عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (6)

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
TT

عمرو موسى: القذافي ظن أنه ناج من الثورة لكنه رشّح مبارك للسقوط بعد بن علي

موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010
موسى والقذافي في قمة سرت عام 2010

نستعرض في هذه الحلقة السادسة من الكتاب الجديد للأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية» الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» وحرره ووثقه خالد أبو بكر، روايته لأحداث الثورة الليبية التي اندلعت في فبراير (شباط) 2011، والتي خصص لها فصلين على مساحة 50 صفحة. وتركز هذه الحلقة على ما جاء في الفصل الأول الذي أورده تحت عنوان: «أسرار القرارات العربية لحماية الشعب الليبي من عنف القذافي».
ويكشف موسى أن العقيد (معمر القذافي) عد أن الرئيس المصري حسني مبارك هو المرشح للسقوط بعد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، و«أنه سينجو من الثورة ضده»، مشيراً إلى أن اجتماع المندوبين الدائمين علق مشاركة ليبيا في اجتماعات الجامعة بعد قيام قوات النظام بضرب بنغازي وطبرق. ويوضح أن القرار العربي بفرض حظر جوي على ليبيا كان إجراءً وقائياً لحماية المدنيين من غارات النظام.
اعتباراً من منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2010، دارت الأحداث في العالم العربي بسرعة كابد المرء في ملاحقة تطوراتها. فبين عشية وضحاها، رحل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى المنفى في السعودية، بعد أن هدرت شوارع وميادين تونس بالشباب الغاضب المطالب بالانفتاح السياسي والعدل الاجتماعي. وبعد أقل من شهر، أجبرت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر الرئيس حسني مبارك على التنحي في 11 فبراير (شباط) 2011. ثم انفرطت بعدها حبات العقد العربي. فبعد تونس ومصر، اندلعت الثورة في ليبيا، الواقعة بينهما جغرافيا، وتبعتهما اليمن وسوريا.
نأتي لبيت القصيد وهو الثورة الليبية، فقد نقل عن القذافي قوله إن «المرشح للسقوط بعد زين العابدين بن علي هو حسني مبارك». كان توقعاً صحيحاً، لكن التوقع الخاطئ أنه تصور أنه الوحيد الذي سينجو من الثورات، من دون أن يرى ما يجري حوله بدقة أو عمق. لم ينظر الرجل -الذي ظل يحكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود- إلى خريطة بلاده المترامية الأطراف؛ لو نظر إليها ولو نظرة خاطفة، لوجد أنه يقع بين قوسين من ثورتين هائلتين: واحدة في تونس، ومنها كانت البداية؛ والثانية الضخمة كانت في مصر.
اعتباراً من 15 فبراير (شباط) 2011، اتجهت الأنظار صوب ليبيا، حيث اندلعت المظاهرات المناهضة لحكم القذافي لأول مرة في بنغازي، وما لبثت أن عمت المظاهرات مختلف المدن الليبية، بما في ذلك العاصمة طرابلس. هنا، وضعت يدي على قلبي، فأنت تستطيع أن تتصور رد فعل أي نظام عربي على مظاهرات تطالبه بالرحيل إلا نظام القذافي، لا يمكنك أن تتوقع ردة فعله، بالإضافة إلى التوتر الذي يصم علاقاته مع مختلف الدول الغربية؛ ومن ثم كان لدي تخوف من ردة فعلهم إزاء أحداث ليبيا.
زادت المظاهرات شراسة، وزادت معها وتيرة قمع قوات القذافي للمتظاهرين، إلى أن خرج العقيد متحدثاً إلى شعبه في 22 فبراير (شباط) 2011، حيث قال في خطاب بثه التلفزيون الرسمي مباشرة إنه ليس رئيساً حتى يستقيل، واصفاً نفسه بأنه «قائد الثورة إلى الأبد»، وأنه محارب بدوي جاء بالمجد إلى الليبيين، وأن صورة ليبيا شوهت أمام العالم بسبب الأحداث الأخيرة، ملوحاً باستخدام القوة عند الحاجة. أثار خطاب القذافي ردود فعل عالمية شديدة الغضب، إذ تفاعلت الهيئات الدولية والدول الكبرى، واحدة بعد الأخرى، منددة بذلك الخطاب، وبالعنف الذي تستخدمه السلطات الليبية في قمع المتظاهرين.
- ردود فعل الجامعة
أمام تلك التطورات المتسارعة، بما فيها الأنباء التي تتحدث عن قيام قوات القذافي بضرب بنغازي وطبرق والمتظاهرين الموجودين فيهما، وارتفاع الخسائر البشرية، دعوت مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين للاجتماع في مساء يوم خطاب القذافي نفسه (22 فبراير)؛ لأن الأمر لا يحتمل انتظار اجتماع وزاري قد يستغرق انعقاده أياماً حتى وصول الوزراء إلى القاهرة.
بدأت الاجتماع بأن قلت للمندوبين الدائمين: يجب ألا نتأخر في رد فعلنا؛ فالأنباء تترى عن وقوع ضحايا كثيرين ومتزايدين من الليبيين، وصار العرب المقيمون في ليبيا، خاصة المصريين والتوانسة، معرضين للخطر بعد أن اتهمهم سيف الإسلام القذافي بدعم المتظاهرين ضد حكم والده. بالإضافة إلى ما أتوقعه من ردود فعل خارجية إزاء الوضع في ليبيا، وإزاء العقيد نفسه، وأن على الجامعة العربية أن تتصرف بالدعوة إلى التعقل.
في نهاية الاجتماع، أصدرنا قراراً تضمن عدداً من النقاط، منها: التنديد بالجرائم المرتكبة ضد المظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية الجارية في كثير من المدن الليبية والعاصمة طرابلس، مع وقف مشاركة وفود حكومة الجماهيرية العربية الليبية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة، إلى حين إقدام السلطات الليبية على الاستجابة للمطالبات المذكورة أعلاه، وبما يضمن تحقيق أمن الشعب الليبي واستقراره.
كانت هذه أول مرة في تاريخ جامعة الدول العربية التي يصدر مجلسها قراراً بوقف مشاركة وفود دولة عضو فيها في اجتماعات المجلس، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها، كرد فعل لأوضاع داخلية سلبية. كنت أرى أن هذا يمثل تطوراً هاماً في التنظيم العربي المتعدد الأطراف، كما أنها رسالة هامة إذا قبلها العقيد القذافي، فيمكن للجامعة، ولي شخصياً، أن أعتمد عليها في حركة سياسية قد تسهم في منع تدهور الأوضاع في ليبيا.
في الثاني من مارس (آذار) 2011، بدأت أعمال الدورة الـ135 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وتحت عنوان «المستجدات الخطيرة التي تشهدها ليبيا»، قرر المجلس عدداً من القرارات (منشور نصها في الكتاب) التي أكدت على ما اتخذه اجتماع المندوبين، وأضاف بنداً جديداً يؤكد «استمرار التشاور حول أنجع السبل لحماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لا يمكنها أن تقف مكتوفة في شأن ما يتعرض له الشعب الليبي الشقيق من سفكٍ للدماء، بما في ذلك الالتجاء إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق بين الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي في هذا الشأن».
- الدعوة لفرض حظر جوي
نأتي هنا للحديث عن الموضوع المهم الذي أثار بعض الجدل فيما يخص قرار الجامعة العربية المطالبة بفرض منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية، كإجراء وقائي لحماية المدنيين، وفي ذلك أقول إن أول دعوة على المستوى العربي الرسمي طالبت مجلس الأمن الدولي بفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين صدرت عن اجتماعات الدورة الـ118 للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في 10 مارس (آذار) 2011، تحت عنوان «تطورات الوضع العربي الراهن»، وتضمنت ما يلي: «أكد المجلس الوزاري على عدم شرعية النظام الليبي القائم، وعلى ضرورة إجراء اتصالات مع المجلس الوطني الانتقالي. ودعا المجلس الوزاري الجامعة العربية إلى تحمل مسؤولياتها باتخاذ الإجراءات اللازمة لحقن الدماء، وتحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق، ودراسة السبل الكفيلة لتحقيق ذلك، بما في ذلك دعوة مجلس الأمن الدولي لفرض حظر جوي على ليبيا لحماية المدنيين».
في 12 مارس (آذار) 2011، جاء موعد الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس الجامعة العربية الذي دعت له دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس التعاون الخليجي آنذاك؛ ولذلك كان طبيعياً وبديهياً أن تطالب دول مجلس التعاون الخليجي، بل وتضغط لدفع الجامعة العربية لإصدار قرار يدعو مجلس الأمن إلى إنشاء منطقة حظر جوي على الأراضي الليبية.
عند هذا الاجتماع المهم، يجب أن أنقل -للقراء عموماً، وللشعب الليبي الشقيق بأجياله الحالية والقادمة- ما جرى فيه من واقع النصوص الحرفية لمحاضر جلساته، من دون تدخل أو محاولة تفسير أو تحليل... فأنا أثق في فطنة القارئ.
اشتمل هذا الاجتماع على ثلاث جلسات: الأولى الافتتاحية، وكانت علنية، بدأت في الساعة الثانية والدقيقة الثلاثين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، واقتصرت على كلمة لرئيس الجلسة يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بسلطنة عمان، لمدة 15 دقيقة. ثم رفعت الجلسة، لتبدأ الجلسة الأولى المغلقة. وخلال استعراض كلمات ممثلي الدول العربية (منشور كلمات كل الدول بالكتاب)، أشير إلى أنني سأقتبس فقرات مسجلة تعبر بجلاء عن موقف الدول العربية الأعضاء من مسألة الطلب من مجلس الأمن فرض حظر جوي على ليبيا لإنقاذ الشعب الليبي من طائرات القذافي؛ لاستحالة عرض الكلمات والمداخلات كاملة لضيق المساحة.
بدأت الجلسة المغلقة الأولى في تمام الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين من ظهر السبت 12 مارس (آذار) 2011، وقد أعطاني رئيس الجلسة الكلمة، ومما قلته فيها: «بالإضافة إلى ما ذكرناه في الجلسة الخاصة التي سبقت هذا الاجتماع الرسمي، أود لفائدة كل من انضم إلى هذا الاجتماع أن أشير إلى أنني استندت في بداية طرح مرجعية الاجتماع إلى الفقرة (11) من قرار المجلس الصادر في 2 مارس (آذار) الذي تحدث فيه عن سبل حماية وضمان سلامة وأمن المواطنين الليبيين، وأن الدول العربية لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يتعرض له الشعب الليبي من سفك للدماء، بما في ذلك الاتجاه إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق في ذلك مع الاتحاد الأفريقي.
خلال الفترة من 2 مارس (آذار) حتى الآن (12 مارس/ آذار)، وقعت أحداث ضخمة جداً، وسالت دماء كثيرة جداً، وأيضاً ساد لغط كبير حول ما يجري في العالم العربي؛ اجتمع الاتحاد الأفريقي وقرر ما قرره، ومجلس الأمن بالطبع أصدر قراره المعروف تحت الفصل السابع الذي تم أخذ العلم به رسمياً في قرارنا يوم 2 مارس (آذار)، كذلك الأمانة العامة تلقت عدداً من الرسائل، سواء من طرابلس أو من بنغازي، وأجرينا عدداً من الاتصالات مع الحكومة الليبية، ومع المجلس الانتقالي. هذه الأوراق سوف نوزعها على حضراتكم.
الآن وأمس، اجتمع مجلس التعاون الخليجي، وأصدر قراراً مهماً، وطالب فيه مجلس الجامعة العربية بأن ينظر في أمر الحظر الجوي، وكذلك مدى شرعية الوضع في ليبيا. أنا أود أن أوزع على حضراتكم قرار مجلس التعاون الخليجي، باعتباره جزءاً مهماً من جامعة الدول العربية، وأيضاً قرار الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، حتى يكون كل شيء واضحاً أمام الجميع وللتاريخ.
نحن نريد أن نصل إلى موقف ينقذ ليبيا ويحقن الدماء، وترون الهيجان الكبير جداً في الشارع العربي في هذا الإطار، وأطلب أن يؤخذ موقف الشعوب في الاعتبار، والظروف الجديدة التي يعيشها العالم العربي، أمور كانت الناس تسكت عليها، الآن لم يعد من الممكن السكوت عليها.
> كلمة ممثل قطر، حمد بن جبر آل ثان، رئيس الوزراء وزير الخارجية: ما يحدث في ليبيا صار إبادة جماعية، دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها، وهذه الإبادة الجماعية تحتاج منا كجامعة عربية أن يكون لنا موقف واضح، نحن لا نتمنى لأشقائنا الليبيين إلا كل خير، ولكن الآن في ظل هذا الظرف، أنا أعتقد أننا يجب أن نكون أمام مسؤولياتنا، هناك أناس نازحون، هناك مدن تضرب بالصواريخ، نحن نرى وأنتم كذلك ما يحدث، فهذه القضية تحتاج منا إلى وقفة، ونحن نعرف أن الحظر الجوي مقصود منه وقف وحقن الدماء، أي عمل نقوم به في الجامعة العربية المقصود منه ليس ضد أي طرف، ولكن لوقف القتال وحقن الدماء.
> كلمة ممثل الجزائر، مراد مدلسي، وزير الشؤون الخارجية الشعبية: في مستهل مناقشاتنا لأول مرة على مستوى مجلسنا الموقر لموضوع فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، فإنه من الواضح أن هذا الإجراء يعد من اختصاصات مجلس الأمن الدولي وحده دون غيره، وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يتوج اجتماعنا هذا بموقف مناسب مع تطور (...) الأوضاع التي تشهدها ليبيا، ولهذا الغرض يتعين على مجلسنا أن يوجه دعوة إلى الليبيين، سلطة ومعارضة، للوقف الفوري للعنف، وتغليب لغة الحوار لحل مشاكلهم فيما بينهم، من أجل عودة الاستقرار والأمن.
> كلمة ممثل الإمارات، الشيخ عبد الله بن زايد، وزير الخارجية: لا شك أن ما يحدث في ليبيا اليوم يعد خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني لدور الحكومات أو الأنظمة لحماية شعوبها (...) ما نتمناه أن تكون هذه الدعوة إلى مجلس الأمن لفرض هذا الحظر على الطائرات العسكرية، وليس الطائرات المدنية، وأنا متأكد أن الكثير منكم لديه خبرة عسكرية بأن هناك إمكانية للتعرف على الطائرات العسكرية، لا أعتقد أن هناك تخوفاً من هذا القبيل، ولكن إذا كانت هناك دول عربية مستعدة أن تشارك في تطبيق هذا القرار إذا صدر عن مجلس الأمن، أعتقد أن علينا أن نقوم بذلك.
> ممثل سوريا، يوسف أحمد، مندوب سوريا لدى الجامعة العربية:
فيما يخص مسألة فرض الحظر الجوي، من يضمن أن هذا الحظر يستهدف منع الطيران وحماية المدنيين الليبيين من عمليات القصف الجوي التي يتعرضون لها، أم أنه سيشمل فيما بعد توجيه ضربات لقواعد الدفاع الجوي والمطارات والرادارات الليبية، كما يصرح وزير الدفاع الأميركي وغيره؟ أليس هذا تدخلاً عسكرياً خارجياً في ليبيا؟
> ممثل لبنان، علي الشامي، وزير الخارجية والمغتربين: إن لبنان يؤيد ويدعم فرض حظر جوي على ليبيا، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، وعدم التدخل العسكري فيها، وذلك احتراماً لمبادئ وقواعد القانون الدولي والإنساني بصفة خاصة.
> ممثلة المغرب، لطيفة آخرباش، كاتبة الدولة في الشؤون الخارجية: المملكة المغربية تساند الرأي الذي يقول إنه يجب أن نخرج بقرار ندعو فيه مجلس الأمن إلى سن الحظر الجوي؛ لأن هذا هو الحل الوحيد حتى يتمكن الشعب الليبي من بناء نموذجه الديمقراطي.
> ممثل موريتانيا، سيدي محمد ولد أبوبكر، المندوب الدائم لدى الجامعة العربية: إننا تمسك بالرفض القاطع لكافة أشكال التدخل الأجنبي في ليبيا، والتأكيد على الالتزام الكامل بالمحافظة على الوحدة الوطنية للشعب الليبي، وعلى سيادته ووحدة وسلامة أراضيه، ذلك أن التدخل العسكري الأجنبي ينطوي حتماً على آثار مدمرة بالنسبة للبلد الذي يتعرض له، وكذلك ينطوي على مخاطرة كبيرة لوحدة شعب هذا البلد ولسلامة حوزته الترابية. أقول التدخل العسكري الأجنبي أياً كان ومهما كانت أشكاله؛ لأن الحظر الجوي لا يصح ولا يتصور دون تدخل عسكري.
ممثل السعودية، سعود الفيصل، وزير الخارجية: الإدارة في ليبيا تعتبر أن الذين هم في المدن المختلفة مثل الجرذان، المفروض يقضى عليهم، هل هذا معقول؟ أنا أقدر صبر الليبيين، الحقيقة تحملوا الكثير من التشريد والتقتيل والإهانة. يا إخوان، والله عيب علينا إذا لم ننصر المظلوم، ليست من شيمنا العربية، إذا كان هناك حقيقة رغبة في المفاوضات، فليقم بالثلاث خطوات، يسحب قواته، يوقف القتال فوراً، عودة الناس إلى مدنهم، وبعد ذلك نبدأ المفاوضات. أما بغير ذلك فأنتم حكمتم بالقتل على باقي من تبقى من سكان المدن التي نسمع عنها كل يوم، يومياً أعمال قصف للمدن بالطائرات مشكلة سياسية عارضة؟ نريد أن نجد لها حلاً، لا، هي مشكلة سياسية خطيرة، وتمس عمق الضمير العربي، وعمق القيم الأخلاقية العربية، ليست إذن مسألة قانونية حتى يدرسها القانونيون، ولا حتى مشكلة سياسية، لكن أناساً يقتلون ويشردون، أناساً يقصفون كأنهم شارات لتدريب القوات المقاتلة... هل يجوز هذا؟
> ممثل اليمن، أبو بكر القربي، وزير الخارجية: الجمهورية اليمنية تؤكد على وحدة ليبيا، أرضاً وشعباً، وحق الشعب الليبي في التغيير الذي ينشده وبإرادته، فإنها تدعو كافة الأطراف إلى حقن الدم الليبي الغالي علينا جميعاً، مع تحمل مجلسنا مسؤولية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد للاقتتال، وتوفير الحماية للمواطنين الليبيين من خلال تحرك عربي لتطبيق الحظر الجوي.
> ممثل مصر، نبيل العربي، وزير الخارجية: من منطلق إنهاء القتال، من منطلق وقف إطلاق النار، من منطلق وقف إراقة الدماء، وحرصاً على الحفاظ على التوازن الضروري واللازم بين الواجب الأخلاقي والواجب القانوني الذي ينطلق من القانون الدولي الإنساني، بضرورة حماية المدنيين في ليبيا، وبين الالتزام السياسي والقانوني الذي يجب أن نضطلع به جميعاً لحماية وحدة وسيادة الأراضي الليبية، فإن مصر ترى أنه في حالة وجود توافق عربي بيننا هنا، فإن الموضوع يمكن أن يحال إلى مجلس الأمن لاتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لتحقيق هذه الأغراض، بما في ذلك إقامة منطقة حظر جوي لتحقيق أغراض الحماية الإنسانية للشعب الليبي الشقيق.
وهنا يجب أن أؤكد مرة أخرى أننا لا نطالب بحظر جوي مفتوح أو غير محدد، بل هناك أبعاد معينة لمثل هذا القرار، وأود أن أتحدث عن أربعة مبادئ أساسية. المبدأ الأول: ضرورة توفير أساس قانوني واضح لأي قرار بإقامة منطقة حظر جوي في ليبيا لحماية المدنيين، أي ضرورة أن يكون هناك قرار من مجلس الأمن، يعكس هذا القرار بوضوح إرادة المجتمع الدولي؛ لأن الحظر الجوي في نهاية المطاف ليس إجراء قتالياً، وإنما إجراء وقائي لوقف إطلاق النار، للتحقق من عدم إراقة الدماء، للتحقق من حماية المدنيين، سواء كانوا ليبيين أو غير ليبيين.
المبدأ الثاني: ألا يمس قرار بإقامة حظر جوي حركة الطيران المدني؛ لأن هناك دولاً كثيرة، بما فيها مصر، يقومون باتخاذ الإجراءات اللازمة لإجلاء رعاياهم جواً من ليبيا.
المبدأ الثالث: أهمية احترام مبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وألا يمس أي قرار يصدر عن مجلس الأمن بخصوص الحظر الجوي في ليبيا بسيادة أي دولة أخرى غير ليبيا، سواء من دول الجوار أو غيرها.
المبدأ الأخير: أهمية التمسك بوحدة الأراضي الليبية وسلامة ليبيا الإقليمية، وألا تؤسس أي منطقة حظر جوي تقسيم ليبيا بشكل فعلي، وذلك من خلال تحديد واضح لأغراض إنشاء منطقة حظر الطيران، نطاقها الجغرافي، شروط عملها، مدتها الزمنية، وهذا أمر مهم لأننا -ولن أدخل في هذا الموضوع- نعلم جميعا أن حظراً جوياً في عدة بلدان، من بينها دول عربية شقيقة، استمر لسنوات وسنوات، فيجب أن يكون هذا الموضوع واضحاً منذ البداية.
رفعت الجلسة في الساعة الرابعة والدقيقة الخمسين مساء، وانعقدت جلسة العمل الثانية المغلقة بعد ذلك بخمسين دقيقة، المتعلقة بالصياغة، وجرت فيها مناقشات كثيرة جداً فيما يخص مشروع القرار الذي سيخرج عن الاجتماع الوزاري. إلى أن انتهى الاجتماع إلى مجموعة من القرارات (منشورة في الكتاب)، مع تحفظ كتابي لسوريا، وآخر لموريتانيا، وتحفظ شفوي للجزائر، أهمها الذي يقول منطوقه:
الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فورياً، وإقامة مناطق آمنة في الأماكن المتعرضة للقصف، كإجراءات وقائية تسمح بتوفير الحماية لأبناء الشعب الليبي والمقيمين في ليبيا من مختلف الجنسيات، مع مراعاة السيادة والسلامة الإقليمية لدول الجوار.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.


«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».