عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (6)

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
TT

عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010

نستعرض في هذه الحلقة السادسة من الكتاب الجديد للأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، روايته لأحداث الثورة الليبية التي اندلعت في فبراير (شباط) 2011، والتي خصص لها فصلين على مساحة 50 صفحة. وتركز هذه الحلقة على ما جاء في الفصل الأول الذي أورده تحت عنوان: «أسرار القرارات العربية لحماية الشعب الليبي من عنف القذافي».
ويكشف موسى أن العقيد (معمر القذافي) عد أن الرئيس المصري حسني مبارك هو المرشح للسقوط بعد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، و«أنه سينجو من الثورة ضده»، مشيراً إلى أن اجتماع المندوبين الدائمين علق مشاركة ليبيا في اجتماعات الجامعة بعد قيام قوات النظام بضرب بنغازي وطبرق. ويوضح أن القرار العربي بفرض حظر جوي على ليبيا كان إجراءً وقائياً لحماية المدنيين من غارات النظام.
اعتباراً من منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2010، دارت الأحداث في العالم العربي بسرعة كابد المرء في ملاحقة تطوراتها. فبين عشية وضحاها، رحل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى المنفى في السعودية، بعد أن هدرت شوارع وميادين تونس بالشباب الغاضب المطالب بالانفتاح السياسي والعدل الاجتماعي. وبعد أقل من شهر، أجبرت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر الرئيس حسني مبارك على التنحي في 11 فبراير (شباط) 2011. ثم انفرطت بعدها حبات العقد العربي. فبعد تونس ومصر، اندلعت الثورة في ليبيا، الواقعة بينهما جغرافيا، وتبعتهما اليمن وسوريا.
نأتي لبيت القصيد وهو الثورة الليبية، فقد نقل عن القذافي قوله إن «المرشح للسقوط بعد زين العابدين بن علي هو حسني مبارك». كان توقعاً صحيحاً، لكن التوقع الخاطئ أنه تصور أنه الوحيد الذي سينجو من الثورات، من دون أن يرى ما يجري حوله بدقة أو عمق. لم ينظر الرجل -الذي ظل يحكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود- إلى خريطة بلاده المترامية الأطراف؛ لو نظر إليها ولو نظرة خاطفة، لوجد أنه يقع بين قوسين من ثورتين هائلتين: واحدة في تونس، ومنها كانت البداية؛ والثانية الضخمة كانت في مصر.
اعتباراً من 15 فبراير (شباط) 2011، اتجهت الأنظار صوب ليبيا، حيث اندلعت المظاهرات المناهضة لحكم القذافي لأول مرة في بنغازي، وما لبثت أن عمت المظاهرات مختلف المدن الليبية، بما في ذلك العاصمة طرابلس. هنا، وضعت يدي على قلبي، فأنت تستطيع أن تتصور رد فعل أي نظام عربي على مظاهرات تطالبه بالرحيل إلا نظام القذافي، لا يمكنك أن تتوقع ردة فعله، بالإضافة إلى التوتر الذي يصم علاقاته مع مختلف الدول الغربية؛ ومن ثم كان لدي تخوف من ردة فعلهم إزاء أحداث ليبيا.
زادت المظاهرات شراسة، وزادت معها وتيرة قمع قوات القذافي للمتظاهرين، إلى أن خرج العقيد متحدثاً إلى شعبه في 22 فبراير (شباط) 2011، حيث قال في خطاب بثه التلفزيون الرسمي مباشرة إنه ليس رئيساً حتى يستقيل، واصفاً نفسه بأنه «قائد الثورة إلى الأبد»، وأنه محارب بدوي جاء بالمجد إلى الليبيين، وأن صورة ليبيا شوهت أمام العالم بسبب الأحداث الأخيرة، ملوحاً باستخدام القوة عند الحاجة. أثار خطاب القذافي ردود فعل عالمية شديدة الغضب، إذ تفاعلت الهيئات الدولية والدول الكبرى، واحدة بعد الأخرى، منددة بذلك الخطاب، وبالعنف الذي تستخدمه السلطات الليبية في قمع المتظاهرين.
- ردود فعل الجامعة
أمام تلك التطورات المتسارعة، بما فيها الأنباء التي تتحدث عن قيام قوات القذافي بضرب بنغازي وطبرق والمتظاهرين الموجودين فيهما، وارتفاع الخسائر البشرية، دعوت مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين للاجتماع في مساء يوم خطاب القذافي نفسه (22 فبراير)؛ لأن الأمر لا يحتمل انتظار اجتماع وزاري قد يستغرق انعقاده أياماً حتى وصول الوزراء إلى القاهرة.
بدأت الاجتماع بأن قلت للمندوبين الدائمين: يجب ألا نتأخر في رد فعلنا؛ فالأنباء تترى عن وقوع ضحايا كثيرين ومتزايدين من الليبيين، وصار العرب المقيمون في ليبيا، خاصة المصريين والتوانسة، معرضين للخطر بعد أن اتهمهم سيف الإسلام القذافي بدعم المتظاهرين ضد حكم والده. بالإضافة إلى ما أتوقعه من ردود فعل خارجية إزاء الوضع في ليبيا، وإزاء العقيد نفسه، وأن على الجامعة العربية أن تتصرف بالدعوة إلى التعقل.
في نهاية الاجتماع، أصدرنا قراراً تضمن عدداً من النقاط، منها: التنديد بالجرائم المرتكبة ضد المظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية الجارية في كثير من المدن الليبية والعاصمة طرابلس، مع وقف مشاركة وفود حكومة الجماهيرية العربية الليبية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة، إلى حين إقدام السلطات الليبية على الاستجابة للمطالبات المذكورة أعلاه، وبما يضمن تحقيق أمن الشعب الليبي واستقراره.
كانت هذه أول مرة في تاريخ جامعة الدول العربية التي يصدر مجلسها قراراً بوقف مشاركة وفود دولة عضو فيها في اجتماعات المجلس، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها، كرد فعل لأوضاع داخلية سلبية. كنت أرى أن هذا يمثل تطوراً هاماً في التنظيم العربي المتعدد الأطراف، كما أنها رسالة هامة إذا قبلها العقيد القذافي، فيمكن للجامعة، ولي شخصياً، أن أعتمد عليها في حركة سياسية قد تسهم في منع تدهور الأوضاع في ليبيا.
في الثاني من مارس (آذار) 2011، بدأت أعمال الدورة الـ135 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وتحت عنوان «المستجدات الخطيرة التي تشهدها ليبيا»، قرر المجلس عدداً من القرارات (منشور نصها في الكتاب) التي أكدت على ما اتخذه اجتماع المندوبين، وأضاف بنداً جديداً يؤكد «استمرار التشاور حول أنجع السبل لحماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لا يمكنها أن تقف مكتوفة في شأن ما يتعرض له الشعب الليبي الشقيق من سفكٍ للدماء، بما في ذلك الالتجاء إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق بين الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي في هذا الشأن».
- الدعوة لفرض حظر جوي
نأتي هنا للحديث عن الموضوع المهم الذي أثار بعض الجدل فيما يخص قرار الجامعة العربية المطالبة بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية، كإجراء وقائي لحماية المدنيين، وفي ذلك أقول إن أول دعوة على المستوى العربي الرسمي طالبت مجلس الأمن الدولي بفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين صدرت عن اجتماعات الدورة الـ118 للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في 10 مارس (آذار) 2011، تحت عنوان «تطورات الوضع العربي الراهن»، وتضمنت ما يلي: «أكد المجلس الوزاري على عدم شرعية النظام الليبي القائم، وعلى ضرورة إجراء اتصالات مع المجلس الوطني الانتقالي. ودعا المجلس الوزاري الجامعة العربية إلى تحمل مسؤولياتها باتخاذ الإجراءات اللازمة لحقن الدماء، وتحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق، ودراسة السبل الكفيلة لتحقيق ذلك، بما في ذلك دعوة مجلس الأمن الدولي لفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين».
في 12 مارس (آذار) 2011، جاء موعد الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس الجامعة العربية الذي دعت له دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس التعاون الخليجي آنذاك؛ ولذلك كان طبيعياً وبديهياً أن تطالب دول مجلس التعاون الخليجي، بل وتضغط لدفع الجامعة العربية لإصدار قرار يدعو مجلس الأمن إلى إنشاء منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية.
عند هذا الاجتماع المهم، يجب أن أنقل -للقراء عموماً، وللشعب الليبي الشقيق بأجياله الحالية والقادمة- ما جرى فيه من واقع النصوص الحرفية لمحاضر جلساته، من دون تدخل أو محاولة تفسير أو تحليل... فأنا أثق في فطنة القارئ.
اشتمل هذا الاجتماع على ثلاث جلسات: الأولى الافتتاحية، وكانت علنية، بدأت في الساعة الثانية والدقيقة الثلاثين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، واقتصرت على كلمة لرئيس الجلسة يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بسلطنة عمان، لمدة 15 دقيقة. ثم رفعت الجلسة، لتبدأ الجلسة الأولى المغلقة. وخلال استعراض كلمات ممثلي الدول العربية (منشور كلمات كل الدول بالكتاب)، أشير إلى أنني سأقتبس فقرات مسجلة تعبر بجلاء عن موقف الدول العربية الأعضاء من مسألة الطلب من مجلس الأمن فرض حظر جوي على ليبيا لإنقاذ الشعب الليبي من طائرات القذافي؛ لاستحالة عرض الكلمات والمداخلات كاملة لضيق المساحة.
بدأت الجلسة المغلقة الأولى في تمام الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، وقد أعطاني رئيس الجلسة الكلمة، ومما قلته فيها: «بالإضافة إلى ما ذكرناه في الجلسة الخاصة التي سبقت هذا الاجتماع الرسمي، أود لفائدة كل من انضم إلى هذا الاجتماع أن أشير إلى أنني استندت في بداية طرح مرجعية الاجتماع إلى الفقرة (11) من قرار المجلس الصادر في 2 مارس (آذار) الذي تحدث فيه عن سبل حماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يتعرض له الشعب الليبي من سفك للدماء، بما في ذلك الاتجاه إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق في ذلك مع الاتحاد الأفريقي.
خلال الفترة من 2 مارس (آذار) حتى الآن (12 مارس/ آذار)، وقعت أحداث ضخمة جداً، وسالت دماء كثيرة جداً، وأيضاً ساد لغط كبير حول ما يجري في العالم العربي؛ اجتمع الاتحاد الأفريقي وقرر ما قرره، ومجلس الأمن بالطبع أصدر قراره المعروف تحت الفصل السابع الذي تم أخذ العلم به رسمياً في قرارنا يوم 2 مارس (آذار)، كذلك الأمانة العامة تلقت عدداً من الرسائل، سواء من طرابلس أو من بنغازي، وأجرينا عدداً من الاتصالات مع الحكومة الليبية، ومع المجلس الانتقالي. هذه الأوراق سوف نوزعها على حضراتكم.
الآن وأمس، اجتمع مجلس التعاون الخليجي، وأصدر قراراً مهماً، وطالب فيه مجلس الجامعة العربية بأن ينظر في أمر الحظر الجوي، وكذلك مدى شرعية الوضع في ليبيا. أنا أود أن أوزع على حضراتكم قرار مجلس التعاون الخليجي، باعتباره جزءاً مهماً من جامعة الدول العربية، وأيضاً قرار الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، حتى يكون كل شيء واضحاً أمام الجميع وللتاريخ.
نحن نريد أن نصل إلى موقف ينقذ ليبيا ويحقن الدماء، وترون الهيجان الكبير جداً في الشارع العربي في هذا الإطار، وأطلب أن يؤخذ موقف الشعوب في الاعتبار، والظروف الجديدة التي يعيشها العالم العربي، أمور كانت الناس تسكت عليها، الآن لم يعد من الممكن السكوت عليها.
> كلمة ممثل قطر، حمد بن جبر آل ثان، رئيس الوزراء وزير الخارجية: ما يحدث في ليبيا صار إبادة جماعية، دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها، وهذه الإبادة الجماعية تحتاج منا كجامعة عربية أن يكون لنا موقف واضح، نحن لا نتمنى لأشقائنا الليبيين إلا كل خير، ولكن الآن في ظل هذا الظرف، أنا أعتقد أننا يجب أن نكون أمام مسؤولياتنا، هناك أناس نازحون، هناك مدن تضرب بالصواريخ، نحن نرى وأنتم كذلك ما يحدث، فهذه القضية تحتاج منا إلى وقفة، ونحن نعرف أن الحظر الجوي مقصود منه وقف وحقن الدماء، أي عمل نقوم به في الجامعة العربية المقصود منه ليس ضد أي طرف، ولكن لوقف القتال وحقن الدماء.
> كلمة ممثل الجزائر، مراد مدلسي، وزير الشؤون الخارجية الشعبية: في مستهل مناقشاتنا لأول مرة على مستوى مجلسنا الموقر لموضوع فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، فإنه من الواضح أن هذا الإجراء يعد من اختصاصات مجلس الأمن الدولي وحده دون غيره، وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يتوج اجتماعنا هذا بموقف مناسب مع تطور (...) الأوضاع التي تشهدها ليبيا، ولهذا الغرض يتعين على مجلسنا أن يوجه دعوة إلى الليبيين، سلطة ومعارضة، للوقف الفوري للعنف، وتغليب لغة الحوار لحل مشاكلهم فيما بينهم، من أجل عودة الاستقرار والأمن.
> كلمة ممثل الإمارات، الشيخ عبد الله بن زايد، وزير الخارجية: لا شك أن ما يحدث في ليبيا اليوم يعد خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني لدور الحكومات أو الأنظمة لحماية شعوبها (...) ما نتمناه أن تكون هذه الدعوة إلى مجلس الأمن لفرض هذا الحظر على الطائرات العسكرية، وليس الطائرات المدنية، وأنا متأكد أن الكثير منكم لديه خبرة عسكرية بأن هناك إمكانية للتعرف على الطائرات العسكرية، لا أعتقد أن هناك تخوفاً من هذا القبيل، ولكن إذا كانت هناك دول عربية مستعدة أن تشارك في تطبيق هذا القرار إذا صدر عن مجلس الأمن، أعتقد أن علينا أن نقوم بذلك.
> ممثل سوريا، يوسف أحمد، مندوب سوريا لدى الجامعة العربية:
فيما يخص مسألة فرض الحظر الجوي، من يضمن أن هذا الحظر يستهدف منع الطيران وحماية المدنيين الليبيين من عمليات القصف الجوي التي يتعرضون لها، أم أنه سيشمل فيما بعد توجيه ضربات لقواعد الدفاع الجوي والمطارات والرادارات الليبية، كما يصرح وزير الدفاع الأميركي وغيره؟ أليس هذا تدخلاً عسكرياً خارجياً في ليبيا؟
> ممثل لبنان، علي الشامي، وزير الخارجية والمغتربين: إن لبنان يؤيد ويدعم فرض حظر جوي على ليبيا، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، وعدم التدخل العسكري فيها، وذلك احتراماً لمبادئ وقواعد القانون الدولي والإنساني بصفة خاصة.
> ممثلة المغرب، لطيفة آخرباش، كاتبة الدولة في الشؤون الخارجية: المملكة المغربية تساند الرأي الذي يقول إنه يجب أن نخرج بقرار ندعو فيه مجلس الأمن إلى سن الحظر الجوي؛ لأن هذا هو الحل الوحيد حتى يتمكن الشعب الليبي من بناء نموذجه الديمقراطي.
> ممثل موريتانيا، سيدي محمد ولد أبوبكر، المندوب الدائم لدى الجامعة العربية: إننا تمسك بالرفض القاطع لكافة أشكال التدخل الأجنبي في ليبيا، والتأكيد على الالتزام الكامل بالمحافظة على الوحدة الوطنية للشعب الليبي، وعلى سيادته ووحدة وسلامة أراضيه، ذلك أن التدخل العسكري الأجنبي ينطوي حتماً على آثار مدمرة بالنسبة للبلد الذي يتعرض له، وكذلك ينطوي على مخاطرة كبيرة لوحدة شعب هذا البلد ولسلامة حوزته الترابية. أقول التدخل العسكري الأجنبي أياً كان ومهما كانت أشكاله؛ لأن الحظر الجوي لا يصح ولا يتصور دون تدخل عسكري.
ممثل السعودية، سعود الفيصل، وزير الخارجية: الإدارة في ليبيا تعتبر أن الذين هم في المدن المختلفة مثل الجرذان، المفروض يقضى عليهم، هل هذا معقول؟ أنا أقدر صبر الليبيين، الحقيقة تحملوا الكثير من التشريد والتقتيل والإهانة. يا إخوان، والله عيب علينا إذا لم ننصر المظلوم، ليست من شيمنا العربية، إذا كان هناك حقيقة رغبة في المفاوضات، فليقم بالثلاث خطوات، يسحب قواته، يوقف القتال فوراً، عودة الناس إلى مدنهم، وبعد ذلك نبدأ المفاوضات. أما بغير ذلك فأنتم حكمتم بالقتل على باقي من تبقى من سكان المدن التي نسمع عنها كل يوم، يومياً أعمال قصف للمدن بالطائرات مشكلة سياسية عارضة؟ نريد أن نجد لها حلاً، لا، هي مشكلة سياسية خطيرة، وتمس عمق الضمير العربي، وعمق القيم الأخلاقية العربية، ليست إذن مسألة قانونية حتى يدرسها القانونيون، ولا حتى مشكلة سياسية، لكن أناساً يقتلون ويشردون، أناساً يقصفون كأنهم شارات لتدريب القوات المقاتلة... هل يجوز هذا؟
> ممثل اليمن، أبو بكر القربي، وزير الخارجية: الجمهورية اليمنية تؤكد على وحدة ليبيا، أرضاً وشعباً، وحق الشعب الليبي في التغيير الذي ينشده وبإرادته، فإنها تدعو كافة الأطراف إلى حقن الدم الليبي الغالي علينا جميعاً، مع تحمل مجلسنا مسؤولية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد للاقتتال، وتوفير الحماية للمواطنين الليبيين من خلال تحرك عربي لتطبيق الحظر الجوي.
> ممثل مصر، نبيل العربي، وزير الخارجية: من منطلق إنهاء القتال، من منطلق وقف إطلاق النار، من منطلق وقف إراقة الدماء، وحرصاً على الحفاظ على التوازن الضروري واللازم بين الواجب الأخلاقي والواجب القانوني الذي ينطلق من القانون الدولي الإنساني، بضرورة حماية المدنيين في ليبيا، وبين الالتزام السياسي والقانوني الذي يجب أن نضطلع به جميعاً لحماية وحدة وسيادة الأراضي الليبية، فإن مصر ترى أنه في حالة وجود توافق عربي بيننا هنا، فإن الموضوع يمكن أن يحال إلى مجلس الأمن لاتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لتحقيق هذه الأغراض، بما في ذلك إقامة منطقة حظر جوي لتحقيق أغراض الحماية الإنسانية للشعب الليبي الشقيق.
وهنا يجب أن أؤكد مرة أخرى أننا لا نطالب بحظر جوي مفتوح أو غير محدد، بل هناك أبعاد معينة لمثل هذا القرار، وأود أن أتحدث عن أربعة مبادئ أساسية. المبدأ الأول: ضرورة توفير أساس قانوني واضح لأي قرار بإقامة منطقة حظر جوي في ليبيا لحماية المدنيين، أي ضرورة أن يكون هناك قرار من مجلس الأمن، يعكس هذا القرار بوضوح إرادة المجتمع الدولي؛ لأن الحظر الجوي في نهاية المطاف ليس إجراء قتالياً، وإنما إجراء وقائي لوقف إطلاق النار، للتحقق من عدم إراقة الدماء، للتحقق من حماية المدنيين، سواء كانوا ليبيين أو غير ليبيين.
المبدأ الثاني: ألا يمس قرار بإقامة حظر جوي حركة الطيران المدني؛ لأن هناك دولاً كثيرة، بما فيها مصر، يقومون باتخاذ الإجراءات اللازمة لإجلاء رعاياهم جواً من ليبيا.
المبدأ الثالث: أهمية احترام مبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وألا يمس أي قرار يصدر عن مجلس الأمن بخصوص الحظر الجوي في ليبيا بسيادة أي دولة أخرى غير ليبيا، سواء من دول الجوار أو غيرها.
المبدأ الأخير: أهمية التمسك بوحدة الأراضي الليبية وسلامة ليبيا الإقليمية، وألا تؤسس أي منطقة حظر جوي تقسيم ليبيا بشكل فعلي، وذلك من خلال تحديد واضح لأغراض إنشاء منطقة حظر الطيران، نطاقها الجغرافي، شروط عملها، مدتها الزمنية، وهذا أمر مهم لأننا -ولن أدخل في هذا الموضوع- نعلم جميعا أن حظراً جوياً في عدة بلدان، من بينها دول عربية شقيقة، استمر لسنوات وسنوات، فيجب أن يكون هذا الموضوع واضحاً منذ البداية.
رفعت الجلسة في الساعة الرابعة والدقيقة الخمسين مساء، وانعقدت جلسة العمل الثانية المغلقة بعد ذلك بخمسين دقيقة، المتعلقة بالصياغة، وجرت فيها مناقشات كثيرة جداً فيما يخص مشروع القرار الذي سيخرج عن الاجتماع الوزاري. إلى أن انتهى الاجتماع إلى مجموعة من القرارات (منشورة في الكتاب)، مع تحفظ كتابي لسوريا، وآخر لموريتانيا، وتحفظ شفوي للجزائر، أهمها الذي يقول منطوقه:
الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فورياً، وإقامة مناطق آمنة في الأماكن المتعرضة للقصف، كإجراءات وقائية تسمح بتوفير الحماية لأبناء الشعب الليبي والمقيمين في ليبيا من مختلف الجنسيات، مع مراعاة السيادة والسلامة الإقليمية لدول الجوار.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.