تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية
TT

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تنشر صفحة البيئة في «الشرق الأوسط» ابتداءً من هذا الأسبوع سلسلة مقالات عن التحديات البيئية ذات الانعكاسات الصحية في البلدان العربية، وذلك استناداً إلى فصول التقرير عن «الصحة والبيئة» الذي صدر أخيراً عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد). ويتضمن التقرير أحدث المعلومات عن قضايا الهواء والمياه والنفايات والبيئة البحرية وتغير المناخ. الحلقة الأولى عن تلوث الهواء، وهي تستند في معلوماتها إلى الفصل الذي كتبه الدكتور حسن الدهيني، أستاذ علم السموم وتقييم المخاطر الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت، والدكتور شربل عفيف، الباحث في تلوث الهواء وتغير المناخ والأستاذ في جامعة القديس يوسف في لبنان وفي مركز أبحاث المناخ والغلاف الجوي في قبرص.

تمثل الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر حقبة جديدة تتعلق بجودة الهواء، حيث أدى التصنيع والنمو السريع لسكان العالم إلى زيادة في استهلاك الوقود الأحفوري من أجل تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، ونمو في النشاط الزراعي لضمان الأمن الغذائي العالمي، وتراكم في النفايات، وقطع للغابات، مع ما يعنيه كل ذلك من تأثير على نوعية الهواء والبيئة عموماً.
ويرتبط تلوث الهواء الداخلي والخارجي بطيف واسع من الآثار الصحية الحادة والمزمنة، بما في ذلك أمراض القلب والرئة والسرطان بأنواعه المختلفة. وإلى جانب آثاره الصحية، يمكن لتلوث الهواء أن يتسبب أيضاً في هطول الأمطار الحمضية، وإضعاف مدى الرؤية على الطرقات، وإلحاق ضرر بالنباتات.
وكانت الأمم المتحدة اعتبرت في سنة 2015 تلوث الهواء تحدياً ملحاً، وجعلته مقصداً لاثنين من أهداف التنمية المستدامة حتى سنة 2030. فهي دعت في الهدف 3.9 إلى الحد بشكل كبير من الوفيات والأمراض الناجمة عن المواد الخطرة في الهواء والماء والتربة الملوثة، ونادت في الهدف 11.6 المتعلق بالحد من العوامل الضارة والأثر البيئي للفرد في المدن إلى إيلاء اهتمام خاص بنوعية الهواء.
ويناقش تقرير «الصحة والبيئة»، الذي صدر هذه السنة عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، الدوافع البيئية الرئيسية التي لها تأثير كبير على مختلف جوانب صحة الإنسان في الدول العربية، بما فيها تلوث الهواء، ولا سيما أن الدول العربية من بين أكبر المساهمين عالمياً في انبعاثات أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين.
وتعزى الانبعاثات المرتفعة على الطرق في المنطقة العربية إلى قيادة المركبات المتهالكة، والاستخدام غير الفعال للوقود، وضعف التحكم بانبعاثات العادم. وتغيب اللوائح التي تضبط نوعية الهواء على الطرقات في معظم الدول العربية، أو تكون منقوصة غير شاملة. ففي لبنان مثلاً توجد رقابة على ثاني أكسيد الكربون فقط، فيما تعد لوائح الكويت الأكثر اكتمالاً في المنطقة، ولا توجد تشريعات ناظمة في معظم البلدان.
وغالباً ما تتجاوز مؤشرات جودة الهواء في البلدان العربية القيم التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية بنحو 5 إلى 10 أضعاف في بعض المناطق. ويعزى هذا التدني في النوعية إلى عوامل طبيعية وبشرية. فمن ناحية تتأثر جودة الهواء المحيط سلباً بجزيئات ملح البحر والغبار، ومن ناحية أخرى ترتبط بالنشاط البشري حيث تتركز الانبعاثات.
ويشير تقرير «أفد» إلى أن الانبعاثات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زادت بمقدار خمسة أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب زيادة الطلب على المياه والطاقة والنقل. وفي السعودية والبحرين والكويت والإمارات ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمعدل 6 في المائة سنوياً بين سنتي 2005 و2014، جنباً إلى جنب مع ارتفاع إجمالي الناتج المحلي وزيادة استهلاك الطاقة.
وتؤدي هيمنة سيارات الركاب الخاصة على وسائط النقل في البلدان الخليجية إلى مضاعفة مشاكل الازدحام المروري وزيادة الانبعاثات. علماً أن المركبات على الطرق العامة في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسؤولة عن 59 في المائة من انبعاثات أكاسيد النيتروجين في المنطقة، وهي أيضاً تنتج 90 في المائة من ثاني أكسيد الكربون و75 في المائة من المركبات العضوية المتطايرة.
وتعاني المنطقة العربية من ارتفاع نسبة الجسيمات المعلقة في الهواء. ففي الكويت كان المتوسط السنوي للجسيمات التي يقل حجمها عن 10 ميكرون أكثر بثماني مرات من الحد الأعلى وفق معايير منظمة الصحة العالمية بين سنتي 2014 و2016. وتظهر مراجعة بيانات عدة دول في المنطقة، بما فيها مصر والأردن والكويت وسورية وقطر والإمارات ولبنان، أن تراكيز الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون تتجاوز غالباً القيمة التوجيهية المحددة من قبل منظمة الصحة العالمية. ويزداد الضرر الصحي للجسيمات المعلقة كلما صغر حجمها.
وفي مصر على سبيل المثال، تمثل حركة المرور على الطرق مصدراً لنحو 36 في المائة من الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون. وفي دول مجلس التعاون الخليجي يعزى ما نسبته 54 في المائة من مستويات هذه الجسيمات إلى الغبار والعواصف الرملية واحتراق النفط في محطات توليد الطاقة.
وفي البلدان غير المنتجة للنفط، مثل لبنان، تعتبر الأنشطة البشرية الأخرى كالصناعة والنقل البري ومواقع البناء مصدراً مهماً للجسيمات المعلقة في الهواء. وتتجاوز تراكيز الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون القيمة الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية بما يصل إلى خمسة أضعاف، مع تعرض مفرط في مصر والسعودية بسبب العواصف الترابية المتكررة.
ومن ناحية أخرى، شهدت الفترة بين 2005 و2014 زيادة في تراكيز ثاني أكسيد النيتروجين تتراوح بين 3 و12 في المائة، وكذلك في ثاني أكسيد الكبريت بزيادات بين 60 و120 في المائة. ورصدت أعلى مستويات تلوث الهواء فوق موانئ ومصافي تكرير النفط وفي المناطق الحضرية في البحرين والكويت وقطر والإمارات والسعودية.
ومنذ التخلص التدريجي من البنزين الحاوي على الرصاص، أصبحت أكثر من 175 دولة خالية من الرصاص، مما يمثل استئصالاً شبه عالمي. ومع ذلك، لا يزال هذا الوقود يستخدم في بعض الدول العربية مثل العراق والجزائر واليمن. علماً أن تراكيز الرصاص في الدم لدى الأطفال تقترن بتراجع الذكاء والصعوبات السلوكية ومشاكل التعلم.
وتشير العديد من الدراسات التي أجريت في الدول العربية إلى وجود تلوث كبير للهواء الداخلي. ويرتفع تلوث الهواء في الأماكن المغلقة بدرجة كبيرة في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب اضطرار المواطنين للبقاء مزيداً من الوقت في الداخل نتيجة الظروف المناخية، واستمرار تشغيل مكيفات الهواء لساعات طويلة، والتدخين في الداخل، والاكتظاظ.
وعلى نحو واسع، تتأثر جودة الهواء الداخلي في البلدان العربية بتدخين التبغ، ولا سيما انتشار تدخين الشيشة في الأماكن المغلقة. ويعد الأطفال أكثر عرضةً للتلوث الداخلي لتواجدهم ساعات طويلة في أماكن غير مهواة كالمدارس التي لا تحتوي على أجهزة تدفئة مناسبة أو لا توفر معالجة لهواء التبريد.
وينوه تقرير «أفد» بالأحداث المستجدة التي تؤثر على نوعية الهواء في العالم العربي، حيث تسبب النزاع في سورية خلال السنوات الماضية في انخفاض مستويات ثاني أكسيد النتروجين في البلاد بنحو 30 إلى 40 في المائة نتيجة انخفاض النشاط البشري بسبب النزوح. وتسببت حالة النزوح إلى لبنان في زيادة الانبعاثات وتلوث الهواء الناتج عن النقل البري والتدفئة والنفايات الصلبة وتوليد الكهرباء.
وفي حين لا توجد أي دراسات حتى الآن تتناول تأثير أزمة «كوفيد - 19» على جودة الهواء والصحة في المنطقة العربية، فقد أظهرت دراسة نوعية الهواء في 27 دولة حول العالم انخفاضاً في مستويات ثاني أكسيد النيتروجين والأوزون الأرضي والجسيمات المعلقة. وتشير تقديرات سنة 2020 إلى أن إجراءات مواجهة انتشار فيروس كورونا ساعدت في تجنب 7400 حالة وفاة مبكرة و6600 حالة ربو لدى الأطفال خلال أسبوعين من بدء الإغلاق. أما من ناحية تأثير نوعية الهواء على الوباء، فقد تبين أن فيروس «كورونا» ينتشر بسرعة في المناطق التي تتمتع بدرجات مرتفعة من تلوث الهواء، كما أن المضاعفات الصحية للإصابة تكون أكثر حدة في هذه المناطق، حيث يصيب الهواء الملوث الجهاز التنفسي بالضعف ويفقده المناعة. وهذا يفسر انتشار الإصابات في المناطق المكتظة في المدن، ذات نوعية الهواء السيئة، أكثر من انتشاره وأثره في الأرياف.
ويرتبط تلوث الهواء الداخلي والخارجي بزيادة المخاطر الصحية مثل الوفاة المبكرة وأمراض القلب والرئة والسرطان. ووفقاً لمقياس عبء المرض العام، الذي يعبر عنه بعدد السنوات الضائعة من العمر بسبب اعتلال الصحة أو الإعاقة أو الوفاة المبكرة، تصل سنوات الحياة الصحية المفقودة لكل 100 ألف مواطن عربي بسبب تلوث الهواء إلى 5 سنوات في العراق، و3 سنوات في ليبيا وجيبوتي، وسنتين في مصر، وإلى ما دون ذلك في باقي الدول.
وتحدث معظم أمراض الجهاز التنفسي بسبب العوامل المحمولة جواً، مثل البكتيريا والفيروسات والمواد الكيميائية والمواد المسببة للحساسية والغازات وجزيئات الغبار. وفي السنوات الأخيرة، اتسع انتشار الربو بشكل عام في العالم العربي مع زيادة التحضر. كما لوحظ أن السكن بالقرب من مصدر لتلوث الهواء هو عامل خطر للإصابة بأمراض القلب والرئة.
وفي دراسة أجريت في لبنان، ارتبط العيش في المناطق الحضرية بالقرب من حركة المرور بسرطان الرئة. كما ارتبط التعرض لتلوث الهواء، خاصةً أكسيد النيتروجين، بأنواع مختلفة من السرطان.
وتتأثر جودة الهواء أيضاً بالاحتباس الحراري، حيث زادت العواصف الترابية المنبعثة من الصحاري الكبيرة في شبه الجزيرة العربية من حيث التكرار والشدة على مدار السنوات الماضية، ويرجح أنها تسببت في زيادة معدلات الوفيات والإصابة بالربو وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى.
ويوصي تقرير «أفد» باتخاذ مجموعة من الخطوات لتحسين إدارة جودة الهواء، تشمل تحديث الإطار التشريعي من أجل تحديد المعدلات القصوى المسموحة من مصادر التلوث المحتملة الثابتة والمتنقلة، وإقامة شبكة من المحطات الدائمة لقياس نوعية الهواء، والحزم في إجراءات معاقبة الملوثين عبر تطبيق القوانين بطريقة فعالة، والحفاظ على مراقبة الهواء لضمان الجودة، وإنشاء قوائم جرد عالية الدقة للانبعاثات على الصعيد الوطني، ووضع قوائم أولويات لتقييم المخاطر الصحية على أساس رصد الهواء، واعتماد خطوات إجرائية توازن بين تراكيز الملوثات والاستجابة للمخاطر الصحية.


مقالات ذات صلة

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
يوميات الشرق صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
الاقتصاد جانب من تدشين صندوق «نماء» الوقفي (الشرق الأوسط)

السعودية تطلق أول صندوق وقفي لتحقيق الاستدامة البيئية والمائية والزراعية

أطلق وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن الفضلي الثلاثاء صندوق «نماء» الوقفي بهدف تعزيز استدامة القطاع غير الربحي للمنظومة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.