اليمن.. رجال في مواجهة المد الحوثي

حركة «أنصار الله» أقصت معارضيها في أجهزة الدولة وألصقت بهم تهم الإرهاب.. واستبدلت 8 محافظين

اليمن.. رجال في مواجهة المد الحوثي
TT

اليمن.. رجال في مواجهة المد الحوثي

اليمن.. رجال في مواجهة المد الحوثي

بعد أن أحكمت سيطرتها العسكرية على أكثر من 11 محافظة يمنية، اتجهت جماعة الحوثيين إلى السيطرة على القرار السياسي في الدولة التي تمر بأوضاع أمنية واقتصادية صعبة، وتمكنت الجماعة التي تسمى نفسها «أنصار الله» من إقصاء أي صوت معارض لها في أجهزة الدولة.
ومنذ سبتمبر (أيلول) 2014، عينت الجماعة عشرات الأشخاص المحسوبين عليها أو الموالين لها في مناصب عسكرية سيادية ومؤسسات اقتصادية وأمنية ومدنية تابعة للحكومة، وتمت عملية التعيينات عبر إصدار رئيس البلاد قرارا جمهوريا، والبعض تم فرضه تحت قوة السلاح، فيما شرعت في إقصاء معارضيها أو منعهم من مزاولة أعمالهم، من بينهم وزراء وقيادات عسكرية ورؤساء مؤسسات حكومية.
رغم القمع الذي تمارسه حركة «أنصار الله», فإن هناك العديد من المسؤولين في الدولة لا يزالون يقفون الموقف نفسه في مواجهة العاصفة الحوثية.. التي كلفت البعض منهم منصبه فيما لا يزال البعض الآخر يقف في وجه التيار رغم قوته. وتعددت الأسماء، ولعل أبرزها محافظ تعز شوقي هائل سعيد، ومحافظ مأرب سلطان العرادة، اللذين رفضا دخول الحوثيين إلى محافظتيهما، ومحافظ الحديدة، ووزراء بينهم وزيرة الإعلام التي أعلنت أخيرا أن أجهزة الإعلام الرسمية اليمنية باتت تحت سيطرة الحوثي، قبل أن يقتحم أنصار الله مكتبها. والقائمة تطول.
خلال الأشهر الخمسة الماضية، تعرض العشرات من خصوم الحوثيين لانتهاكات عديدة طالت مناصبهم الرسمية، ومنازلهم وممتلكاتهم وأعمالهم التجارية، وأغلبهم قيادات بالدولة وزعماء قبليون ورجال أعمال وأحزاب سياسية، بحسب مراكز حقوقية وتصريحات صحافية حكومية. ويبرر الحوثيون أعمالهم بأن خصومهم متهمون بالفساد ونهب ثروات البلاد طيلة السنوات الماضية، وهو ما دعاهم إلى تكوين لجان شعبية تقوم بإدارة مؤسسات الدولة، التي خضعت أجهزتها الأمنية والعسكرية لقوة الحوثيين وعجزت عن حماية مسؤوليها ومؤسساتها. وبحسب تقرير حديث لمركز أبعاد للدراسات، فقد عمد الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى إصدار قرارات عسكرية ومدنية مكنت قادة متحالفين أو قريبين من الجماعة المسلحة، في أجهزة الدولة.
ورصدت مراكز حقوقية مستقلة أكثر من 220 مبنى ومقرا من المنشآت الحكومية والعسكرية والخاصة، اقتحمتها الجماعة، منها 34 مقرا حزبيا، و70 منزلا لقيادات سياسية وعسكرية معارضة لهم، إضافة إلى 26 مؤسسة تعليمية، و10 مؤسسات إعلامية. وقد تعامل الحوثيون مع قيادات الدولة وفقا لمبدأ «من لم يكن معنا فهو ضدنا»، ومن يقاومهم أو يقف في طريقهم فإن مصيره القتل كما حدث مع قائد اللواء 310 العميد حميد القشيبي، الذي قتل في محافظة عمران، إضافة إلى قادة عسكريين بعضهم تمكن من النجاة بنفسه وأسرته من بطشهم، بعد أن فشلوا في استقطابهم وشراء ولائهم، وبنهاية العام الماضي تمكن الحوثيون من التغلغل داخل مؤسسات عسكرية وأمنية وحكومية. وشهد شهر ديسمبر (كانون الأول) تعيينات لأشخاص محسوبين على الحوثي في مناصب أمنية حساسة، كجهاز الأمن السياسي (المخابرات)، ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية ومؤسسات حكومية وشركات نفطية. وبحسب مراقبون فقد استوحى الحوثيون من تجربة «حزب الله» وإيران مصطلحات يطلقونها على خصومهم وهي «تكفيريون، داعشيون، فاسدون»، وهي مصطلحات لم تعرف في اليمن من قبل، وتحت هذه اللافتة تقصي الجماعة كل من يقف في طريقها من القيادات العسكرية والمدنية والقبلية.

* التحكم بالحاكم

* يرى الكثير من المراقبين أن استراتيجية الحركة الحوثية تعتمد على التحكم من خلال الحاكم. ويقول الكاتب السياسي رشاد الشرعبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه الحركة تخضع مؤسسات الدولة من خلال الموالين لها أو ممن تمكنت من إخضاعهم، ومن يعارضها فإن مصيره الإقصاء والمبررات جاهزة لذلك». ويضيف الشرعبي الذي يدير مركز التدريب الإعلامي والتنمية «من ينحني لعاصفتهم ويعمل وفق إرادتهم ورغباتهم ويقبل أن يكون مجرد ديكور، فإنهم يبقونه في منصبه ويديرون من خلاله هذه المؤسسات، ليقوم بتغطية ما يرتكبونه من أعمال غير قانونية، من فساد وعبث، أما من لا يقبل بأن يسير وفق رغباتهم وإرادتهم فإنهم يمنعونه من الاستمرار في منصبه وقد يطردونه من مكتبه بقوة السلاح». ويتابع الشرعبي «وصل بهم الحال إلى التعدي على المنازل وترويع النساء والأطفال لإجبار مسؤولي الدولة على الاستقالة وتسليم الختومات الخاصة بمؤسساتهم، كما حدث مؤخرا مع رئيس مجلس إدارة مؤسسة الثورة للصحافة التي يديرونها بقوة السلاح ومثلها الكثير من مؤسسات الدولة».
من جانبهم، يبرر قادة الحوثي تحركاتهم داخل مؤسسات الدولة من أجل فرض الشراكة في السلطة ومحاربة الفساد، تحت عنوان فرض الأمر الواقع. ويقول محمد البخيتي، قيادي في الحركة، في تصريحات تلفزيونية مؤخرا، إن جماعته تتحمل مسؤولية محاربة الفساد في مؤسسات الدولة، تنفيذا للاستحقاقات الثورية، مؤكدا أن كثيرا من اللجان الشعبية التي تدير عددا من مؤسسات الدولة أوقفت عمليات هدر للمال العام، والتي كان يستغلها الفاسدون داخل هذه المؤسسات. وينفي البخيتي سعي جماعته للسيطرة على الحكم، مشيرا إلى أنهم لن يسمحوا باستمرار الفساد ونهب المال العام كما كان في السابق.

* سلطة القوة

* يرى منتقدو الحركة الحوثية أنها كانت ترفع شعار المظلومية والإقصاء بحقها طوال العقود الماضية، لكنها حين فرضت نفسها بقوة السلاح أصبحت تمارس الإقصاء ضد خصومها، وأغلبهم من لون سياسي واحد، ممن ناصروا ثورة الشباب في 2011 والتي أطاحت بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، وكان من أبرزهم اللواء علي محسن الأحمر المستشار العسكري للرئيس الانتقالي عبد ربه منصور، ورئيس حكومة الوفاق محمد سالم باسندوة، ورجل الأعمال الشيخ حميد الأحمر، والكثير من القيادات العسكرية والمدنية الذين تعرضت ممتلكاتهم الخاصة للاقتحام والسيطرة عليها من قبل الحوثيين.
ومع دخولهم العاصمة صنعاء والسيطرة عليها فرض الحوثيون سلطة الأمر الواقع مستحوذين على معظم مؤسسات الدولة عسكرية ومدنية، في ظل صمت وتواطؤ قيادة الدولة العسكرية والتنفيذية التي تُتهم بتسليم عاصمة البلاد ومؤسساتها لجماعة مسلحة. ويعتبر المحلل السياسي عبد الله إسماعيل أن الدولة اليمنية وحكومتها تتعامل مع الوضع الراهن، المتمثل في الميليشيات الحوثية، كأمر واقع وتحاول التعايش معه، وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «حكومة بحاح التي تشكلت بموجب اتفاقية السلم والشراكة من شخصيات مقبولة نسبيا، خسرت كثيرا من الرضا الشعبي، لأن الكثير من المواطنين كانوا يتوقعون أن تشترط هذه الحكومة لتولي مهامها التزام الحوثيين ببنود الاتفاقية والتنفيذ المتزامن لبنودها من جميع الأطراف». ويتابع «قبلت هذه الحكومة أن تعمل دون صلاحيات كما تريد الميليشيات لتكون في الواجهة دون فعالية، فيما الميليشيات الحوثية تدير الأمور من خلف ستار الحكومة وبغطاء منها، وهذا الأمر سمح بتوغل الميليشيات عبر مندوبيها في كل الوزارات والهيئات واستلاب القرار الإداري كما سبق أن استلب القرار السياسي».
ويوضح إسماعيل أن «الوزراء والمسؤولين يحصدون الآن نتيجة ذلك الخطأ التكتيكي ويتعرضون لكثير من الإساءات والتوقيف والعرقلة لأعمالهم بل والتدخل في سير العمل الإداري اليومي»، ويلفت إلى أن «تلك الأعمال تمر دون أي موقف فعلي وواضح وعملي من المسؤولين في الحكومة، مما يوحي بأن الأمر بالنسبة لهم لا يتعدى مكاسب شخصية تتعلق بالمنصب، وأنهم مستعدون لتحمل كل تلك الإساءات وتقبلها في مقابل ذلك».
وتصادم الحوثيون ولجانهم الشعبية المسيطرة على وزارات ومؤسسات حكومية مع وزراء ومديري هذه المؤسسات، ففي شهر ديسمبر الماضي حاصروا وزارة الدفاع بعد أن منعهم وزير الدفاع اللواء محمود الصبيحي من دخول الوزارة، بعد رفض الحركة تعيين حسين خيران رئيسا لأركان الجيش، وقاموا بمنعه من ممارسه مهامه داخل مكتبه، وكادت هذه الحادثة تتحول إلى مواجهات مسلحة بين الجيش والحوثيين الذين انتشروا في محيط الوزارة، لكنهم تلقوا تطمينات من الرئيس هادي لحل هذه الإشكالية التي أصدر بعدها قرارا جمهوريا بتعيين ضابط موال للحوثيين، هو يحيى الشامي، نائبا لرئيس هيئة الأركان العامة في الجيش، وترقيته من رتبة عقيد إلى لواء، وفتح بذلك الباب على مصراعيه لمزيد من التعيينات في الجيش والشرطة، وجميعهم محسوبون على جماعة الحوثي والرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي كان يردد قبل رحيله من السلطة عام 2011 بأنه لا يسلم كرسي الحكم إلا إلى يد أمينة، فكانت هذه اليد هي عبد ربه منصور هادي الذي شغل نائبا لصالح لأكثر من 16 سنة، كما يرى منتقدوهم.
أما عن موقف الحكومة من الاعتداءات التي تعرض لها وزراؤها فقد كان موقفا ضعيفا، وأظهرها بموقف العاجز عن حماية مسؤوليها قبل مواطنيها، فبعد كل عملية اعتداء ضد وزير أو مسؤول حكومي، تصدر الحكومة بيانات تطالب الحوثيين على استحياء بالانسحاب من مؤسسات الدولة، والالتزام باتفاقية السلم والشراكة، وهذا الموقف كما يقول المراقبون أسهم بشكل كبير في استمرار الاعتداءات على وزراء ورؤساء مؤسسات حكومية، حيث اقتحم مسلحو الحوثي مكتب وزيرة الإعلام نادية السقاف وهددوها بأنهم سيديرون الوزارة وكل مؤسساتها الإعلامية رغما عنها، بحسب تصريحاتها، وقالت إنهم حذروها من تعيين أي شخص دون الرجوع إليهم لأخذ موافقتهم على ذلك. وتأتي هذه الحادثة بعد اتهام الوزارة للحوثيين باقتحام منزل رئيس مؤسسة الثورة للصحافة فيصل مكرم وإجباره على كتابة استقالة وتسليم ختم المؤسسة، وأدانت الوزيرة التهجم على موظفي مؤسسات الدولة بغير صفة قانونية.
وكان تقرير لمركز «أبعاد» للدراسات والبحوث، هو مركز يمني مستقل، يهتم بالدراسات الاستراتيجية والقضايا ذات البعد القومي، أشار في تقريره لعام 2014، إلى أن العسكريين يشعرون بإهانة نتيجة سيطرة الحوثيين على الدولة.
وذكر أن الحوثيين تحصلوا على أسلحة نوعية من اقتحامهم لقيادة المنطقة السادسة (الفرقة أولى مدرع سابقا) والمعسكرات التابعة لها مثل اللواء 310 في عمران، ومن القيادة المركزية لوزارة الدفاع وهيئة الأركان.
وأضاف: «لقد أصبح في يد الحوثيين منذ بدء إسقاطهم لمعسكرات الدولة في 2014 أكثر من 120 دبابة من نوع (T55 - T62)، ونحو 70 مدرعة BTR – BMB.20 مدفع (شيلكا وهاوتزر ذاتي الحركة) ونحو 10 عربات (كاتيوشا)، وما يقارب من 100 صاروخ (بين حراري مضاد للطيران وغراد بر - بر)، وأكثر من 100 مدرعة تحمل رشاشات ثقيلة ومتوسطة، إلى جانب مئات الأطقم العسكرية وعشرات المخازن للذخيرة الحية».
وأكد احتمالية حصولهم على شحنات صواريخ إيرانية نوعية مجددا، إلى جانب شحنات سفينة جيهان التي كانت محتجزة. وأضاف: «إنهم يمتلكون نحو 70 في المائة من قدرات الجيش اليمني، فيما هم يحاصرون معسكرات أخرى فيها أسلحة نوعية واستراتيجية مثل الصواريخ بعيدة المدى، ويتحكمون بالمطارات العسكرية بالطيارات الموجودة فيها».
وسمى التقرير عام 2014 عام «الحصاد المر» لفشل الانتقال السياسي للسلطة، وسقوط الخيارات السلمية تحت أقدام الميليشيات والجماعات المسلحة»، ووصفه بـ«العام الأكثر سوءا» في تاريخ اليمنيين وصراعاتهم وعام نزيف الدم اليمني، وعام سقوط الدولة وسيطرة العنف والسلاح.
وأورد تقرير أبعاد، إحصائية لقتلى 2014 وقال إن «أكثر من 7 آلاف يمني لقوا مصرعهم هذا العام أي نحو 3 أضعاف قتلى عام 2011»، حين خرج الشباب في ثورة سلمية ضد نظام علي عبد الله صالح.
وأكد أن المؤسسة العسكرية خسرت لوحدها هذا العام أكثر من 1000 شهيد من أبنائها، وأن نحو 600 منهم قتلوا على يد الحوثيين أثناء مهاجمتهم للمعسكرات وإسقاط المحافظات، فيما قتل نحو 400 على يد «القاعدة» وجماعات مسلحة غالبيتهم في عمليات اغتيال وتفجيرات وهجمات مباغتة للمعسكرات والنقاط العسكرية.
وعن الضحايا المدنيين أشار إلى مقتل نحو 1200 شخص هذا العام غالبيتهم في أعمال جماعات العنف المسلحة منذ اختتام مؤتمر الحوار الوطني في 25 يناير (كانون الثاني) من العام الماضي. وتطرق إلى خسائر تنظيم القاعدة، والتي قال تصل ما بين (400 و500) قتيل من أفراده، قتل منهم نحو 106 في 26 غارة جوية للطائرات الأميركية دون طيار (الدرون)، والتي راح ضحية تلك الطلعات 6 مدنيين بينهم 3 أطفال.
وحول خسائر الحوثيين قال: «لا توجد معلومات دقيقة عن ضحايا جماعات الحوثي وتقديرات رصد مركز أبعاد تقول، إن نحو 5 آلاف مسلح منهم قتلوا في حروبه، من بينهم ألفا قتيل في محافظات مأرب والجوف وعمران ومثلهم في العاصمة صنعاء ومدن أخرى مثل الحديدة وإب، ونحو 1000 قتيل سقطوا في حروب رداع بالبيضاء».
وتوقع التقرير أن تكرر هذه المسيرة هجماتها على المناطق الشرقية النفطية للسيطرة على مأرب والجوف تحت لافتة حماية منشآت الدولة ومعسكراتها وملاحقة المخربين والإرهابيين، ويتوقع استخدام جيش الدولة وطائراتها هذه المرة لمهاجمة هذه المناطق التي انكسروا في 3 حروب مع قبائلها منذ 2011.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».