عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (6)

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
TT

عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010

نستعرض في هذه الحلقة السادسة من الكتاب الجديد للأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، روايته لأحداث الثورة الليبية التي اندلعت في فبراير (شباط) 2011، والتي خصص لها فصلين على مساحة 50 صفحة. وتركز هذه الحلقة على ما جاء في الفصل الأول الذي أورده تحت عنوان: «أسرار القرارات العربية لحماية الشعب الليبي من عنف القذافي».
ويكشف موسى أن العقيد (معمر القذافي) عد أن الرئيس المصري حسني مبارك هو المرشح للسقوط بعد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، و«أنه سينجو من الثورة ضده»، مشيراً إلى أن اجتماع المندوبين الدائمين علق مشاركة ليبيا في اجتماعات الجامعة بعد قيام قوات النظام بضرب بنغازي وطبرق. ويوضح أن القرار العربي بفرض حظر جوي على ليبيا كان إجراءً وقائياً لحماية المدنيين من غارات النظام.
اعتباراً من منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2010، دارت الأحداث في العالم العربي بسرعة كابد المرء في ملاحقة تطوراتها. فبين عشية وضحاها، رحل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى المنفى في السعودية، بعد أن هدرت شوارع وميادين تونس بالشباب الغاضب المطالب بالانفتاح السياسي والعدل الاجتماعي. وبعد أقل من شهر، أجبرت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر الرئيس حسني مبارك على التنحي في 11 فبراير (شباط) 2011. ثم انفرطت بعدها حبات العقد العربي. فبعد تونس ومصر، اندلعت الثورة في ليبيا، الواقعة بينهما جغرافيا، وتبعتهما اليمن وسوريا.
نأتي لبيت القصيد وهو الثورة الليبية، فقد نقل عن القذافي قوله إن «المرشح للسقوط بعد زين العابدين بن علي هو حسني مبارك». كان توقعاً صحيحاً، لكن التوقع الخاطئ أنه تصور أنه الوحيد الذي سينجو من الثورات، من دون أن يرى ما يجري حوله بدقة أو عمق. لم ينظر الرجل -الذي ظل يحكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود- إلى خريطة بلاده المترامية الأطراف؛ لو نظر إليها ولو نظرة خاطفة، لوجد أنه يقع بين قوسين من ثورتين هائلتين: واحدة في تونس، ومنها كانت البداية؛ والثانية الضخمة كانت في مصر.
اعتباراً من 15 فبراير (شباط) 2011، اتجهت الأنظار صوب ليبيا، حيث اندلعت المظاهرات المناهضة لحكم القذافي لأول مرة في بنغازي، وما لبثت أن عمت المظاهرات مختلف المدن الليبية، بما في ذلك العاصمة طرابلس. هنا، وضعت يدي على قلبي، فأنت تستطيع أن تتصور رد فعل أي نظام عربي على مظاهرات تطالبه بالرحيل إلا نظام القذافي، لا يمكنك أن تتوقع ردة فعله، بالإضافة إلى التوتر الذي يصم علاقاته مع مختلف الدول الغربية؛ ومن ثم كان لدي تخوف من ردة فعلهم إزاء أحداث ليبيا.
زادت المظاهرات شراسة، وزادت معها وتيرة قمع قوات القذافي للمتظاهرين، إلى أن خرج العقيد متحدثاً إلى شعبه في 22 فبراير (شباط) 2011، حيث قال في خطاب بثه التلفزيون الرسمي مباشرة إنه ليس رئيساً حتى يستقيل، واصفاً نفسه بأنه «قائد الثورة إلى الأبد»، وأنه محارب بدوي جاء بالمجد إلى الليبيين، وأن صورة ليبيا شوهت أمام العالم بسبب الأحداث الأخيرة، ملوحاً باستخدام القوة عند الحاجة. أثار خطاب القذافي ردود فعل عالمية شديدة الغضب، إذ تفاعلت الهيئات الدولية والدول الكبرى، واحدة بعد الأخرى، منددة بذلك الخطاب، وبالعنف الذي تستخدمه السلطات الليبية في قمع المتظاهرين.
- ردود فعل الجامعة
أمام تلك التطورات المتسارعة، بما فيها الأنباء التي تتحدث عن قيام قوات القذافي بضرب بنغازي وطبرق والمتظاهرين الموجودين فيهما، وارتفاع الخسائر البشرية، دعوت مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين للاجتماع في مساء يوم خطاب القذافي نفسه (22 فبراير)؛ لأن الأمر لا يحتمل انتظار اجتماع وزاري قد يستغرق انعقاده أياماً حتى وصول الوزراء إلى القاهرة.
بدأت الاجتماع بأن قلت للمندوبين الدائمين: يجب ألا نتأخر في رد فعلنا؛ فالأنباء تترى عن وقوع ضحايا كثيرين ومتزايدين من الليبيين، وصار العرب المقيمون في ليبيا، خاصة المصريين والتوانسة، معرضين للخطر بعد أن اتهمهم سيف الإسلام القذافي بدعم المتظاهرين ضد حكم والده. بالإضافة إلى ما أتوقعه من ردود فعل خارجية إزاء الوضع في ليبيا، وإزاء العقيد نفسه، وأن على الجامعة العربية أن تتصرف بالدعوة إلى التعقل.
في نهاية الاجتماع، أصدرنا قراراً تضمن عدداً من النقاط، منها: التنديد بالجرائم المرتكبة ضد المظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية الجارية في كثير من المدن الليبية والعاصمة طرابلس، مع وقف مشاركة وفود حكومة الجماهيرية العربية الليبية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة، إلى حين إقدام السلطات الليبية على الاستجابة للمطالبات المذكورة أعلاه، وبما يضمن تحقيق أمن الشعب الليبي واستقراره.
كانت هذه أول مرة في تاريخ جامعة الدول العربية التي يصدر مجلسها قراراً بوقف مشاركة وفود دولة عضو فيها في اجتماعات المجلس، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها، كرد فعل لأوضاع داخلية سلبية. كنت أرى أن هذا يمثل تطوراً هاماً في التنظيم العربي المتعدد الأطراف، كما أنها رسالة هامة إذا قبلها العقيد القذافي، فيمكن للجامعة، ولي شخصياً، أن أعتمد عليها في حركة سياسية قد تسهم في منع تدهور الأوضاع في ليبيا.
في الثاني من مارس (آذار) 2011، بدأت أعمال الدورة الـ135 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وتحت عنوان «المستجدات الخطيرة التي تشهدها ليبيا»، قرر المجلس عدداً من القرارات (منشور نصها في الكتاب) التي أكدت على ما اتخذه اجتماع المندوبين، وأضاف بنداً جديداً يؤكد «استمرار التشاور حول أنجع السبل لحماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لا يمكنها أن تقف مكتوفة في شأن ما يتعرض له الشعب الليبي الشقيق من سفكٍ للدماء، بما في ذلك الالتجاء إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق بين الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي في هذا الشأن».
- الدعوة لفرض حظر جوي
نأتي هنا للحديث عن الموضوع المهم الذي أثار بعض الجدل فيما يخص قرار الجامعة العربية المطالبة بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية، كإجراء وقائي لحماية المدنيين، وفي ذلك أقول إن أول دعوة على المستوى العربي الرسمي طالبت مجلس الأمن الدولي بفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين صدرت عن اجتماعات الدورة الـ118 للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في 10 مارس (آذار) 2011، تحت عنوان «تطورات الوضع العربي الراهن»، وتضمنت ما يلي: «أكد المجلس الوزاري على عدم شرعية النظام الليبي القائم، وعلى ضرورة إجراء اتصالات مع المجلس الوطني الانتقالي. ودعا المجلس الوزاري الجامعة العربية إلى تحمل مسؤولياتها باتخاذ الإجراءات اللازمة لحقن الدماء، وتحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق، ودراسة السبل الكفيلة لتحقيق ذلك، بما في ذلك دعوة مجلس الأمن الدولي لفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين».
في 12 مارس (آذار) 2011، جاء موعد الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس الجامعة العربية الذي دعت له دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس التعاون الخليجي آنذاك؛ ولذلك كان طبيعياً وبديهياً أن تطالب دول مجلس التعاون الخليجي، بل وتضغط لدفع الجامعة العربية لإصدار قرار يدعو مجلس الأمن إلى إنشاء منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية.
عند هذا الاجتماع المهم، يجب أن أنقل -للقراء عموماً، وللشعب الليبي الشقيق بأجياله الحالية والقادمة- ما جرى فيه من واقع النصوص الحرفية لمحاضر جلساته، من دون تدخل أو محاولة تفسير أو تحليل... فأنا أثق في فطنة القارئ.
اشتمل هذا الاجتماع على ثلاث جلسات: الأولى الافتتاحية، وكانت علنية، بدأت في الساعة الثانية والدقيقة الثلاثين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، واقتصرت على كلمة لرئيس الجلسة يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بسلطنة عمان، لمدة 15 دقيقة. ثم رفعت الجلسة، لتبدأ الجلسة الأولى المغلقة. وخلال استعراض كلمات ممثلي الدول العربية (منشور كلمات كل الدول بالكتاب)، أشير إلى أنني سأقتبس فقرات مسجلة تعبر بجلاء عن موقف الدول العربية الأعضاء من مسألة الطلب من مجلس الأمن فرض حظر جوي على ليبيا لإنقاذ الشعب الليبي من طائرات القذافي؛ لاستحالة عرض الكلمات والمداخلات كاملة لضيق المساحة.
بدأت الجلسة المغلقة الأولى في تمام الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، وقد أعطاني رئيس الجلسة الكلمة، ومما قلته فيها: «بالإضافة إلى ما ذكرناه في الجلسة الخاصة التي سبقت هذا الاجتماع الرسمي، أود لفائدة كل من انضم إلى هذا الاجتماع أن أشير إلى أنني استندت في بداية طرح مرجعية الاجتماع إلى الفقرة (11) من قرار المجلس الصادر في 2 مارس (آذار) الذي تحدث فيه عن سبل حماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يتعرض له الشعب الليبي من سفك للدماء، بما في ذلك الاتجاه إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق في ذلك مع الاتحاد الأفريقي.
خلال الفترة من 2 مارس (آذار) حتى الآن (12 مارس/ آذار)، وقعت أحداث ضخمة جداً، وسالت دماء كثيرة جداً، وأيضاً ساد لغط كبير حول ما يجري في العالم العربي؛ اجتمع الاتحاد الأفريقي وقرر ما قرره، ومجلس الأمن بالطبع أصدر قراره المعروف تحت الفصل السابع الذي تم أخذ العلم به رسمياً في قرارنا يوم 2 مارس (آذار)، كذلك الأمانة العامة تلقت عدداً من الرسائل، سواء من طرابلس أو من بنغازي، وأجرينا عدداً من الاتصالات مع الحكومة الليبية، ومع المجلس الانتقالي. هذه الأوراق سوف نوزعها على حضراتكم.
الآن وأمس، اجتمع مجلس التعاون الخليجي، وأصدر قراراً مهماً، وطالب فيه مجلس الجامعة العربية بأن ينظر في أمر الحظر الجوي، وكذلك مدى شرعية الوضع في ليبيا. أنا أود أن أوزع على حضراتكم قرار مجلس التعاون الخليجي، باعتباره جزءاً مهماً من جامعة الدول العربية، وأيضاً قرار الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، حتى يكون كل شيء واضحاً أمام الجميع وللتاريخ.
نحن نريد أن نصل إلى موقف ينقذ ليبيا ويحقن الدماء، وترون الهيجان الكبير جداً في الشارع العربي في هذا الإطار، وأطلب أن يؤخذ موقف الشعوب في الاعتبار، والظروف الجديدة التي يعيشها العالم العربي، أمور كانت الناس تسكت عليها، الآن لم يعد من الممكن السكوت عليها.
> كلمة ممثل قطر، حمد بن جبر آل ثان، رئيس الوزراء وزير الخارجية: ما يحدث في ليبيا صار إبادة جماعية، دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها، وهذه الإبادة الجماعية تحتاج منا كجامعة عربية أن يكون لنا موقف واضح، نحن لا نتمنى لأشقائنا الليبيين إلا كل خير، ولكن الآن في ظل هذا الظرف، أنا أعتقد أننا يجب أن نكون أمام مسؤولياتنا، هناك أناس نازحون، هناك مدن تضرب بالصواريخ، نحن نرى وأنتم كذلك ما يحدث، فهذه القضية تحتاج منا إلى وقفة، ونحن نعرف أن الحظر الجوي مقصود منه وقف وحقن الدماء، أي عمل نقوم به في الجامعة العربية المقصود منه ليس ضد أي طرف، ولكن لوقف القتال وحقن الدماء.
> كلمة ممثل الجزائر، مراد مدلسي، وزير الشؤون الخارجية الشعبية: في مستهل مناقشاتنا لأول مرة على مستوى مجلسنا الموقر لموضوع فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، فإنه من الواضح أن هذا الإجراء يعد من اختصاصات مجلس الأمن الدولي وحده دون غيره، وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يتوج اجتماعنا هذا بموقف مناسب مع تطور (...) الأوضاع التي تشهدها ليبيا، ولهذا الغرض يتعين على مجلسنا أن يوجه دعوة إلى الليبيين، سلطة ومعارضة، للوقف الفوري للعنف، وتغليب لغة الحوار لحل مشاكلهم فيما بينهم، من أجل عودة الاستقرار والأمن.
> كلمة ممثل الإمارات، الشيخ عبد الله بن زايد، وزير الخارجية: لا شك أن ما يحدث في ليبيا اليوم يعد خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني لدور الحكومات أو الأنظمة لحماية شعوبها (...) ما نتمناه أن تكون هذه الدعوة إلى مجلس الأمن لفرض هذا الحظر على الطائرات العسكرية، وليس الطائرات المدنية، وأنا متأكد أن الكثير منكم لديه خبرة عسكرية بأن هناك إمكانية للتعرف على الطائرات العسكرية، لا أعتقد أن هناك تخوفاً من هذا القبيل، ولكن إذا كانت هناك دول عربية مستعدة أن تشارك في تطبيق هذا القرار إذا صدر عن مجلس الأمن، أعتقد أن علينا أن نقوم بذلك.
> ممثل سوريا، يوسف أحمد، مندوب سوريا لدى الجامعة العربية:
فيما يخص مسألة فرض الحظر الجوي، من يضمن أن هذا الحظر يستهدف منع الطيران وحماية المدنيين الليبيين من عمليات القصف الجوي التي يتعرضون لها، أم أنه سيشمل فيما بعد توجيه ضربات لقواعد الدفاع الجوي والمطارات والرادارات الليبية، كما يصرح وزير الدفاع الأميركي وغيره؟ أليس هذا تدخلاً عسكرياً خارجياً في ليبيا؟
> ممثل لبنان، علي الشامي، وزير الخارجية والمغتربين: إن لبنان يؤيد ويدعم فرض حظر جوي على ليبيا، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، وعدم التدخل العسكري فيها، وذلك احتراماً لمبادئ وقواعد القانون الدولي والإنساني بصفة خاصة.
> ممثلة المغرب، لطيفة آخرباش، كاتبة الدولة في الشؤون الخارجية: المملكة المغربية تساند الرأي الذي يقول إنه يجب أن نخرج بقرار ندعو فيه مجلس الأمن إلى سن الحظر الجوي؛ لأن هذا هو الحل الوحيد حتى يتمكن الشعب الليبي من بناء نموذجه الديمقراطي.
> ممثل موريتانيا، سيدي محمد ولد أبوبكر، المندوب الدائم لدى الجامعة العربية: إننا تمسك بالرفض القاطع لكافة أشكال التدخل الأجنبي في ليبيا، والتأكيد على الالتزام الكامل بالمحافظة على الوحدة الوطنية للشعب الليبي، وعلى سيادته ووحدة وسلامة أراضيه، ذلك أن التدخل العسكري الأجنبي ينطوي حتماً على آثار مدمرة بالنسبة للبلد الذي يتعرض له، وكذلك ينطوي على مخاطرة كبيرة لوحدة شعب هذا البلد ولسلامة حوزته الترابية. أقول التدخل العسكري الأجنبي أياً كان ومهما كانت أشكاله؛ لأن الحظر الجوي لا يصح ولا يتصور دون تدخل عسكري.
ممثل السعودية، سعود الفيصل، وزير الخارجية: الإدارة في ليبيا تعتبر أن الذين هم في المدن المختلفة مثل الجرذان، المفروض يقضى عليهم، هل هذا معقول؟ أنا أقدر صبر الليبيين، الحقيقة تحملوا الكثير من التشريد والتقتيل والإهانة. يا إخوان، والله عيب علينا إذا لم ننصر المظلوم، ليست من شيمنا العربية، إذا كان هناك حقيقة رغبة في المفاوضات، فليقم بالثلاث خطوات، يسحب قواته، يوقف القتال فوراً، عودة الناس إلى مدنهم، وبعد ذلك نبدأ المفاوضات. أما بغير ذلك فأنتم حكمتم بالقتل على باقي من تبقى من سكان المدن التي نسمع عنها كل يوم، يومياً أعمال قصف للمدن بالطائرات مشكلة سياسية عارضة؟ نريد أن نجد لها حلاً، لا، هي مشكلة سياسية خطيرة، وتمس عمق الضمير العربي، وعمق القيم الأخلاقية العربية، ليست إذن مسألة قانونية حتى يدرسها القانونيون، ولا حتى مشكلة سياسية، لكن أناساً يقتلون ويشردون، أناساً يقصفون كأنهم شارات لتدريب القوات المقاتلة... هل يجوز هذا؟
> ممثل اليمن، أبو بكر القربي، وزير الخارجية: الجمهورية اليمنية تؤكد على وحدة ليبيا، أرضاً وشعباً، وحق الشعب الليبي في التغيير الذي ينشده وبإرادته، فإنها تدعو كافة الأطراف إلى حقن الدم الليبي الغالي علينا جميعاً، مع تحمل مجلسنا مسؤولية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد للاقتتال، وتوفير الحماية للمواطنين الليبيين من خلال تحرك عربي لتطبيق الحظر الجوي.
> ممثل مصر، نبيل العربي، وزير الخارجية: من منطلق إنهاء القتال، من منطلق وقف إطلاق النار، من منطلق وقف إراقة الدماء، وحرصاً على الحفاظ على التوازن الضروري واللازم بين الواجب الأخلاقي والواجب القانوني الذي ينطلق من القانون الدولي الإنساني، بضرورة حماية المدنيين في ليبيا، وبين الالتزام السياسي والقانوني الذي يجب أن نضطلع به جميعاً لحماية وحدة وسيادة الأراضي الليبية، فإن مصر ترى أنه في حالة وجود توافق عربي بيننا هنا، فإن الموضوع يمكن أن يحال إلى مجلس الأمن لاتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لتحقيق هذه الأغراض، بما في ذلك إقامة منطقة حظر جوي لتحقيق أغراض الحماية الإنسانية للشعب الليبي الشقيق.
وهنا يجب أن أؤكد مرة أخرى أننا لا نطالب بحظر جوي مفتوح أو غير محدد، بل هناك أبعاد معينة لمثل هذا القرار، وأود أن أتحدث عن أربعة مبادئ أساسية. المبدأ الأول: ضرورة توفير أساس قانوني واضح لأي قرار بإقامة منطقة حظر جوي في ليبيا لحماية المدنيين، أي ضرورة أن يكون هناك قرار من مجلس الأمن، يعكس هذا القرار بوضوح إرادة المجتمع الدولي؛ لأن الحظر الجوي في نهاية المطاف ليس إجراء قتالياً، وإنما إجراء وقائي لوقف إطلاق النار، للتحقق من عدم إراقة الدماء، للتحقق من حماية المدنيين، سواء كانوا ليبيين أو غير ليبيين.
المبدأ الثاني: ألا يمس قرار بإقامة حظر جوي حركة الطيران المدني؛ لأن هناك دولاً كثيرة، بما فيها مصر، يقومون باتخاذ الإجراءات اللازمة لإجلاء رعاياهم جواً من ليبيا.
المبدأ الثالث: أهمية احترام مبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وألا يمس أي قرار يصدر عن مجلس الأمن بخصوص الحظر الجوي في ليبيا بسيادة أي دولة أخرى غير ليبيا، سواء من دول الجوار أو غيرها.
المبدأ الأخير: أهمية التمسك بوحدة الأراضي الليبية وسلامة ليبيا الإقليمية، وألا تؤسس أي منطقة حظر جوي تقسيم ليبيا بشكل فعلي، وذلك من خلال تحديد واضح لأغراض إنشاء منطقة حظر الطيران، نطاقها الجغرافي، شروط عملها، مدتها الزمنية، وهذا أمر مهم لأننا -ولن أدخل في هذا الموضوع- نعلم جميعا أن حظراً جوياً في عدة بلدان، من بينها دول عربية شقيقة، استمر لسنوات وسنوات، فيجب أن يكون هذا الموضوع واضحاً منذ البداية.
رفعت الجلسة في الساعة الرابعة والدقيقة الخمسين مساء، وانعقدت جلسة العمل الثانية المغلقة بعد ذلك بخمسين دقيقة، المتعلقة بالصياغة، وجرت فيها مناقشات كثيرة جداً فيما يخص مشروع القرار الذي سيخرج عن الاجتماع الوزاري. إلى أن انتهى الاجتماع إلى مجموعة من القرارات (منشورة في الكتاب)، مع تحفظ كتابي لسوريا، وآخر لموريتانيا، وتحفظ شفوي للجزائر، أهمها الذي يقول منطوقه:
الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فورياً، وإقامة مناطق آمنة في الأماكن المتعرضة للقصف، كإجراءات وقائية تسمح بتوفير الحماية لأبناء الشعب الليبي والمقيمين في ليبيا من مختلف الجنسيات، مع مراعاة السيادة والسلامة الإقليمية لدول الجوار.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.