رحيل سعيد الكفراوي... الحكاء الناسك

رحيل سعيد الكفراوي... الحكاء الناسك

صاحب «مجرى العيون» و«دوائر الحنين» ظل يبحث عن كتابة تشبهه
الأحد - 30 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 15 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15328]
سعيد الكفراوي

بعد رحلة خصبة من الإبداع ومحبة الحياة والكتابة وصراع مع أمراض الشيخوخة، فقدت الحياة الثقافية المصرية والعربية القاص سعيد الكفراوي الذي غيبه الموت صباح أمس ببيته بالقاهرة عن عمر يناهز 81 عاماً.
ينتمي سعيد الكفراوي إلى جيل الستينيات الأدبي في مصر، وكرس حياته لكتابة القصة القصيرة، واستطاع من خلال أعماله القصصية أن يصنع في فضائها المتنوع جدارته وتميزه وأسلوبه الخاص. ورغم ذلك ظلت الرواية حلماً يطارده من وقت لآخر، ونقطة حنين غائمة في مشواره الأدبي، حتى أنه تحدث في أكثر من لقاء وحوار معه، عن أسماء لروايات يحضر لكتابتها، لافتاً إلى أن كتابة الرواية تحتاج إلى جهد روحي، ومعايشة خاصة، لأزمنة وصراعات وحيوات شخوص، لهم طرائقهم المتقلبة في التعامل مع الحياة، وحسبما قال: «كان لدي العديد من مشاريع لروايات لم تكتب، ومنها (حافة الخليج)، وهي عن تجربة مدرس مصري مغترب يعمل في بلد عربي، وتركز في مجملها على القصاص وقسوة الواقع، ومن فترة طويلة كانت لديّ فكرة رواية أخرى، عن شخص اسمه بطرس الصياد، وهو مسيحي أنتج فليماً عن تجلي العذراء، ما أثار العديد من الإشكاليات مع من حوله... كلها مشاريع، لكن على أرض الواقع لا يوجد شيء، لأني حقيقة لم أستنفد غرضي مع القصة القصيرة، فعبرها أحاول أن أفهم أرواح الناس، من خلال كتابة تشبهني، تفرضها طبيعة الكتابة».
ولد سعيد الكفراوي في قرية كفر حجازي بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية (وسط دلتا مصر) في عام 1939. وقضى فترة صباه بها، وبدأ شغفه بالكتابة والأدب مبكراً. فمع بداية الستينيات كون نادياً أدبياً في قصر ثقافة المحلة الكبرى مع كوكبة من أصدقائه، منهم: الدكتور جابر عصفور، والكاتبان محمد المنسي قنديل، وجار النبي الحلو، والدكتور نصر حامد أبو زيد، والشاعران محمد صالح، وفريد أبو سعدة. لفت هذا التجمع الأدبي الأنظار إليه بقوة في تلك الفترة، حيث كشف عن أصوات تتمتع برؤى وأفكار بكر مهمة في حقل الإبداع والنقد الأدبي والبحث العلمي، استطاعت خلال سنوات أن يكون لها حضورها المرموق في الحياة الثقافية والعمل الثقافي العام.
ترك الكفراوي حصيلة إبداعية متنوعة وخصبة في مجال القصة القصيرة، بلغت نحو 14 مجموعة قصصية، من أبرزها: «مدينة الموت الجميل»، «سترة العورة»، «سدرة المنتهى»، «مجرى العيون»، «دوائر من حنين»، «بيت للعابرين»، «كشك الموسيقى»، و«البغدادية»، و«يا قلب مين يشتريك». وفي عام 2015 قامت الدر المصرية اللبنانية للنشر بالقاهرة بطباعة أعماله في مجلدين أنيقين، صمم الغلاف لهما والرسوم الداخلية وأشرف على الطباعة فنياً نجله الفنان الشاب عمرو الكفراوي.
تبرز في قصص سعيد الكفراوي مسحة من الزهد والنسك، وتتشكل بتنويعات ورؤى مختلفة فنياً وفكرياً، وانتقالات سردية مباغتة، لكنها تظل مسكونة بالسؤال كركيزة أساسية لمحاولة فهم الذات والعالم المحيط بها، ينعكس كل هذا على عجينة القص، حيث يتلاقح الغرائبي المشدود لبراح المجهول والمكبوت، بالواقعي المؤطر بدبيب البشر وأحلامهم البسيطة في التشبث بالأمل وإرادة الحياة، وهو ما يوفر مساحة لجدلية كاشفة، يتحول فيها الواقع إلى كابوس، والعكس أيضاً، وهي جدلية متجددة، تكاد تشكل حجر الرؤية ومحور الإيقاع في فضاء معظم أعماله، كما يتميز بناؤه الفني بالحفر في دوائر الوعي واللاوعي، الإمكان واللاإمكان، بتنوعها وتجذرها الإنساني اللافت، كاشفاً في الوقت نفسه، عن المناطق المعتمة في النفس البشرية والمتناثرة في مراوحات الحنين والرغبة والحب والشغف بالحياة، وهي مناطق حميمة، يتهددها الموت بأشكال عدة.
ويدين الكفراوي في مشروعه القصصي لعالم القرية بكل تجلياته وأزمنته، فهذا العالم المسكون بالخوف والقلق والفقر، وبداهة السؤال واليقين والمعرفة، ظل مفعماً بالطزاجة والعفوية والدهشة ورافداً أساسياً لصناعة الدهشة في معظم أعماله.
عن هذا الهم يقول الكفراوي، «أحاول في كتاباتي البحث عن نبرة تشبهني، وبقدر استطاعتي أضيق المساحة بين صوتي الكاتب والشخصية. فالقصة القصيرة، كما قال إدوارد الخراط، نبوءة نواجه من خلالها أهوال الحياة والموت. إنها فعلاً نبوءة أو حلم، حتى لو كانت مادتها الواقع الذي نحياه. لقد أثار أنطون تشيخوف انتباه العالم بقصصه عن الإنسان وأحواله، وكان مخلصاً إلى حد جعلنا لا نخجل من حياتنا أبداً».
ومن المواقف الفارقة في حياة سعيد الكفراوي، تعرضه للاعتقال لمدة 6 أشهر سنة 1970، قبيل أيام من وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، بسبب قصة كتبها بعنوان «المهرة» فُسرت بطريقة سياسية معينة، وبعد خروجه من المعتقل حكى ما حدث له لنجيب محفوظ، فأخبره أنه استوحى مما رواه له عما جرى له في المعقل شخصية إسماعيل الشيخ في روايته «الكرنك».
تمتع سعيد الكفراوي بحالة من المحبة والتقدير في الوسط الثقافي المصري، وكان يشارك في معظم الفعاليات الثقافية المهمة، لكن نشاطه قل في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد فقده زوجته ورفيقة عمره قبل نحو ثلاث سنوات.
حصل على جائزة السلطان قابوس للقصة القصيرة، وترجم عدد من أعماله إلى اللغات الأجنبية منها، الإنجليزية والفرنسية والألمانية والتركية والسويدية والدنماركية. كما أنتجت مؤسسة السينما العراقية فيلماً عن قصته «الفلاح والرئيس»، بعنوان «مطاوع وبهية».
وفور إعلان خبر رحيله تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، لا سيما «فيسبوك» الأكثر انتشاراً بين المصريين، إلى ما يشبه سرادق عزاء، واتشحت حسابات القراء والأدباء والباحثين بالسواد في وداع الكاتب الكبير الذي يكن له الجميع من مختلف الأجيال محبة شديدة، نظراً لما تمتع به على المستوى الإنساني من نقاء وزهد وبعد عن المعارك المعتادة في الوسط الثقافي.
جاءت كلمات وتعليقات رفاق درب الكفراوي الأكثر إيلاماً وشجناً، فمن جانبه علق الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، مؤكداً أن الكفراوي في أيامه الأخيرة كان يطالبه بأن يدعو له بالرحيل سريعاً بعد وفاة زوجة الأول السيدة «أحلام»، ليلحق بها في حياة أخرى، فينخرط عبد المجيد في البكاء. ويختتم صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية» تعليقه قائلاً: «الآن لم يتبق لي سوى الفراغ والعدم».
ومن مجايلي الراحل الكبير، الروائي محمود الورداني الذي يكتب باقتضاب: «مع السلامة يا سعيد، لن أتأخر عليك كثيراً، انتظرني!». بينما أعرب الباحث والمؤرخ الفني محمود قاسم، عن حزنه الشديد لأنه كان يريد أن يموت قبله كي يدفنه الكفراوي الذي وصفه بـ«الشهم» و«النبيل».
وبكلمات تلقائية حائرة لم تفق بعد من الصدمة، كتب الناشر محمد هاشم صاحب دار «ميريت» قائلاً: «ما أسوأ هذا الخبر المؤلم، وما أعظم الفجيعة، لن ننسي حنوك الغامر ومحبتك الطاغية للناس والكتابة، من لقلب وسط البلد الآن يا عم سعيد؟ وداعاً أيها الكبير كاتباً وإنساناً. كل كلمات العزاء لا تعبر عن الحزن قلبي معك يا صديقي عمري وقلبي. مع كل أحبابك والعارفين بأفضالك ومقامك».
وكتب الشاعر الإعلامي المغربي ياسين عدنان، يقول: «سعيد الكفراوي يغادرنا اليوم. رجل من أكرم الناس وأعذبهم وأخدمهم للناس. حين زرت القاهرة أول مرة قبل عشرين سنة وطبعتُ فيها مجموعتي القصصية الأولى عند دار ميريت، كان هو والصديق الشاعر شعبان يوسف من تكفلا بتقديمي للقراء والأصدقاء في معرض القاهرة للكتاب، وحينما عدتُ إلى القاهرة قبل سنتين للشروع في مغامرة إعلامية جديدة عنوانها برنامج تلفزيوني هو (بيت ياسين)، لجأت إليه ليكون ضيفي الأول. بفضل سحر هذا الرجل الفياض: بالقصص، المشاعر... العربية تفقد اليوم ناسكها».


مصر Art وفات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة