«قمة الرياض 2020»... قيادة الجهود لكبح «التغيّر المناخي»

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: رئاسة السعودية لـ «مجموعة العشرين» تحفّز وقف التدهور البيئي وحماية التنوع الحيوي والحد من الانبعاثات

شعب مرجانية على ضفاف البحر الأحمر لمشروع «آمالا» العملاق غرب السعودية (الشرق الأوسط)
شعب مرجانية على ضفاف البحر الأحمر لمشروع «آمالا» العملاق غرب السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«قمة الرياض 2020»... قيادة الجهود لكبح «التغيّر المناخي»

شعب مرجانية على ضفاف البحر الأحمر لمشروع «آمالا» العملاق غرب السعودية (الشرق الأوسط)
شعب مرجانية على ضفاف البحر الأحمر لمشروع «آمالا» العملاق غرب السعودية (الشرق الأوسط)

يأتي التغيّر المناخي ليكون قضية وجودية لبعض الدول وغير ذات قيمة للبعض الآخر، إلا دول مجموعة العشرين خلال رئاسة السعودية، واصلت الجهود المشتركة للتصدي للتغير المناخي مع استمرار النمو السكاني وزيادة الانبعاثات، ما يرفع الحاجة للحفاظ على كوكب الأرض من أسوأ السيناريوهات المحتملة، التي يحذر منها الخبراء، مع كون دول مجموعة العشرين مسؤولة عن 80 في المائة من مجمل الانبعاثات الكربونية حول العالم.
وتزداد هذه التحديات بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية رسمياً من اتفاقية باريس للمناخ، وتصدر الصين رأس الدول المصدرة للتلوث، في حين تبذل السعودية جهوداً كبيرة، منها تصدير أرامكو أول شحنة في العالم من الأمونيا الزرقاء لاستخدامها في توليد الطاقة الخالية من الكربون، ضمن مفهوم اقتصاد الكربون الدائري، لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وإزالتها وإعادة تدويرها، وإعادة استخدامها، بدلاً من إطلاقها في الغلاف الجوي.

- توصيات «العشرين»
وأكدت «قمة الرياض 2020» لقادة مجموعة العشرين على الحد من التدهور البيئي، والحفاظ على التنوع الحيوي، والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية وإصلاحها، والمحافظة على المحيطات، وتشجيع توفر الهواء والماء النظيفين، والتعامل مع الكوارث الطبيعية والظواهر المناخية الشديدة... ومعالجة التغيّر المناخي تعد ضمن التحديات الملحة لهذا العصر.
ونقلاً عن البيان الختامي للقادة حيث أوردوا: «نعزز إصرارنا على حماية بيئتنا البحرية والبرية قبل مؤتمر الأطراف الخامس عشر المقبل في إطار اتفاقية التنوع البيولوجي»، مضيفين: «نُطلق منصة تسريع أبحاث وتطوير الشعاب المرجانية للحفاظ على الشعاب المرجانية إلى جانب المبادرة العالمية للحد من تدهور الأراضي وتعزيز حماية الموائل البرية لإصلاح الأراضي ومنع ووقف تدهورها».

- الاحتباس الحراري
ويوضح الدكتور عبد الله المسند، أستاذ المناخ في قسم الجغرافيا بجامعة القصيم، أن قضية الاحتباس الحراري الذي أدى إلى تغير المناخ على كوكب الأرض قضية كونية أممية، وهي ليست بالقضية السهلة، قائلاً: «توصل العالم إلى قناعة أن المناخ فعلاً قد ‏تغير، وهذا التغير والتحول بسبب الإنسان وأنشطته الحضرية المدنية؛ وهذه القناعة - بحد ذاتها - مكسب ‏وخطوة إيجابية للأمام».
ويتابع المسند لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «‏الهدف من المؤتمرات والاجتماعات المتتالية لمناقشة التغير المناخي هو السعي إلى الحد من ارتفاع معدل درجة حرارة الأرض عبر تخفيض كميات الانبعاثات من غازات ‏الدفيئة، مثل ثاني ‏أكسيد الكربون، والميثان وغيرهما».‏
ويشير المسند إلى أن الصين تعد من أكثر دول العالم تلويثاً للغلاف الجوي، وفقاً للدراسات، تليها الولايات المتحدة الأميركية، ثم روسيا، والهند، وخامسها اليابان، قائلاً: «من ‏هذه القيم ‏المزعجة يتضح أن للعالم قطبين ملوثين، هما: الصين والولايات المتحدة الأميركية».
واستطرد: «الطبيعة ليست مزاجية الاختيار، فالكل واقع تحت طائل العواقب الوخيمة جراء التغير المناخي المتصاعد بما فيها الصين والهند والولايات المتحدة الأميركية».

- الغازات الدفيئة
معظم ‏‏الدراسات المستقلة تظهر ارتفاعاً في درجة الحرارة جراء ارتفاع نسبة غازات الدفيئة بالجو التي تؤدي إلى الاحتباس الحراري المتراكم الذي سينجم عنه ارتفاع درجة ‏‏الحرارة وذوبان المجلدات، كما يفيد المسند، مشيراً إلى ارتفاع منسوب سطح البحر ومن ثم غرق بعض الشواطئ والمدن الساحلية المنخفضة، ومنها التأثير على حدود المحاصيل المناخية ‏‏الجغرافية، وتفاقم أزمة المياه في المناطق الصحراوية، وازدياد عنف العناصر المناخية وأمور قد لا يدركها الإنسان.
ويردف المسند: «أزعم أن درجة الحرارة العالمية ستواصل زحفها البطيء إلى القمة، والمجلدات في القطبين ستواصل انصهارها التدريجي، ومستوى البحار والمحيطات سيواصل ارتفاعه ‏‏التدريجي، وحالات الطقس العنيفة وغير المعهودة ستواصل كسر السجلات المناخية التاريخية... سوف يعاني العالم من التغيرات المناخية بشكل متفاوت».

- الجهود السعودية
وأمام هذه التحديات العالمية الشاقة، يرى المسند أن السعودية وإن كانت من أقل الدول تلويثاً للأجواء، فإن لها جهوداً كبيرة للمساهمة في الحد من انبعاثات غازات ‏الدفيئة، والتوسع في استخدام الطاقة المستدامة والنظيفة، من أبرزها بناء مشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر وإنتاج الأمونيا ‏الخضراء ‏الذي يعد الأول في العالم.
وأضاف: «ستقوم السعودية بنقل المنتج الجديد إلى جميع أنحاء العالم ليستخدم في قطاع النقل والمواصلات بدلاً من الوقود الأحفوري، ‏وليسهم في الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، ‏ومن جهة أخرى، جارٍ العمل في السعودية على الاستفادة من الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح لإنتاج طاقة ‏متجددة وخضراء، ولعل هذا بدأ يتجسد في منطقة الجوف عبر مشروع توليد الطاقة الكهربائية من خلال طاقة الرياح».‏
من ناحيته، يؤكد فيصل المجلي، وهو أكاديمي بقسم الجغرافيا بجامعة الملك سعود، أن السعودية سعت منذ وقت طويل لحماية مصالحها الاقتصادية المتمثلة في جزءها الأكبر من مصادر الطاقة الحيوية، إلا أنها وفي الوقت نفسه كانت داعمة ومؤيدة بذكاء لكثير من الاتفاقيات البيئية والمناخية، وذلك لضمان استدامة اقتصادها من جهة مع المحافظة على البيئة ومواردها من جهة أخرى.

- رئاسة «العشرين»
وعن ملف التغير المناخي بقيادة المملكة على طاولة مجموعة العشرين، يقول المجلي: «على الرغم من المبادرات والجهود المبذولة من قبل دول مجموعة العشرين، فإن بعض الدول لم تحقق جزءاً كبيراً من الأهداف والالتزامات الوطنية التي قدمتها لاتفاقية باريس».
ويرى المجلي أن ذلك يتزامن مع انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاقية التي تهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية بواقع 45 في المائة بحلول 2030 مع مستوى انبعاثات صفرية بحلول 2050 للحيلولة دون ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض عن 1.5 درجة مئوية بالمقارنة مع درجات الحرارة قبل فترة عصر النهضة الصناعية.
ويتابع: «عند النظر إلى السيناريوهات الأقل تفاؤلاً وهي المحافظة على عدم ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض عن درجتين مئوية، فإنه لتحقيق هذا الهدف تشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى ضرورة تخفيض الانبعاثات بنسبة 25 في المائة بحلول 2030 مع مستوى انبعاثات صفرية بحلول 2075، إلا أنه من الواضح في ظل السياسات المناخية الحالية فإن تحقيق الأهداف السابق ذكرها يبدو مستحيلاً».

- منصة الاقتصاد الدائري
ويعتقد المجلي أن أنظار العالم أجمع تتوجه إلى الفكرة الرائدة التي طرحها وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي تقدم باعتماد منصة ونهج الاقتصاد الدائري للكربون، مضيفاً بالقول: «إنه نهج شامل ومتكامل وجامع وواقعي يعمل على السيطرة على الانبعاثات، ويمكن تطبيقه على نحو يعكس أولويات كل دولة وظروفها الخاصة».
وزاد المجلي: «يبدو أن إطلاق نهج الاقتصاد الدائري للكربون بالتزامن مع انعقاد مجموعة العشرين في المملكة لم يكن محض صدفة، بل هو نتيجة جهود جبارة يبذلها مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية».

- اتفاقية المناخ
من جانبه، يوضح جمال العبيريد، الأمين العام لاتحاد الكيميائيين الخليجي، أن التزام السعودية باتفاقية المناخ ينطلق من مستوى تأثيرها العالمي وأهمية دورها لاستقرار الاقتصاد العالمي، حيث ترجمته رؤية السعودية 2030 برسم خريطة طريق واضحة المعالم في مجال الطاقة تستهدف الوصول إلى خفض الاعتماد على المصادر الكربونية للطاقة بمقدار 50 في المائة بحلول عام 2030، وأن تكون النسبة المتبقية من إنتاج الطاقة السعودية من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية للأغراض السلمية.
ويؤكد العبيريد لـ«الشرق الأوسط» أن ذلك يأتي مع الأخذ بالاعتبار رفع كفاءة المصادر الكربونية الحالية للطاقة والتقاط الكربون المنبعث وتدويره، من خلال ما يعرف بالاقتصاد الدائري للكربون وإعادة إنتاجه على صورة منتجات مفيدة وصديقة للبيئة. ويضيف: «ترجمت السعودية التزامها باتفاقية باريس للمناخ التي وقعتها في 2016 للوصول إلى الاقتصاد المستدام منخفض الكربون في 2030 من خلال العديد من البرامج والمبادرات».
وعن أهم تلك المبادرات، يتناول العبيريد مشروع مدينة (نيوم) التي تعد إحدى أهم ركائز اقتصاد الطاقة السعودي، قائلاً: «مدينة نيوم وحدها سوف تكون مصدراً لربع إنتاج الطاقة في المملكة عند اكتمالها، حيث ستحتاج السعودية بحسب التوقعات إلى 120 غيغاواط من الطاقة في 2030، منها 30 غيغاواط فقط سيأتي من نيوم من خلال الطاقة الشمسية».


مقالات ذات صلة

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
TT

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ يوم الجمعة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «الاستسلام غير المشروط» لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وذلك في ظلّ تجدد الهجمات على إيران.

وارتفع سعر خام برنت بحر الشمال، المعيار الدولي، بأكثر من 5 في المائة ليصل إلى 90.25 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2024. كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، بنسبة 8.1 في المائة ليصل إلى 87.56 دولار للبرميل.


الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
TT

الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)

شهد الاقتصاد الأميركي انخفاضاً غير متوقع في عدد الوظائف خلال شهر فبراير (شباط)، نتيجة إضراب العاملين في قطاع الرعاية الصحية والظروف الشتوية القاسية، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة.

وذكر مكتب إحصاءات العمل الأميركي في تقريره السنوي الذي يحظى بمتابعة دقيقة، أن الوظائف غير الزراعية انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يناير (كانون الثاني) نزولاً من زيادة قدرها 126 ألف وظيفة. وكان خبراء اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة في الوظائف بمقدار 59 ألف وظيفة، بعد زيادة بلغت 130 ألف وظيفة في يناير وفقاً للإعلانات السابقة.

وتراوحت توقعات الخبراء بين خسارة 9 آلاف وظيفة وزيادة 125 ألف وظيفة. إلى جانب إضراب 31 ألف عامل في مؤسسة «كايزر بيرماننت» في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية، جاء الانخفاض الأخير في التوظيف بمثابة تصحيح بعد المكاسب الكبيرة المسجلة في يناير.

وأشار الخبراء إلى أن مكاسب يناير كانت مدعومة بتحديث نموذج المواليد والوفيات الذي يستخدمه مكتب الإحصاءات لتقدير عدد الوظائف المكتسبة أو المفقودة نتيجة فتح أو إغلاق الشركات. وقد انتهى الإضراب في ولايتي كاليفورنيا وهاواي منذ ذلك الحين.

واستقر سوق العمل بعد تعثره في عام 2025 في ظل حالة من عدم اليقين الناجمة عن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب بموجب قانون للطوارئ الوطنية. وعلى الرغم من إلغاء المحكمة العليا الأميركية لهذه الرسوم، رد ترمب بفرض رسوم استيراد عالمية بنسبة 10 في المائة، ثم أعلن لاحقاً رفعها إلى 15 في المائة.

وأدرج مكتب إحصاءات العمل ضوابط جديدة للنمو السكاني، تأخرت بسبب إغلاق الحكومة الأميركية لمدة 43 يوماً العام الماضي. كما ساهمت تشديدات إدارة ترمب على الهجرة في انخفاض المعروض من العمالة، مما أبطأ من حركة سوق العمل.

وقدّر المكتب أن عدد سكان الولايات المتحدة ارتفع بمقدار 1.8 مليون نسمة فقط، أي بنسبة 0.5 في المائة، ليصل إلى 341.8 مليون نسمة في السنة المنتهية يونيو (حزيران) 2025. وقد أثّرت ضوابط النمو السكاني على بيانات مسح الأسر لشهر يناير فقط، ما يعني أن مستويات التوظيف والبطالة والقوى العاملة الشهرية لا يمكن مقارنتها مباشرة. وبلغ معدل البطالة 4.3 في المائة في يناير. ورغم ارتفاعه في فبراير، يبقى المعدل منخفضاً تاريخياً، حيث أشار الاقتصاديون إلى أنهم لن يشعروا بالقلق إلا إذا تجاوز 4.5 في المائة.

ومع تهديد الحرب في الشرق الأوسط بإذكاء التضخم، يرى الاقتصاديون أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في عجلة لاستئناف خفض أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات جمعية السيارات الأميركية ارتفاع أسعار البنزين بالتجزئة بأكثر من 20 سنتاً للغالون منذ الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران الأسبوع الماضي، وردت طهران، مما وسّع نطاق النزاع نحو صراع إقليمي أوسع وفق المحللين.

ويحذر الخبراء من المخاطر السلبية على سوق العمل جراء استمرار الحرب؛ إذ تتسبب التقلبات في سوق الأسهم في دفع الأسر ذات الدخل المرتفع، المحرك الرئيسي للاقتصاد عبر الإنفاق الاستهلاكي، لتقليص نفقاتها.

ومن المتوقع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه المقبل يومي 17 و18 مارس (آذار) سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة.


الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)

أحدثت موجة خروج الأموال من الأصول عالية المخاطر اضطراباً في الأسواق الناشئة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، غير أن بعض المستثمرين يراهنون على أن قوة الأسس الاقتصادية وتغير التوازنات الجيوسياسية قد يسمحان باستئناف موجة الصعود التي استمرت نحو عام.

وقد دفع القصف الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عملات وأسهم الأسواق الناشئة نحو تسجيل أكبر خسائر أسبوعية لها منذ جائحة كوفيد-19، في حين تعرضت السندات أيضاً لتراجعات حادة، وفق «رويترز».

وقام بنك «جي بي مورغان» بخفض توصيته بزيادة الوزن النسبي لاستثمارات العملات الأجنبية والسندات المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة إلى مستوى «محايد للسوق»، مشيراً إلى حالة عدم اليقين. كما قلّص بنك «سيتي» انكشافه على عملات الأسواق الناشئة إلى النصف.

لكن مستثمرين مخضرمين يرون أن اقتصادات الأسواق الناشئة، ما لم تتعرض لصدمات كبيرة إضافية أو لفترة مطوّلة من ارتفاع أسعار الطاقة، قادرة على التعافي، مع بروز مؤشرات أولية على ذلك بالفعل.

وقالت كاثي هيبورث، رئيسة فريق ديون الأسواق الناشئة في «بي جي آي إم» للدخل الثابت: «لا أعتقد أننا شهدنا بعد ما يمكن وصفه بخروج الأموال الاستثمارية الحقيقية أو الأموال العابرة بين الأسواق. لا يزال هناك مستثمرون على الهامش كانوا ينتظرون تصحيحاً في الأسواق للدخول أو لزيادة مستوى انكشافهم».

متداول يراقب الأسهم في بورصة باكستان بكراتشي (إ.ب.أ)

نهاية الاتجاه أم مجرد توقف مؤقت؟

فمن الأسهم إلى السندات والعملات، كانت الأسواق الناشئة قد فاقت التوقعات جميعها حتى هذا الأسبوع.

وقد تضخمت التدفقات إلى هذه الأصول منذ بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) 2025. وأصدرت الدول الناشئة حجماً قياسياً من الديون في يناير، في وقت ارتفعت فيه الأسهم بقوة، بينما ضخ المستثمرون الباحثون عن العوائد أموالاً في ديون الأسواق الحدودية المقومة بالعملات المحلية.

ومع ذلك، كان المستثمرون قد حذروا مسبقاً من أن بعض «الأموال الساخنة» المقبلة من صناديق التحوط ومستثمرين غير متخصصين قد تغادر الأسواق سريعاً إذا تغير اتجاهها.

وقد أدى القصف الأميركي–الإسرائيلي لإيران إلى حدوث ذلك بالفعل، مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة؛ إذ ارتفع الدولار إلى جانب الذهب، بينما تزايدت التدفقات نحو السيولة النقدية.

وقال جيمس لورد، الرئيس العالمي لاستراتيجيات العملات والأسواق الناشئة في «مورغان ستانلي»: «لقد شهدنا صدمة كبيرة في الأسواق... وقد نشهد المزيد إذا ارتفعت أسعار النفط أكثر».

وأظهرت البيانات أن مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم الأسواق الناشئة فقد أكثر من تريليون دولار من قيمته السوقية منذ بلوغه الذروة يوم الخميس الماضي وحتى إغلاق الأربعاء.

وكان أحد أبرز التراجعات في مؤشر «كوسبي» الكوري للأسهم، الذي خسر نحو 20 في المائة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء في أكبر هبوط بتاريخ المؤشر. وكان هذا المؤشر، المتأثر بشدة بالاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق، قد سجل أفضل أداء بين أسهم الأسواق الناشئة.

وقال جوناس غولترمان، نائب كبير اقتصاديي الأسواق في «كابيتال إيكونوميكس»: «هذا بيع بدافع الذعر إلى حد ما»، مضيفاً أن ذلك يعكس سيطرة آلة السوق على العوامل الأساسية للاقتصاد.

لكن المؤشر استعاد جزءاً من خسائره يوم الخميس، مرتفعاً بنحو 10 في المائة، ولا يزال مرتفعاً بأكثر من 30 في المائة منذ بداية العام.

يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام الشاشات في بنك «هانا» بسيول (إ.ب.أ)

أسس قوية... ودرع في مواجهة الاضطرابات

ويرى مستثمرون أن السنوات التي قضتها العديد من الأسواق الناشئة والحدودية في تعزيز أوضاعها المالية وترسيخ الثقة في بنوكها المركزية قد تزيد أيضاً من جاذبيتها خلال أزمة مطوّلة.

وأشار لورد إلى أن العديد من البنوك المركزية اتبعت «نهجاً حذراً وموثوقاً للغاية في دورات التيسير النقدي»، ما ساعد على كبح التضخم ودعم العملات المحلية أمام الدولار.

كما أجرت دول مثل مصر ونيجيريا، حيث كان من الصعب سابقاً إعادة تحويل الأموال إلى الخارج، إصلاحات لتحسين وصول المستثمرين إلى أسواقها. ويرى بعض المحللين أن التدفقات الخارجية في الأيام الأخيرة تُظهر أنها أصبحت وجهة استثمارية موثوقة.

وقالت إيفيت باب، مديرة المحافظ الاستثمارية في «ويليام بلير»: «الأسواق الحدودية التي تلقت تدفقات كبيرة تُظهر الآن قدرتها على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، كما تُظهر مرونة في أسعار الصرف، وهو ما نراه عنصراً إيجابياً في مثل هذه الظروف لإدارة الصدمات الخارجية من هذا النوع».

وأضافت: «نعتقد أن الأسس الاقتصادية في الأسواق الناشئة قوية بما يكفي لتحمّل صدمة خارجية، طالما أن التطورات الحالية لا تعرقل مسار النمو العالمي».

ووفقاً لبنك «باركليز»، سجلت صناديق السندات والأسهم في الأسواق الناشئة تدفقات داخلة خلال الأسبوع المنتهي في 4 مارس (آذار)، رغم الاضطرابات.

تهديد النفط

ويظل ارتفاع أسعار النفط أكبر مصدر تهديد. فاستمرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة قد يؤدي إلى تسارع التضخم العالمي، وإضعاف النمو، كما قد يحد من قدرة بعض البنوك المركزية في الأسواق الناشئة على مواصلة خفض أسعار الفائدة.

وقالت ليلى فوري، الرئيسة التنفيذية لبورصة «جوهانسبرغ»، في تصريح لـ«رويترز»: «إن مدة وشدة الأزمة الجيوسياسية في إيران ستحددان إلى أي مدى سيستمر التحول بعيداً عن الأسواق الناشئة».

في المقابل، قال إلياس أ. إلياس، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة «تمبلتون للاستثمارات العالمية»، إن مُصدِّري السلع الأولية في أميركا اللاتينية قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار، في حين أن التقييمات المنخفضة لأسهم الأسواق الناشئة تعزز جاذبيتها رغم الاضطرابات الحالية.

وأضاف: «نحن متفائلون للغاية بأسهم الأسواق الناشئة كفئة أصول»، مشيراً إلى أن هذه الأسهم لا تزال تُتداول بخصم يقارب 28 في المائة مقارنة بالأسواق المتقدمة، مع توقعات بنمو أرباح أعلى.