بايدن يشبّه أوضاع بلاده بفترة «الكساد الكبير» في الثلاثينات

يعد قرارات تنفيذية لإلغاء سياسات ترمب ويعدل جدول أعماله لسن تشريعات وسطية

جو بايدن لدى وصوله إلى مقرّ فريقه الانتقالي في ويلمينغتون الخميس (أ.ب)
جو بايدن لدى وصوله إلى مقرّ فريقه الانتقالي في ويلمينغتون الخميس (أ.ب)
TT

بايدن يشبّه أوضاع بلاده بفترة «الكساد الكبير» في الثلاثينات

جو بايدن لدى وصوله إلى مقرّ فريقه الانتقالي في ويلمينغتون الخميس (أ.ب)
جو بايدن لدى وصوله إلى مقرّ فريقه الانتقالي في ويلمينغتون الخميس (أ.ب)

شبّه الرئيس المنتخب جو بايدن الظروف الحالية التي تمر فيها الولايات المتحدة بتلك التي شهدتها إبان فترة «الكساد الكبير» في الثلاثينات من القرن الماضي. بينما شرع فريقه في إدخال تعديلات على جدول أعماله لمواجهة تحديات الحكم، خشية الوصول إلى بداية متعثرة بسبب الانقسامات العميقة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس، مما يمكن أن ينعكس سلباً على إقرار التشريعات التي يتطلع إليها في ظل تفشي جائحة «كوفيد - 19».
وأفاد مطلعون على الجهود التي يقوم بها فريق الرئيس المنتخب أنه يمكن أن يستعيض عن المتابعة الفورية للقوانين الطموحة التي كان يقترحها في شأن مكافحة تغير المناخ، ويمكن أن تسعى إدارته إلى دمج الأحكام الخاصة بهذا الملف في سياق مشروع قانون خاص بالمساعدة على مكافحة فيروس «كورونا». ويُتوقع أن يُجري تغييرات أصغر على قانون الرعاية الميسّرة التكلفة، مقابل خوض معركة أكثر إثارة للجدل حول إيجاد خيار رسمي في المنافسة مع شركات التأمين الخاصة. ويعمل أيضاً بالفعل على إصدار مجموعة من القرارات التنفيذية خلال الأيام المائة الأولى له في البيت الأبيض، بغية تحقيق بعض أولوياته الأكثر جرأة من دون الحاجة إلى تجاوز الجمود الراهن في الكونغرس. وهو يخطط بالفعل لعكس تراجع الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب عن عدد من إجراءات حماية الصحة العامة والبيئة التي وضعتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. وسيعود إلى منظمة الصحة العالمية واتفاق باريس للمناخ، مع إلغاء الحظر المفروض على السفر من بعض البلدان ذات الغالبية المسلمة. وتعكس المناورة واقعاً سياسياً مخيباً بالنسبة إلى بايدن، الذي أطلق خلال حملته وعوداً بمعالجة مشكلات الأميركيين عبر إجراءات توازي في أهميتها التشريعات الإصلاحية التي أعدها الرئيس السابق فرانكلين روزفلت بعد «الكساد الكبير».
وفي مقابلة شاركت فيها أيضاً نائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس عبر شبكة «سي إن إن» الأميركية للتلفزيون، عرض بايدن برنامجاً لتغيير حاد عن نهج ترمب. وأشار إلى التحديات الكبرى التي واجهها روزفلت، معتبراً أن الظروف الحالية «لا تختلف عما حصل عام 1932» حين حصل «تغيير جوهري، ليس فقط هنا في الولايات المتحدة، ولكن في كل أنحاء العالم». وقال: «نحن في خضم هذه الثورة الصناعية الرابعة»، والأميركيون يتساءلون: «هل ستكون هناك طبقة وسطى؟ ماذا سيفعل الناس؟ هناك قلق واقعي وحقيقي».
ورأى أنه من المهم أن يحضر ترمب حفل التنصيب في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل لإظهار التزام البلاد بالانتقال السلمي للسلطة بين الخصوم السياسيين، ولتكون الولايات المتحدة قدوة للدول الأخرى في العملية الديمقراطية.
- وعود سهلة وإنجازات صعبة
وحيال الأجندة التي أعدّها بايدن، يقر الديمقراطيون الآن بأن الإنجازات التشريعية الكبيرة غير مرجحة حتى لو حصل حزبهم على الغالبية في مجلس الشيوخ. وقال السيناتور الديمقراطي ديك دوربين: «لنفترض أن حلمي تحقق» بالحصول على الغالبية، «يتعين علينا أن نصمم بعناية أي تغيير في قانون الرعاية بأسعار معقولة، أو أي قضية أخرى، مثل تغير المناخ، بناءً على واقع مجلس الشيوخ المكون من 50 إلى 50»، افتراضاً أن المرشحين الديمقراطيين سيفوزان بمقعدي مجلس الشيوخ خلال دورة الإعادة في جورجيا مطلع الشهر المقبل.
وفي هذه الحال، ستحظى بنود جدول أعمال بايدن بفرصة أفضل في المجلس. أما إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم، فيمكن لزعيم الغالبية ميتش ماكونيل ألا يضع أولويات الرئيس الجديد على جدول أعمال مجلس الشيوخ. وكان بايدن قد وعد باتخاذ إجراءات تشريعية كبيرة في شأن إصلاح الهجرة ومراقبة الأسلحة، لكن الجهود التشريعية السابقة أخفقت أكثر من مرة. كما تعهد بالتراجع عن تخفيضات ترمب الضريبية للأثرياء، والإعفاء من بعض ديون الطلاب، وجعل بعض الكليات العامة مجانية. وسيكون من الصعب تمرير كل هذه المسائل في ظل التوازنات الحالية في مجلس الشيوخ.
- بداية جيدة
ويُتوقع أن يركز بايدن أولاً في تلة الكابيتول على مشروع قانون مساعدات بمليارات الدولارات لمكافحة «كورونا»، والذي يحتاج إلى المزيد من المفاوضات السياسية بعدما وصل المشرعون إلى طريق مسدود. وأعلن بايدن أنه يدعم مشروع قانون تسوية بقيمة 900 مليار دولار قدمه المفاوضون من الحزبين، معتبراً أنه «بداية جيدة» ولكنه «غير كافٍ». وكذلك أشار أعضاء فريقه الانتقالي إلى إعطاء حوافز يمكن أن تيسّر القيام ببعض الإصلاحات المناخية التي سيحتاجون إلى التفاوض عليها مع الجمهوريين، من أجل الموافقة على دعم «الوظائف الخضراء» أو نقل الولايات المتحدة في اتجاه نظام طاقة خالٍ من الكربون.
ولمّح بعض الجمهوريين إلى أنهم يمكن أن يتعاونوا في بعض المجالات إذا قارب المفاوضات بحسن نية. وقال الرئيس المشارك لخدمات الضرائب الوطنية بواشنطن في «برايس ووترهاوس كوبرز»، روهيت كومار، إن «هناك أشياء في الوسط، إذا كان بايدن على استعداد لعقد صفقات وسطية - وهذا يعني الاستعداد لعقد اتفاقات لا يحبذها التقدميون».
وبالفعل، يمكن أن تأتي العقبات من أعضاء الجناح التقدمي الليبرالي لدى الحزب الديمقراطي الذين عبّروا عن مخاوفهم من «تسويات مسمومة مع ماكونيل»، عبر الناطق باسمهم وليد شهيد.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».