميركي وغيره؟ أليس هذا تدخلاً عسكرياً خارجياً في ليبيا؟
> ممثل لبنان، علي الشامي، وزير الخارجية والمغتربين: إن لبنان يؤيد ويدعم فرض حظر جوي على ليبيا، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، وعدم التدخل العسكري فيها، وذلك احتراماً لمبادئ وقواعد القانون الدولي والإنساني بصفة خاصة.
> ممثلة المغرب، لطيفة آخرباش، كاتبة الدولة في الشؤون الخارجية: المملكة المغربية تساند الرأي الذي يقول إنه يجب أن نخرج بقرار ندعو فيه مجلس الأمن إلى سن الحظر الجوي؛ لأن هذا هو الحل الوحيد حتى يتمكن الشعب الليبي من بناء نموذجه الديمقراطي.
> ممثل موريتانيا، سيدي محمد ولد أبوبكر، المندوب الدائم لدى الجامعة العربية: إننا تمسك بالرفض القاطع لكافة أشكال التدخل الأجنبي في ليبيا، والتأكيد على الالتزام الكامل بالمحافظة على الوحدة الوطنية للشعب الليبي، وعلى سيادته ووحدة وسلامة أراضيه، ذلك أن التدخل العسكري الأجنبي ينطوي حتماً على آثار مدمرة بالنسبة للبلد الذي يتعرض له، وكذلك ينطوي على مخاطرة كبيرة لوحدة شعب هذا البلد ولسلامة حوزته الترابية. أقول التدخل العسكري الأجنبي أياً كان ومهما كانت أشكاله؛ لأن الحظر الجوي لا يصح ولا يتصور دون تدخل عسكري.
ممثل السعودية، سعود الفيصل، وزير الخارجية: الإدارة في ليبيا تعتبر أن الذين هم في المدن المختلفة مثل الجرذان، المفروض يقضى عليهم، هل هذا معقول؟ أنا أقدر صبر الليبيين، الحقيقة تحملوا الكثير من التشريد والتقتيل والإهانة. يا إخوان، والله عيب علينا إذا لم ننصر المظلوم، ليست من شيمنا العربية، إذا كان هناك حقيقة رغبة في المفاوضات، فليقم بالثلاث خطوات، يسحب قواته، يوقف القتال فوراً، عودة الناس إلى مدنهم، وبعد ذلك نبدأ المفاوضات. أما بغير ذلك فأنتم حكمتم بالقتل على باقي من تبقى من سكان المدن التي نسمع عنها كل يوم، يومياً أعمال قصف للمدن بالطائرات مشكلة سياسية عارضة؟ نريد أن نجد لها حلاً، لا، هي مشكلة سياسية خطيرة، وتمس عمق الضمير العربي، وعمق القيم الأخلاقية العربية، ليست إذن مسألة قانونية حتى يدرسها القانونيون، ولا حتى مشكلة سياسية، لكن أناساً يقتلون ويشردون، أناساً يقصفون كأنهم شارات لتدريب القوات المقاتلة... هل يجوز هذا؟
> ممثل اليمن، أبو بكر القربي، وزير الخارجية: الجمهورية اليمنية تؤكد على وحدة ليبيا، أرضاً وشعباً، وحق الشعب الليبي في التغيير الذي ينشده وبإرادته، فإنها تدعو كافة الأطراف إلى حقن الدم الليبي الغالي علينا جميعاً، مع تحمل مجلسنا مسؤولية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد للاقتتال، وتوفير الحماية للمواطنين الليبيين من خلال تحرك عربي لتطبيق الحظر الجوي.
> ممثل مصر، نبيل العربي، وزير الخارجية: من منطلق إنهاء القتال، من منطلق وقف إطلاق النار، من منطلق وقف إراقة الدماء، وحرصاً على الحفاظ على التوازن الضروري واللازم بين الواجب الأخلاقي والواجب القانوني الذي ينطلق من القانون الدولي الإنساني، بضرورة حماية المدنيين في ليبيا، وبين الالتزام السياسي والقانوني الذي يجب أن نضطلع به جميعاً لحماية وحدة وسيادة الأراضي الليبية، فإن مصر ترى أنه في حالة وجود توافق عربي بيننا هنا، فإن الموضوع يمكن أن يحال إلى مجلس الأمن لاتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لتحقيق هذه الأغراض، بما في ذلك إقامة منطقة حظر جوي لتحقيق أغراض الحماية الإنسانية للشعب الليبي الشقيق.
وهنا يجب أن أؤكد مرة أخرى أننا لا نطالب بحظر جوي مفتوح أو غير محدد، بل هناك أبعاد معينة لمثل هذا القرار، وأود أن أتحدث عن أربعة مبادئ أساسية. المبدأ الأول: ضرورة توفير أساس قانوني واضح لأي قرار بإقامة منطقة حظر جوي في ليبيا لحماية المدنيين، أي ضرورة أن يكون هناك قرار من مجلس الأمن، يعكس هذا القرار بوضوح إرادة المجتمع الدولي؛ لأن الحظر الجوي في نهاية المطاف ليس إجراء قتالياً، وإنما إجراء وقائي لوقف إطلاق النار، للتحقق من عدم إراقة الدماء، للتحقق من حماية المدنيين، سواء كانوا ليبيين أو غير ليبيين.
المبدأ الثاني: ألا يمس قرار بإقامة حظر جوي حركة الطيران المدني؛ لأن هناك دولاً كثيرة، بما فيها مصر، يقومون باتخاذ الإجراءات اللازمة لإجلاء رعاياهم جواً من ليبيا.
المبدأ الثالث: أهمية احترام مبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وألا يمس أي قرار يصدر عن مجلس الأمن بخصوص الحظر الجوي في ليبيا بسيادة أي دولة أخرى غير ليبيا، سواء من دول الجوار أو غيرها.
المبدأ الأخير: أهمية التمسك بوحدة الأراضي الليبية وسلامة ليبيا الإقليمية، وألا تؤسس أي منطقة حظر جوي تقسيم ليبيا بشكل فعلي، وذلك من خلال تحديد واضح لأغراض إنشاء منطقة حظر الطيران، نطاقها الجغرافي، شروط عملها، مدتها الزمنية، وهذا أمر مهم لأننا -ولن أدخل في هذا الموضوع- نعلم جميعا أن حظراً جوياً في عدة بلدان، من بينها دول عربية شقيقة، استمر لسنوات وسنوات، فيجب أن يكون هذا الموضوع واضحاً منذ البداية.
رفعت الجلسة في الساعة الرابعة والدقيقة الخمسين مساء، وانعقدت جلسة العمل الثانية المغلقة بعد ذلك بخمسين دقيقة، المتعلقة بالصياغة، وجرت فيها مناقشات كثيرة جداً فيما يخص مشروع القرار الذي سيخرج عن الاجتماع الوزاري. إلى أن انتهى الاجتماع إلى مجموعة من القرارات (منشورة في الكتاب)، مع تحفظ كتابي لسوريا، وآخر لموريتانيا، وتحفظ شفوي للجزائر، أهمها الذي يقول منطوقه:
الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فورياً، وإقامة مناطق آمنة في الأماكن المتعرضة للقصف، كإجراءات وقائية تسمح بتوفير الحماية لأبناء الشعب الليبي والمقيمين في ليبيا من مختلف الجنسيات، مع مراعاة السيادة والسلامة الإقليمية لدول الجوار.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



العليمي: ما يجري في الجنوب إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها

رئيس مجلس القيادة وأعضاء المجلس خلال اجتماعهم الطارئ الأربعاء (سبأ)
رئيس مجلس القيادة وأعضاء المجلس خلال اجتماعهم الطارئ الأربعاء (سبأ)
TT

العليمي: ما يجري في الجنوب إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها

رئيس مجلس القيادة وأعضاء المجلس خلال اجتماعهم الطارئ الأربعاء (سبأ)
رئيس مجلس القيادة وأعضاء المجلس خلال اجتماعهم الطارئ الأربعاء (سبأ)

أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الله العليمي أن ما يحدث في الجنوب هو إعادة اعتبار للدولة ومؤسساتها وشرعيتها ومرجعياتها.

وشدد العليمي على أن ذلك يأتي للحفاظ على الاستقرار والسكينة العامة، وتوضيح للحقيقة بعيداً عن منطق الصراعات والانتصارات الوهمية، على حد تعبيره.

كان مجلس القيادة الرئاسي قد أقر إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من المجلس، وإحالته إلى النائب العام، على خلفية اتهامات تتعلق بالخيانة العظمى، والإضرار بالمركز السياسي والاقتصادي للجمهورية اليمنية، وعرقلة جهود الدولة في مواجهة الانقلاب، وإثارة الفتنة الداخلية.

وأوضح عبد الله العليمي، في تدوينة على حسابه الرسمي بمنصة «إكس»، أن مسؤولية الحفاظ على الأمن والاستقرار تقع على عاتق مؤسسات الدولة والسلطات المحلية، ومعها كل المخلصين من أبناء الوطن، وبما يضمن سيادة القانون وحماية المواطنين.

رئيس مجلس القيادة وأعضاء المجلس خلال اجتماعهم الطارئ الأربعاء (سبأ)

وأضاف: «ما يجري اليوم في المحافظات الجنوبية بعد تمرّد عيدروس الزبيدي، ورغم كل الجهود المخلصة التي بذلها الأشقاء في المملكة العربية السعودية ومجلس القيادة الرئاسي للحيلولة دون الوصول إلى هذه المرحلة، ليس ما كنا نتمنى أن نصل إليه، ولسنا سُعداء بما حدث».

وتابع العليمي بقوله: «لا يعني ذلك انتصار طرف على آخر، ولا مجال للتشفّي أو تصوير ما جرى على أنه هزيمة لهذا أو مكسب لذاك، ما يحدث هو إعادة اعتبار للدولة ومؤسساتها وشرعيتها ومرجعياتها، والحفاظ على الاستقرار والسكينة العامة، وتوضيح للحقيقة بعيداً عن منطق الصراعات والانتصارات الوهمية».

وكانت قيادة القوات المشتركة لـ«تحالف دعم الشرعية» في اليمن قد أعلنت تفاصيل جديدة رافقت تحركات رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، عقب تصعيد عسكري نفّذته قوات تابعة للمجلس في محافظتيْ حضرموت والمهرة.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أن قيادة التحالف أبلغت الزبيدي، بتاريخ 4 يناير (كانون الثاني)، بالحضور إلى المملكة العربية السعودية، خلال 48 ساعة، للاجتماع مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي وقيادة التحالف؛ للوقوف على أسباب التصعيد العسكري الأخير.

وأشار المالكي، في بيان، إلى أنه جرى، بالفعل، ترتيب سفر الزبيدي على متن رحلة لشركة الخطوط الجوية اليمنية، قبل أن يحدث تأخير الرحلة لساعات ثم إلغاؤها، وهو ما أعقبه توتر ميداني وظهور مسلَّحين وآليات قتالية قرب مرافق مدنية بمحيط المطار.

وأضاف أن قوات تابعة لـ«الانتقالي» قامت بتحركات، وفرضت إجراءات في مدينة عدن شملت انتشاراً عسكرياً وعرقلة الحركة داخل المطار، إلى جانب إغلاق بعض الطرق وتنفيذ عمليات انتشار مسلَّح داخل المدينة، الأمر الذي عَدَّه التحالف «تصعيداً غير مبرَّر» ويهدد الأمن والاستقرار.

ودعا الدكتور عبد الله العليمي «كل المكونات السياسية والاجتماعية، والنشطاء والإعلاميين، إلى التحلي بالمسؤولية الوطنية، والعمل على كل ما من شأنه توحيد الصفوف، والترفع عن إذكاء الصراعات الهامشية والخلافات والمناكفات، وتغليب المصلحة الوطنية، والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، بعيداً عن المكاسب الحزبية أو الفئوية أو الانتصارات الشخصية، فالوضع في غاية الحساسية ويقتضي التعامل بأعلى درجات المسؤولية».

وأشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي «بالدور المسؤول والكبير الذي تقوم به المملكة العربية السعودية في دعم أمن واستقرار كل المحافظات، وتوحيد الجبهات الداخلية، وإنهاء التوترات، ودعم مسار الدولة والشرعية».

وأكدت قيادة التحالف أنها تعمل، بالتنسيق مع الحكومة اليمنية والسلطات المحلية في عدن، لمنع أي انزلاق أمني وحماية الاستقرار ومنع تعريض المدنيين للخطر، كما دعت القوات المنتشرة إلى الالتزام بالتعليمات، والابتعاد عن المرافق الحيوية، والتوقف عن أي تحركات عسكرية غير منسقة، مشيرة إلى أن الهدف هو «حماية عدن ومنع نقل الصراع إليها».


«الرئاسي اليمني» يوحد القرار العسكري ويلاحق المتورطين بتوزيع السلاح

الاجتماع الطارئ لمجلس القيادة الرئاسي اليمني برئاسة د. رشاد محمد العليمي (سبأ.نت)
الاجتماع الطارئ لمجلس القيادة الرئاسي اليمني برئاسة د. رشاد محمد العليمي (سبأ.نت)
TT

«الرئاسي اليمني» يوحد القرار العسكري ويلاحق المتورطين بتوزيع السلاح

الاجتماع الطارئ لمجلس القيادة الرئاسي اليمني برئاسة د. رشاد محمد العليمي (سبأ.نت)
الاجتماع الطارئ لمجلس القيادة الرئاسي اليمني برئاسة د. رشاد محمد العليمي (سبأ.نت)

عقد مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الأربعاء، اجتماعاً طارئاً، برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس المجلس، وبحضور عدد من أعضائه، لبحث التطورات الأمنية والعسكرية المتسارعة في المحافظات الجنوبية، وما رافقها من تصعيد وتحركات وُصفت بأنها تهدد السلم الأهلي والمركز القانوني للدولة.

وناقش الاجتماع مستجدات الوضع الميداني على ضوء بيان قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية، وما تضمنه من معطيات وصفت بـ«الخطيرة» بشأن قيام بعض القيادات المتمردة بعرقلة جهود خفض التصعيد، والدفع نحو توسيع دائرة العنف داخل المدن المحررة.

واطّلع مجلس القيادة على إحاطة شاملة بشأن تداعيات تخلف أحد أعضائه عن الاستجابة لدعوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية، وما أعقب ذلك من تحركات أحادية الجانب، اعتبرها المجلس خروجاً صريحاً عن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وتقويضاً مباشراً للجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى حماية المدنيين ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهات داخلية.

قرارات حاسمة

وأقر مجلس القيادة الرئاسي إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من المجلس، وإحالته إلى النائب العام، على خلفية اتهامات تتعلق بالخيانة العظمى، والإضرار بالمركز السياسي والاقتصادي للجمهورية اليمنية، وعرقلة جهود الدولة في مواجهة الانقلاب، وإثارة الفتنة الداخلية.

عيدروس الزبيدي (أ.ب)

كما أقر المجلس إعفاء كل من وزير النقل عبد السلام حميد، ومعالي وزير التخطيط والتعاون الدولي واعد باذيب، من منصبيهما، وإحالتهما للتحقيق، ضمن حزمة إجراءات تهدف إلى محاسبة المتورطين في ممارسات تهدد السلم الأهلي، وفي مقدمتها توزيع الأسلحة والتحريض على العنف.

وشدد المجلس على ملاحقة وضبط جميع المتورطين في هذه الأعمال، وتقديمهم إلى العدالة، مؤكداً أن الدولة «ستتعامل بحزم مع أي تجاوزات، وبما يكفل احترام سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات العامة».

وحدة القرار العسكري

وأكد مجلس القيادة الرئاسي أن وحدة القرار العسكري والأمني، واحترام التسلسل القيادي، تمثلان ركائز أساسية لا يمكن التهاون بها تحت أي ظرف، محذراً من أن أي إخلال جسيم بهذه الواجبات يضع مرتكبه تحت طائلة المساءلة وفقاً للدستور والقوانين النافذة.

وفي الإطار ذاته، أقر المجلس جملة من الإجراءات العاجلة، تضمنت تكليف الجهات المختصة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين والمنشآت العامة في العاصمة المؤقتة عدن، وبقية المحافظات المحررة، إلى جانب توحيد القيادة والسيطرة على مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية، ومنع أي تحركات أو تعبئة خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية.

إشادة بالدور السعودي

وجدد مجلس القيادة الرئاسي بالغ تقديره لجهود الأشقاء في السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ودور الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، وقيادة تحالف دعم الشرعية، في مساعي خفض التصعيد، وحماية المدنيين، وتثبيت الأمن والاستقرار، ومنع انزلاق اليمن نحو صراعات داخلية جديدة.

وأكد المجلس التزام الدولة الكامل بتنفيذ قراراتها السيادية، وصون مركزها القانوني، بما يحفظ وحدة مؤسساتها، ويعزز مسار استعادة الدولة.

دعوة للتعاون المجتمعي

كما ثمّن مجلس القيادة الرئاسي المواقف الوطنية لأبناء العاصمة المؤقتة عدن، وسكان المحافظات المحررة، في الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة الشرعية، في هذه المرحلة التي وصفها بـ«الدقيقة والمفصلية».

وجدد المجلس دعوته للمواطنين إلى التعاون الكامل مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، والإبلاغ عن أي تحركات أو ممارسات من شأنها الإخلال بالأمن، أو تعريض حياة المدنيين للخطر، مؤكداً أن الحفاظ على الاستقرار مسؤولية وطنية جامعة لا تحتمل التهاون.


أبو زرعة المحرمي… رجل المرحلة الصلبة داخل «مجلس القيادة»

عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (سبأ.نت)
عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (سبأ.نت)
TT

أبو زرعة المحرمي… رجل المرحلة الصلبة داخل «مجلس القيادة»

عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (سبأ.نت)
عبد الرحمن بن زرعة المحرمي (سبأ.نت)

في لحظة سياسية وأمنية دقيقة تمر بها العاصمة المؤقتة عدن، برز اسم اللواء عبد الرحمن بن زرعة المحرمي، المعروف بـ«أبو زرعة»، بوصفه أحد أبرز صناع التوازن الأمني في جنوب اليمن، بعد تكليفه بفرض الأمن ومنع الانزلاق إلى مواجهات داخل المدينة، في خطوة عكست حجم الثقة التي يحظى بها داخل مجلس القيادة الرئاسي، ودوره المتنامي في إدارة الملفات العسكرية الحساسة.

عبد الرحمن المحرمي مع رئيس الأركان بن عزيز (سبأ)

مسار عسكري تشكّل في الميدان

ينتمي أبو زرعة المحرمي إلى جيل القادة الذين صاغتهم جبهات القتال لا المكاتب السياسية. وُلد عام 1980 في منطقة يافع بمحافظة أبين، وبرز اسمه مع تصاعد الحرب اليمنية كقائد ميداني حازم، استطاع خلال فترة وجيزة أن يفرض حضوره عبر قيادته لألوية العمالقة الجنوبية، التي تحولت إلى قوة ضاربة في مواجهة الحوثيين، لا سيما في جبهات الساحل الغربي وشبوة.

المحرمي يلتقي بقيادات عسكرية (سبأ)

وخلافاً لكثير من القيادات العسكرية التي اكتفت بالأدوار الرمزية، ارتبط اسم المحرمي بعمليات ميدانية غيّرت موازين القوى، وأسهمت في استعادة مناطق استراتيجية، ما منحه رصيداً عسكرياً وشعبياً عزز موقعه داخل المعادلة الوطنية.

من الجبهة إلى مجلس القيادة

في أبريل (نيسان) 2022، ومع إعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، دخل أبو زرعة المحرمي المشهد السياسي من بوابة الشرعية، عضواً في المجلس الذي أوكلت إليه مهمة إدارة البلاد في واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً. ومنذ ذلك الحين، حافظ على صورة القائد العسكري المنضبط، الذي يوازن بين متطلبات العمل السياسي وضرورات الأمن والاستقرار.

عبد الرحمن المحرمي خلال لقائه مع غروندبرغ (سبأ)

وفي مايو (أيار) 2023، عُيّن نائباً لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، ما وضعه في موقع تقاطع حساس بين السلطة الشرعية والمشهد الجنوبي، إلا أن حضوره ظل محكوماً بخطاب يميل إلى الواقعية السياسية، وتقديم الأمن كأولوية تتقدم على الصراعات البينية.

الأمن أولاً... فلسفة إدارة عدن

يُعرف أبو زرعة بمواقفه الصارمة في مكافحة الإرهاب ومنع الفوضى المسلحة، وهي سمات جعلته خياراً مفضلاً لتولي مهام أمنية في لحظات التوتر. ويأتي تكليفه الأخير بفرض الأمن في عدن ومنع أي اشتباكات داخل المدينة، في ظل تحركات عسكرية مقلقة، ليؤكد أن الرجل يُنظر إليه كضابط إيقاع قادر على احتواء الأزمات قبل انفجارها.

ويؤكد مقربون منه أن مقاربته الأمنية تقوم على «تحييد المدنيين، وحماية المؤسسات، ومنع تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات مسلحة»، وهي معادلة صعبة في مدينة مثقلة بالسلاح والتجاذبات.

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله عبد الرحمن أبو زرعة (حساب أبو زرعة على إكس)

حضور إقليمي محسوب

لم يقتصر دور المحرمي على الداخل اليمني، إذ مثّل بلاده في لقاءات إقليمية مهمة، كان أبرزها اجتماعه الأخير في الرياض مع الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، حيث جرى بحث التطورات السياسية والأمنية، في مؤشر على الثقة الإقليمية بدوره، واعتباره أحد الشركاء الرئيسيين في جهود تثبيت الاستقرار.

رجل المرحلة الصعبة

في المحصلة، يقدَّم أبو زرعة المحرمي اليوم بوصفه أحد الوجوه التي تراهن عليها الشرعية اليمنية في إدارة «المرحلة الصلبة»؛ مرحلة ضبط الأمن، ومنع الانفلات، وإعادة تعريف دور القوة العسكرية باعتبارها أداة لحماية الدولة لا تهديدها. وبين الميدان والسياسة، يواصل الرجل شق طريقه بهدوء، مستنداً إلى نفوذ عسكري وخطاب أقل صخباً، لكنه أكثر تأثيراً في حسابات اللحظة اليمنية الراهنة.