رحيل سعيد الكفراوي... الحكاء الناسك

صاحب «مجرى العيون» و«دوائر الحنين» ظل يبحث عن كتابة تشبهه

سعيد الكفراوي
سعيد الكفراوي
TT

رحيل سعيد الكفراوي... الحكاء الناسك

سعيد الكفراوي
سعيد الكفراوي

بعد رحلة خصبة من الإبداع ومحبة الحياة والكتابة وصراع مع أمراض الشيخوخة، فقدت الحياة الثقافية المصرية والعربية القاص سعيد الكفراوي الذي غيبه الموت صباح أمس ببيته بالقاهرة عن عمر يناهز 81 عاماً.
ينتمي سعيد الكفراوي إلى جيل الستينيات الأدبي في مصر، وكرس حياته لكتابة القصة القصيرة، واستطاع من خلال أعماله القصصية أن يصنع في فضائها المتنوع جدارته وتميزه وأسلوبه الخاص. ورغم ذلك ظلت الرواية حلماً يطارده من وقت لآخر، ونقطة حنين غائمة في مشواره الأدبي، حتى أنه تحدث في أكثر من لقاء وحوار معه، عن أسماء لروايات يحضر لكتابتها، لافتاً إلى أن كتابة الرواية تحتاج إلى جهد روحي، ومعايشة خاصة، لأزمنة وصراعات وحيوات شخوص، لهم طرائقهم المتقلبة في التعامل مع الحياة، وحسبما قال: «كان لدي العديد من مشاريع لروايات لم تكتب، ومنها (حافة الخليج)، وهي عن تجربة مدرس مصري مغترب يعمل في بلد عربي، وتركز في مجملها على القصاص وقسوة الواقع، ومن فترة طويلة كانت لديّ فكرة رواية أخرى، عن شخص اسمه بطرس الصياد، وهو مسيحي أنتج فليماً عن تجلي العذراء، ما أثار العديد من الإشكاليات مع من حوله... كلها مشاريع، لكن على أرض الواقع لا يوجد شيء، لأني حقيقة لم أستنفد غرضي مع القصة القصيرة، فعبرها أحاول أن أفهم أرواح الناس، من خلال كتابة تشبهني، تفرضها طبيعة الكتابة».
ولد سعيد الكفراوي في قرية كفر حجازي بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية (وسط دلتا مصر) في عام 1939. وقضى فترة صباه بها، وبدأ شغفه بالكتابة والأدب مبكراً. فمع بداية الستينيات كون نادياً أدبياً في قصر ثقافة المحلة الكبرى مع كوكبة من أصدقائه، منهم: الدكتور جابر عصفور، والكاتبان محمد المنسي قنديل، وجار النبي الحلو، والدكتور نصر حامد أبو زيد، والشاعران محمد صالح، وفريد أبو سعدة. لفت هذا التجمع الأدبي الأنظار إليه بقوة في تلك الفترة، حيث كشف عن أصوات تتمتع برؤى وأفكار بكر مهمة في حقل الإبداع والنقد الأدبي والبحث العلمي، استطاعت خلال سنوات أن يكون لها حضورها المرموق في الحياة الثقافية والعمل الثقافي العام.
ترك الكفراوي حصيلة إبداعية متنوعة وخصبة في مجال القصة القصيرة، بلغت نحو 14 مجموعة قصصية، من أبرزها: «مدينة الموت الجميل»، «سترة العورة»، «سدرة المنتهى»، «مجرى العيون»، «دوائر من حنين»، «بيت للعابرين»، «كشك الموسيقى»، و«البغدادية»، و«يا قلب مين يشتريك». وفي عام 2015 قامت الدر المصرية اللبنانية للنشر بالقاهرة بطباعة أعماله في مجلدين أنيقين، صمم الغلاف لهما والرسوم الداخلية وأشرف على الطباعة فنياً نجله الفنان الشاب عمرو الكفراوي.
تبرز في قصص سعيد الكفراوي مسحة من الزهد والنسك، وتتشكل بتنويعات ورؤى مختلفة فنياً وفكرياً، وانتقالات سردية مباغتة، لكنها تظل مسكونة بالسؤال كركيزة أساسية لمحاولة فهم الذات والعالم المحيط بها، ينعكس كل هذا على عجينة القص، حيث يتلاقح الغرائبي المشدود لبراح المجهول والمكبوت، بالواقعي المؤطر بدبيب البشر وأحلامهم البسيطة في التشبث بالأمل وإرادة الحياة، وهو ما يوفر مساحة لجدلية كاشفة، يتحول فيها الواقع إلى كابوس، والعكس أيضاً، وهي جدلية متجددة، تكاد تشكل حجر الرؤية ومحور الإيقاع في فضاء معظم أعماله، كما يتميز بناؤه الفني بالحفر في دوائر الوعي واللاوعي، الإمكان واللاإمكان، بتنوعها وتجذرها الإنساني اللافت، كاشفاً في الوقت نفسه، عن المناطق المعتمة في النفس البشرية والمتناثرة في مراوحات الحنين والرغبة والحب والشغف بالحياة، وهي مناطق حميمة، يتهددها الموت بأشكال عدة.
ويدين الكفراوي في مشروعه القصصي لعالم القرية بكل تجلياته وأزمنته، فهذا العالم المسكون بالخوف والقلق والفقر، وبداهة السؤال واليقين والمعرفة، ظل مفعماً بالطزاجة والعفوية والدهشة ورافداً أساسياً لصناعة الدهشة في معظم أعماله.
عن هذا الهم يقول الكفراوي، «أحاول في كتاباتي البحث عن نبرة تشبهني، وبقدر استطاعتي أضيق المساحة بين صوتي الكاتب والشخصية. فالقصة القصيرة، كما قال إدوارد الخراط، نبوءة نواجه من خلالها أهوال الحياة والموت. إنها فعلاً نبوءة أو حلم، حتى لو كانت مادتها الواقع الذي نحياه. لقد أثار أنطون تشيخوف انتباه العالم بقصصه عن الإنسان وأحواله، وكان مخلصاً إلى حد جعلنا لا نخجل من حياتنا أبداً».
ومن المواقف الفارقة في حياة سعيد الكفراوي، تعرضه للاعتقال لمدة 6 أشهر سنة 1970، قبيل أيام من وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، بسبب قصة كتبها بعنوان «المهرة» فُسرت بطريقة سياسية معينة، وبعد خروجه من المعتقل حكى ما حدث له لنجيب محفوظ، فأخبره أنه استوحى مما رواه له عما جرى له في المعقل شخصية إسماعيل الشيخ في روايته «الكرنك».
تمتع سعيد الكفراوي بحالة من المحبة والتقدير في الوسط الثقافي المصري، وكان يشارك في معظم الفعاليات الثقافية المهمة، لكن نشاطه قل في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد فقده زوجته ورفيقة عمره قبل نحو ثلاث سنوات.
حصل على جائزة السلطان قابوس للقصة القصيرة، وترجم عدد من أعماله إلى اللغات الأجنبية منها، الإنجليزية والفرنسية والألمانية والتركية والسويدية والدنماركية. كما أنتجت مؤسسة السينما العراقية فيلماً عن قصته «الفلاح والرئيس»، بعنوان «مطاوع وبهية».
وفور إعلان خبر رحيله تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، لا سيما «فيسبوك» الأكثر انتشاراً بين المصريين، إلى ما يشبه سرادق عزاء، واتشحت حسابات القراء والأدباء والباحثين بالسواد في وداع الكاتب الكبير الذي يكن له الجميع من مختلف الأجيال محبة شديدة، نظراً لما تمتع به على المستوى الإنساني من نقاء وزهد وبعد عن المعارك المعتادة في الوسط الثقافي.
جاءت كلمات وتعليقات رفاق درب الكفراوي الأكثر إيلاماً وشجناً، فمن جانبه علق الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، مؤكداً أن الكفراوي في أيامه الأخيرة كان يطالبه بأن يدعو له بالرحيل سريعاً بعد وفاة زوجة الأول السيدة «أحلام»، ليلحق بها في حياة أخرى، فينخرط عبد المجيد في البكاء. ويختتم صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية» تعليقه قائلاً: «الآن لم يتبق لي سوى الفراغ والعدم».
ومن مجايلي الراحل الكبير، الروائي محمود الورداني الذي يكتب باقتضاب: «مع السلامة يا سعيد، لن أتأخر عليك كثيراً، انتظرني!». بينما أعرب الباحث والمؤرخ الفني محمود قاسم، عن حزنه الشديد لأنه كان يريد أن يموت قبله كي يدفنه الكفراوي الذي وصفه بـ«الشهم» و«النبيل».
وبكلمات تلقائية حائرة لم تفق بعد من الصدمة، كتب الناشر محمد هاشم صاحب دار «ميريت» قائلاً: «ما أسوأ هذا الخبر المؤلم، وما أعظم الفجيعة، لن ننسي حنوك الغامر ومحبتك الطاغية للناس والكتابة، من لقلب وسط البلد الآن يا عم سعيد؟ وداعاً أيها الكبير كاتباً وإنساناً. كل كلمات العزاء لا تعبر عن الحزن قلبي معك يا صديقي عمري وقلبي. مع كل أحبابك والعارفين بأفضالك ومقامك».
وكتب الشاعر الإعلامي المغربي ياسين عدنان، يقول: «سعيد الكفراوي يغادرنا اليوم. رجل من أكرم الناس وأعذبهم وأخدمهم للناس. حين زرت القاهرة أول مرة قبل عشرين سنة وطبعتُ فيها مجموعتي القصصية الأولى عند دار ميريت، كان هو والصديق الشاعر شعبان يوسف من تكفلا بتقديمي للقراء والأصدقاء في معرض القاهرة للكتاب، وحينما عدتُ إلى القاهرة قبل سنتين للشروع في مغامرة إعلامية جديدة عنوانها برنامج تلفزيوني هو (بيت ياسين)، لجأت إليه ليكون ضيفي الأول. بفضل سحر هذا الرجل الفياض: بالقصص، المشاعر... العربية تفقد اليوم ناسكها».



مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.