5 لقاحات للحماية من «كورونا»

دخل بعضها حيز العمل

5 لقاحات للحماية من «كورونا»
TT

5 لقاحات للحماية من «كورونا»

5 لقاحات للحماية من «كورونا»

يبدو أن التحديثات حول تطوير لقاحات ضد «كوفيد - 19» تحدث بشكل شبه يومي، حالياً، حيث تتطلع أفضل العقول الطبية والعلمية حول العالم إلى وضع حد لوباء فيروس كورونا المستجد. وقد اتضحت معالم أهم خمسة لقاحات للفيروس التي تم تجهيزها أو من المرجح أن تكون جاهزة عاجلاً وليس آجلاً.
وكانت السلطات البريطانية استبقت وبسرعة مذهلة إدارة الدواء والغذاء الأميركية، وأعلنت بداية هذا الشهر منح ترخيص «طارئ» للقاح من شركتي الأدوية «فايزر» و«بيونتيك» بعد سبعة أشهر فقط من بدء التجارب السريرية، وذلك لاستخدامه في المملكة المتحدة. وتعد هذه أول موافقة على اللقاح الذي يحمل اسم «BNT162b2» على مستوى العالم. ويمكن أن يتلقى العاملون في الرعاية الصحية البريطانيون في الخطوط الأمامية، وكذلك موظفو دور الرعاية والمقيمون فيها جرعاتهم الأولى الأسبوع المقبل. كما وافقت الصين وروسيا على اللقاحات بالفعل، ولكن قبل أن تستكمل الجولة الأخيرة من الاختبارات عليها، ومن المتوقع أن تصدر الجهات المختصة في الولايات المتحدة وأوروبا قراراتها في الأسابيع المقبلة.

- لقاحات بريطانية وأميركية
>لقاح «أكسفورد - أسترا زينيكا»: لقاح أكسفورد هو شراكة بين جامعة أكسفورد وشركة أسترا زينيكا البريطانية - السويدية للأدوية ومقرها في كمبردج في بريطانيا. واللقاح عبارة عن فيروس غدّي معدل وراثياً يتسبب عادة في نزلات البرد لدى الشمبانزي، ولكن تم تعديله لحمل المخططات الخاصة بجزء من فيروس كورونا المعروف باسم بروتين «سبايك». وعندما يدخل اللقاح إلى الجسم فإنه يستخدم هذا الرمز الجيني لإنتاج البروتين السطحي للفيروس التاجي، ما يؤدي إلى استجابة تهيئ الجهاز المناعي لمحاربة الفيروس التاجي في حالة الإصابة. ويعد اللقاح حالياً أرخص أنواع اللقاحات في الإنتاج ويمكن تخزينه في درجة حرارة قياسية تتراوح بين درجتين وثماني درجات مئوية في الثلاجات الموجودة في معظم المستشفيات. وتمت إحالة اللقاح بالفعل إلى الهيئة التنظيمية الطبية في المملكة المتحدة، وهي وكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية (MHRA) للموافقة عليها.
> لقاح «فايزر - بيونتيك»: لقاح فايزر يتكون من جسيمات نانوية دهنية تحيط بشريط من الحامض النووي الريبي المسمى «الرنا المرسال» (mRNA) الذي استخلصه العلماء من الفيروس، حسب الدراسة التي نشرت في سبتمبر (أيلول) الماضي في دورية «لانسيت» الطبية. ويتم حقن اللقاح في جرعتين بفاصل 3 أسابيع. وبعد حقنة تنقل الكبسولة الدهنية حمولتها إلى داخل خلايا الجسم، وهذا ما يحفزها على تكوين بروتين «سبايك»، وهو ما يساعد الجهاز المناعي في التعرف على فيروس كورونا ومن ثم مهاجمته.
ويعد لقاح فايزر تقنية حديثة لم تستخدم سابقاً مع البشر، حيث يتم حقن الشفرة الجينية أو الرنا المرسال (mRNA) الذي يحمل المعلومات لإنتاج البروتينات الموجودة على سطح الفيروس، وهي نتوءات «بروتين سبايك» التي بواسطتها يلتصق الفيروس عادة بالمستقبلات على سطح الخلية البشرية.
يعمل لقاح فايزر بشكل جيد في الأشخاص الأكبر سناً والأكثر ضعفاً، إلا أن المشكلة الرئيسية التي يتعين على شركة فايزر التغلب عليها تتمثل في كيفية تخزين لقاحها وتوزيعه، إذ يجب الاحتفاظ باللقاح في درجة حرارة تصل إلى 70 درجة مئوية تحت الصفر، وسوف يتحلل في غضون خمسة أيام تقريباً في درجات حرارة التبريد العادية. في المملكة المتحدة توجد المجمدات ذات درجة الحرارة المنخفضة للغاية في الغالب بالمستشفيات أو مرافق الجامعة وليس في عيادات الأطباء التقليدية. وهذا يجعل توزيع لقاح فايزر على الدول ذات الناتج المحلي الإجمالي المنخفض أكثر صعوبة.
> لقاح «موديرنا»: لا يشير لقاح شركة موديرنا الأميركية إلى عودة محتملة إلى الحياة الطبيعية فحسب، بل يشير أيضاً إلى اختراق طبي. ويعتمد لقاح موديرنا أيضاً على نفس تقنية فايزر أي «الرنا المرسال» (mRNA)، حيث تستخدم الخلايا هذه المعلومات الجينية، لإنتاج جزء من الفيروس الذي يسبب «كوفيد - 19» والذي بدوره يحفز الاستجابة المناعية. يقول بيتر أوبنشو أستاذ الطب التجريبي في إمبريال كوليدج لندن وعضو اتحاد علم المناعة لفيروس كورونا في المملكة المتحدة: «إنها في الحقيقة مجرد إشارة كيميائية توجه الخلية إلى صنع البروتين. إنها مسألة كيمياء واضحة».
الفوائد المحتملة للقاحات «mRNA» مثل لقاحات موديرنا عظيمة. يمكن أن تكون أسرع في الإنتاج وأكثر فاعلية من اللقاحات النموذجية ويمكن إعادة صياغتها بسهولة إذا تحور الفيروس. وتدعي «موديرنا» أيضاً أن لقاحها يمكن أن يظل ثابتاً عند درجتين إلى ثماني درجات مئوية وهي درجة حرارة الثلاجة الطبية ولمدة 30 يوماً. ويضيف أوبنشو: «إنها تقنية مرنة جداً وسريعة جداً تفتح حقاً مجالاً جديداً بالكامل لتطوير اللقاح، ويمكنك إعادة صياغة نفس التكنولوجيا لصنع لقاح ضد العديد من الأمراض الأخرى التي نرغب في الحصول على لقاح لها».
وفي 4 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، قالت «موديرنا» إن لقاحها لديه القدرة على منح مناعة طويلة المدى. ووفقاً لدراسة أجراها المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، فقد احتفظ المشاركون في مرحلة تجريبية سابقة للقاح المرتقب بمستويات عالية من الأجسام المضادة المعادلة لمدة ثلاثة أشهر بعد التطعيم الأول، حسب تقرير لموقع «ماركيت ووتش».

- لقاحات روسية وصينية
> اللقاح الروسي «سبوتنيك 5»: المرشح الأول في روسيا للقاح «كوفيد - 19» هو Gam-COVID-Vac أو سبوتنيك «Sputnik V»، كما أطلقت عليه حكومة البلاد، وقد شرعت السلطات في حملة التطعيم به هذا الأسبوع. فقد اتخذ مطورو اللقاح مركز Gamaleya الذي تديره الدولة الروسية نهجاً مشابهاً لباحثي أكسفورد في إنشاء لقاح سبوتنيك. وكشف الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار الروسي المباشر كيريل ديمترييف أن اللقاح الروسي ضد فيروس كورونا المستجد يختلف عن غيره من اللقاحات التي يتم تطويرها، لأنه مستند إلى ناقلات فيروسات غُدانية بشرية بدلاً من استخدام ناقلات الفيروسات الغدية من الشمبانزي، كما الحال في «أسترا زنيكا»، ما يجعله أكثر أماناً. وقال الباحث كيريل ديمترييف: «ما هو مهم بشأن ناقلات الفيروسات الغدانية البشرية هذه هو أنها تأتي من فيروس بشري نموذجي وتمت دراستها منذ عقود، وهي مختلفة جداً عن تقنيات mRNA أو ناقلات الفيروسات الغُدّانية لدى القرود، التي لم تتم دراستها بشكل مكثف». وأضاف: «إذن ناقلات الفيروسات الغُدّانِية البشرية تمت دراستها منذ عقود وعلى أساسها طورت روسيا لقاحاً ضد إيبولا منذ 6 أعوام، وعملنا على تطوير لقاح ضد فيروس (متلازمة الشرق الأوسط لالتهاب الرئوي)، (ميرس MERS)، منذ عامين، كما أننا استخدمنا منصات تمت الموافقة عليها بالفعل في روسيا، وتم إثبات سلامتها واستخدمناها ضد كورونا». وأوضح ديمترييف أنه تم استخدام فيروس إنفلونزا نموذجي يسمى الفيروس الغداني لديه جزء من بروتين «سبايك»، الذي يغلف فيروس كورونا. وأضاف أن اللقاح الروسي لا يحمل فيروس كورونا نفسه، بل يحمل جزءاً من بروتين سبايك، قائلاً: «نحن نعطي اللقاح بجرعتين من أجل تعزيز المناعة. الجرعة الثانية تعزز المناعة بنحو 6 مرات أكثر مقارنة بالجرعة الأولى، وما شهدناه هو أنه ما من أعراض جانبية شديدة لدى من تلقوا اللقاح، بل تكونت لديهم نسبة عالية من الأجسام المضادة، ما يفسر بأن اللقاح مستند إلى فيروس بشري شائع وقد عدلناه بطريقة تمنع تكاثره».
> اللقاح الصيني كانسينو (CanSino Biologics): لقاح «كوفيد - 19» الذي تمت تسميته «Ad5-nCoV»، والذي ابتكرته شركة CanSino Biologics الصينية كان أول لقاح حصل على الموافقة لاستخدامه لدى البشر، بعد أن وجدت تجارب المرحلة الثانية من اللقاح المعتمد على الفيروس الغدي أنه آمن للاستخدام على البشر. وفي 25 يونيو (حزيران) 2020 تمت الموافقة للاستخدام العسكري لمدة عام واحد، وفي الأيام الأخيرة تم منح CanSino أول براءة اختراع للقاح «كوفيد - 19» في الصين.
ولقاح «الفيروس المعطل» يعتمد على أخذ عينة من الفيروس يتم عزلها من مريض ثم يتم قتل الفيروس باستخدام مادة كيميائية. ويشتمل اللقاح على الفيروس المعطل ممزوجاً بهيدروكسيد الألومنيوم، وهو مادة مساعدة لأنه من المعروف أنها تعزز الاستجابات المناعية. وهذه التقنية قديمة تم استخدامها في لقاحات أخرى، وهو ما يميزها عن اللقاحات الأخرى لفيروس كورونا المستجد التي دخلت مرحلة التجارب السريرية، حيث يوجد حالياً 42 لقاحاً في مرحلة التجارب؛ منها لقاحات الفيروس المعطل مع لقاحات تستخدم تقنيات بلازميد الحامض النووي والفيروس الغدي والحامض النووي الريبي والبروتينات الفرعية والجسيمات الشبيهة بالفيروس.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».