توصيات «مجموعة العشرين» لسد الفجوات في التجارة والاستثمار والبنى التحتية

مختصون لـ «الشرق الأوسط» : البيان الختامي يعزز الأدوات المبتكرة لتوفير التمويل ويشجع تنوع الاقتصادات المحلية

سد فراغ الفجوات في التجارة والاستثمار والبنى التحتية ضمن أبرز مباحثات قمة الرياض لمجموعة العشرين (الشرق الأوسط)
سد فراغ الفجوات في التجارة والاستثمار والبنى التحتية ضمن أبرز مباحثات قمة الرياض لمجموعة العشرين (الشرق الأوسط)
TT

توصيات «مجموعة العشرين» لسد الفجوات في التجارة والاستثمار والبنى التحتية

سد فراغ الفجوات في التجارة والاستثمار والبنى التحتية ضمن أبرز مباحثات قمة الرياض لمجموعة العشرين (الشرق الأوسط)
سد فراغ الفجوات في التجارة والاستثمار والبنى التحتية ضمن أبرز مباحثات قمة الرياض لمجموعة العشرين (الشرق الأوسط)

في وقت أفرزت فيه جائحة كورونا واقعاً جديداً للاستثمار وحركة التجارة والأعمال والبنى التحتية في العالم، تحتم على مجموعة العشرين، الخروج بتوصيات ترسم أجندة لمستقبل مبادرات ومسارات وقنوات جديدة تستعيد العافية والثقة بعد «كورونا».
وأكدت «قمة الرياض 2020» المنتهية الأحد الماضي على دعم مجموعة العشرين النظام التجاري متعدد الأطراف، مؤكدين بذل الجهد لتحقيق بيئة تجارية واستثمارية حرة وعادلة وشاملة وغير تمييزية وشفافة ومستقرة.
وقال البيان الختامي، إن «مجموعة العشرين» تؤكد بقوة الاستجابة للتعافي من فيروس كورونا المستجد في الدول النامية، لا سيما ما يخص جودة البنية التحتية للاتصال الإقليمي، وإطار عمل تمويل التنمية المستدامة، مشددة كذلك على أولوية أسواق العمل لتمكين ملايين العمال من العودة للوظائف ومصادر الداخل.
وأشارت «قمة مجموعة العشرين» برئاسة السعودية، إلى أن الاستثمار في البنية التحتية يعد أحد محركات النمو والازدهار، مؤكدة أنها عامل جوهري في تعزيز التعافي الاقتصادي ومتانته. وقال البيان حينها على لسان القادة «نؤيد جدول أعمال الرياض لتقنية البنية التحتية لمجموعة العشرين، والتي تعنى برفع مستوى استغلال التقنية في البنية التحتية؛ بهدف تحسين القرارات الاستثمارية، وزيادة القيمة مقابل المبالغ المستثمرة، ودعم الاستثمار النوعي في البنية التحتية بما ينفع المجتمع والاقتصاد والبيئة».

مقومات الاستثمار
وفي هذا السياق، قال الدكتور رجا المرزوقي، رئيس فريق الاستثمار في البنية التحتية في مجموعة الفكر التابعة لمجموعة العشرين برئاسة السعودية لـ«الشرق الأوسط»، إن الجهود خلال أعمال «العشرين» ركزت على حل الإشكالية التي تواجه العالم، المتجلية في الفجوة بين العرض والطلب، بين حاجة الاستثمار إلى ضخامة البنية التحتية وإمكانية دول العالم في توفير الأموال للاستثمار فيها.
وذكر المرزوقي، أن صندوق النقد الدولي قدّر إجمالي حجم الاستثمارات في البنية التحتية المطلوبة لتحقيق مستهدفات الأمم المتحدة على مستوى أكثر من 112 دولة في العالم، بقيمة 12 تريلون دولار من 2019 إلى 2030، أي ما يقارب تريليون دولار سنوياً.
وأضاف المرزوقي «غير متوافرة لأسباب عدة، أولها نسبة الديون التي تتحملها دول العالم التي تتجاوز 228 في المائة من الدخل القومي لهذه الدول»، مشيراً إلى أن هذه النسبة تجعل من الصعوبة لدول العالم المختلفة العمل على زيادة المديونية الحكومية، خاصة في ظل أزمة «كورونا» مع واتجاه دول العالم لتحفيز الاقتصادات بالإنفاق؛ الأمر الذي أدى إلى تفاقم الديون.

زيادة الديون
أبان المرزوقي، أن «ميزانيات الدول والحكومات لا سيما الفقيرة لا تتحمل زيادة الديون بهذا الشكل الذي يلبي حاجة دول العلم إلى تعزيز الاستثمار في البنية التحية والخدمات والتنمية المستدامة، وفي حالة لم تستطع دول العالم توفير هذه الاستثمار سينعكس ذلك سلباً على اقتصادات العالم في قدرتها على تحقيق النمو المستهدف والنمو الاقتصادي العام».
وشدد المرزوقي على ضرورة العمل على إيجاد آليات للمرحلة المقبلة، تتمثل في تحسين رفع مستوى الشفافية والمحاسبة والبناء المؤسسي، وتوفير الأموال اللازمة للاستثمار في البنية التحتية والأموال المستثمرة فيها لسببين، الأول يوفر أموالاً مناسبة لبناء بنية تحتية أكبر.
وثانياً، والحديث للمرزوقي، سيقلل المخاطر على القطاع الخاص؛ مما يساعده في ضخ أموال أكبر في مجال البنية التحتية، ويساهم جزئياً في سد هذه الفجوة من خلال برنامج المشاركة بين القطاعين العام والخاص، ومن خلال نظام الإجارة وغيرها من الآليات التي من شأنها تساعد على تحفيز القطاع الخاص.

الأدوات المبتكرة
وأكد المرزوقي على دور الأدوات المبتكرة في استخدام التقنية الحديثة في تقليل التكاليف وتسعير البنية التحتية؛ ما من شأنه أن يمكّن القطاع الخاص من العمل فيها على المستوى الفردي، وكذلك تحفيز الاستثمار في البنية التحتية، وبالتالي خفض الضرائب على المجتمعات، فضلاً عن رفع كاهل المديونية على الحكومات دون الحاجة إلى فرض ضرائب أو رسوم زائدة.
وقال «بحثنا خلال أعمال (العشرين) العلاقة بين الاستثمار الحكومي في البنية التحتية والنمو الاقتصادي الشامل، حيث كان من الواضح أن هناك من التحديات ما أضعف كفاءة الاستثمار في البنية التحية على مستوى العالم، بما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الهدر المالي في الاستثمار العام بنسبة الثلث».

البنية التحتية
من جانب آخر، شدد المرزوقي على أن المباحثات في أعمال «العشرين» برئاسة السعودية تضمنت ضرورة تعزيز البنية التحتية المستدامة في ظل الحاجة إلى البنية التحية، وتأثير ودور البنية التحتية في رفع مستوى الكفاءات الاقتصادية، بالإضافة إلى تأثيرها على تخفيض تكاليف القطاع الخاص وتحسين حياة الناس؛ ما ينعكس إيجاباً على الرفاه الاقتصادي، في ظل الفجوة بين الحاجة إلى الاستثمار في البنية التحية والأموال المتاحة لدى الحكومات، وارتفاع الديون على الحكومات.
وفتح هذا الواقع المجال أمام القطاع الخاص، وفق المرزوقي، ليزيد استثماره في البنية التحتية، فضلاً عن بحث آلية رفع الكفاء الاقتصادية وتحسين أداء الاستثمار العام والخاص في البنية التحتية، من خلال نظام الحوكمة الفاعل والمحاسبة الدقيقة، ووجود البناء المؤسسي المناسب، مع ضرورة رفع الطاقة الاستيعابية للبنية التحتية؛ حتى تتعامل مع الأزمات مثل جائحة كورونا.

المنظمات والتمويل
ويبقى هناك دور مهم للمنظمات المجتمعية الدولية والقطاعية للمساهمة في تحسين كفاء الاستثمار في البنية التحتية، يضيف المرزوقي، بجانب دورها في الرقابة على المستوى العالمي وفق أفضل الطرق والممارسات الدولية لدعم الدول الأقل نمواً، في وقت أقرّت فيه مجموعة الفكر العشرين عن الحاجة إلى تلبية الطلب المتنامي عليها، وإلى تقليص الفجوات بين اقتصادات الدول المتقدمة والناشئة.
ومن المهم أيضاً، مواجهة التحديات الرئيسية لهذه الاستثمارات في التمويل المستمر لمثل هذه المشاريع الكبيرة وتشجيع الاستثمارات المستدامة في البنية التحتية والقادرة على التأقلم مع تغيّر المناخ، مشددة على أن العديد من الدول تحتاج إلى تحسين فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتحسين مدى ترابطها على المستوى العالمي، مع توفير فرص تحسين استثمارات القطاعين العام والخاص.

الاستثمار المباشر
من جهته، قال لـ«الشرق الأوسط» الاقتصادي الدكتور خالد رمضان، إن هناك تراجعاً حاداً في الاستثمار المباشر وغير المباشر، وتباطؤاً في حركة التجارة التي تعد وقود الاقتصاد العالمي، بسبب جائحة كورنا وغلبة عدم اليقين الاقتصادي، مشيراً إلى أن تركيز الدول بجب أن ينصبّ على تنفيذ المشروعات الضخمة والمجدولة من ذي قبل، والاعتماد على الاستثمارات المحلية المباشرة سيخلق منصات جديدة لتحقيق النمو المستقبلي، وسيسهم في تعويض التباطؤ المتوقع بفعل الإغلاقات التي ضربت كافة الأنشطة الاقتصادية تقريباً خلال العام الحالي.

إصلاح التجارة
وتصدت «قمة مجموعة العشرين» برئاسة السعودية لملف التجارة والاستثمار، حيث سعت لمعالجة القضايا المتصلة بالسياسات الرامية إلى تعزيز منظمة التجارة العالمية بوصفها محفلاً للتفاوض واستعادة وتعزيز إجراءات تسوية المنازعات، والتأكيد على استمرار سلاسل الإمداد وتدفق السلع.
وهنا، أوضح الدكتور سعيد الشيخ، رئيس فريق العمل الأول «التجارة والاستثمار والنمو»، بمجموعة الفكر العشرين، أن واقع التجارة في العالم اليوم تسوده تصاعد النزعة الحمائية وعدم تكافؤ الفرص للدخول في سلاسل القيمة العالمية والأنظمة القانونية غير المهيأة للتجارة الرقمية والتجارة الدولية في الخدمات؛ ما يستدعي سبل إصلاح منظمة التجارة العالمية، وأكثرها في الجانب التنظيمي، والإداري والقانوني.
وفي الإطارة نفسه، وفق الشيخ، قدم الفريق ثلاثة من المقترحات التي تنظم إصلاح عمل منظمة التجارة العالمية وتوفير المرونة والإصلاحات اللازمة في النواحي التنظيمية والإدارية حتى تكون أكثر فاعلية مستقبلاً.

تحقيق التنوع
وقال الشيخ، إن فتح الاقتصاد يمكّن الدول من تحقيق تنوع اقتصادي إذا كانت تستطيع تصدير مبيعاتها إلى الأسواق الخارجية؛ ما يؤكد منظوراً دولياً لأهمية التجارة وحرية حركة التجارة بجانب فتح الأسواق والتنويع الاقتصادي في ظل دعوات لتعزيز التجارة مع الدول الأفريقية وتفعيل المعاهدات ذات العلاقة والخروج من اقتصادات أسواق السلعة الواحدة، سواء دول نفطية في منطقة الخليج أو تلك الدول التي تعتمد على قطاعات السياحة أو الزراعة، أو تلك التي تعتمد على قطاع واحد أو سلعة واحدة.
وزاد الشيخ «الفكرة أن الاعتماد على قطاع واحد أو سلعة وحيدة تسبب للعديد من الدول في انخفاض النمو وخطر التقلبات والتغيرات كالذي يحدث في الدول النفطية»، مشيراً إلى أن معالجة تلك التحديات تقوم على كيفية أن تتحول هذه الدول من خلال سياسات اقتصادية معينة بمساعدة مجموعة دول العشرين من أجل تحقيق تنويع اقتصاداتها.

المنظور البحثي مرتكز فريق «التجارة والاستثمار» في «العشرين»

> يعمل فريق «التجارة والاستثمار والنمو» التابع لمجموعة الفكر المنضوية تحت رئاسة السعودية لمجموعة العشرين، على تعزيز التفاهم المشترك حول القضايا العالمية، وتقديم توصيات السياسة العامة لمسؤولي مجموعة العشرين من منظور بحثي.
واجتهد فريق العمل على 11 محوراً رئيسياً خلال فترة رئاسة السعودية، اشتمل على التنويع الاقتصادي الإقليمي في ظل الاقتصاد المعولم، بالإضافة إلى اختلالات التجارة العالمية والنزعة الحمائية.
ويقدم الفريق طرقاً لاجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر واستمراره بجانب الاتصال وكفاءة استخدام الطاقة في التجارة، بالإضافة إلى التجارة في الخدمات، وملف النظام التجاري والاستثماري المفتوح والشامل، وكذلك تعزيز السياسات والاتفاقيات التجارية، وتعزيز التجارة الثنائية مقابل التجارة متعددة الأطراف مع مواجهة تحديات الشركات الصغيرة والمتوسطة بجانب التدفق الحر للبيانات والتجارة الرقمية.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.