حملة ترمب متمسّكة بالمسار القضائي

مراقبون يستبعدون نجاح الطعون في تغيير النتيجة

متظاهرون اجتمعوا وسط مدينة لانشينغ بميشيغان دعما للرئيس ترمب أمس (رويترز)
متظاهرون اجتمعوا وسط مدينة لانشينغ بميشيغان دعما للرئيس ترمب أمس (رويترز)
TT

حملة ترمب متمسّكة بالمسار القضائي

متظاهرون اجتمعوا وسط مدينة لانشينغ بميشيغان دعما للرئيس ترمب أمس (رويترز)
متظاهرون اجتمعوا وسط مدينة لانشينغ بميشيغان دعما للرئيس ترمب أمس (رويترز)

يرفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبول «الهزيمة» في سباق الانتخابات الرئاسية أمام خصمه الديمقراطي جو بايدن، ويؤكّد حصول تلاعب انتخابي وتزوير في الأصوات، متمسّكاً بسلك المسار القضائي وتحدّي نتيجة الاقتراع في المحاكم الفيدرالية، وصولاً إلى المحكمة العليا.
ومما لا شكّ فيه أن الرئيس ترمب عزّز قاعدته الشعبية بعد أن فاز بما يصل إلى 71 مليون صوت، ما يدعم استمرار تأثيره في الحياة السياسية الأميركية داخل البيت الأبيض وخارجه.
{الانتخابات لم تنته بعد}
وبعد إعلان المحطات التلفزيونية فوز بايدن بالانتخابات بعد انتزاعه ولاية بنسلفانيا، قال محامي الرئيس رودي جولياني بشكل قاطع «إنه لن يتنازل». فيما أكد ترمب هذا الموقف في بيان لاحق قائلاً: «الحقيقة البسيطة هي أن هذه الانتخابات لم تنته بعد». وأضاف أن «الأصوات القانونية هي التي تحدد الرئيس، لا الإعلام».
لكن خبراء يشيرون إلى أنه سيكون من الصعب على ترمب تغيير النتيجة، ما لم يقدّم أدلة على وجود تزوير واسع النطاق في فرز الأصوات تسبب بقلب النتائج في عدة ولايات.
وأفاد ترمب بأن فريق حملته سيتوجّه إلى المحاكم اليوم «لضمان المحافظة الكاملة على قوانين الانتخابات، وتولي الفائز الحقيقي المنصب». وأشار إلى أنه يتوقع إعادة عد الأصوات في الولايات، حيث يتقدّم بايدن ببضعة آلاف الأصوات فقط. وتحدّث على وجه الخصوص عن بنسلفانيا، حيث يشير الجمهوريون إلى وجود تزوير، ويقولون إنه تم احتساب آلاف بطاقات الاقتراع التي وصلت متأخرة عبر البريد بشكل مخالف للقانون.
وقال رودي جولياني، محامي ترمب، السبت في فيلادلفيا، كبرى مدن بنسلفانيا، إنه «لا يحق للشبكات (الإعلامية) تقرير نتيجة الانتخابات. المحاكم هي التي تقوم بذلك. تضع المحاكم الانتخابات جانباً عندما تكون غير قانونية».
لكن مع حساب جميع الأصوات البالغ عددها أكثر من 150 مليوناً، لم يحصل ترمب على ما يكفي من أصوات الهيئة الناخبة التي تختار الرئيس رسمياً، وفق ما أجمعت عليه وسائل الإعلام الأميركية.
وسبق أن لجأ مرشحون إلى المحاكم. ففي عام 2000، عندما كانت المعركة الانتخابية بين الجمهوري جورج بوش الابن والديمقراطي آل غور متوقفة على النتيجة في فلوريدا، حيث كان بوش متقدماً بفارق أكثر من 500 صوت بقليل، رفعت المسألة إلى المحكمة العليا لإعادة عد الأصوات في الولاية.
ورفضت المحكمة إعادة فرز الأصوات، ما أدى إلى إعلان فوز بوش. لكن في حالة ترمب، لن يكون عليه فقط تجاوز فارق بنحو 40 ألف صوت في بنسلفانيا، لكنه متراجع كذلك بآلاف الأصوات في كل من نيفادا وجورجيا وأريزونا وويسكنسن. ويستبعد بدرجة كبيرة أن تتحرّك المحكمة العليا لإلغاء نتائج انتخابات بهذا الفارق في عدة ولايات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». ويتوقع أن يعاد فرز الأصوات في كل من ويسكنسن وجورجيا، وربما في ولايات أخرى.
لكن نادراً ما تقلب إعادة فرز الأصوات نتيجة الانتخابات. وفي 2016، أضافت إعادة فرز الأصوات في ويسكنسن 131 صوتاً لصالح ترمب الذي كان في الأساس متقدماً على منافسته الديمقراطية آنذاك هيلاري كلينتون.
أعراف سياسية
وجرت العادة في العرف السياسي الأميركي أن يلقي المنهزم في الانتخابات الرئاسية خطاب «التنازل» ويهنئ الفائز، كما يستغل فرصة الخطاب لحث الأميركيين على تجاوز الانقسامات والتوحد خلف الرئيس المنتخب الجديد. ويختار المرشح الرئاسي المنهزم بين إرسال برقية لمنافسه لتهنئته، أو الاتصال به هاتفياً، أو إلقاء خطاب تلفزيوني.
ومنذ عام 1801، عندما تولى توماس جيفرسون مقاليد الحكم من خصمه السياسي جون آدامز، اعتبر الانتقال السلس للسلطة بين الأحزاب من أهم الطقوس السياسية الأميركية.
ويحذّر المراقبون من تداعيات رفض ترمب إلقاء خطاب تنازل علني أو إجراء مكالمة تهنئة لبايدن، مما قد يفاقم التوترات السياسية في البلاد، ويعمّق الانقسامات. ويقول ويليام هويل، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة شيكاغو: «سيكون الأمر ضاراً حقاً، لأن خطابات التنازل هي نوع من التأكيد على شرعية الانتخابات». وتابع أن إلقاء خطاب التنازل والاعتراف بالهزيمة وتهنئة الفائز اعتراف بنتيجة الانتخابات، ودعوة لأتباع المرشح المنهزم إلى قبول النتيجة والترحيب بالفائز باعتباره الرئيس الجديد للبلاد، و«هو أمر ضروري لصحة ديمقراطيتنا».
تحديات الفترة الانتقالية
ورغم تأكيد ترمب في السابق أن الخسارة صعبة القبول بالنسبة له، يتوقّع بعض المحللين أن يقدم الرئيس الحالي على خطوة الاعتراف بالهزيمة والتنازل، في حال لم تكن للدعاوى القضائية التي يتّجه لرفعها وزن قانوني صلب؛ فالرئيس ترمب ليس أول رئيس أميركي تشكك في نتائج الانتخابات، إذ سبقه في ذلك ريتشارد نيكسون الذي صرح بأنه تعرض للغش في انتخابات عام 1960 ضد جون كينيدي بسبب أخطاء في تكساس وإلينوي، لكنه عاد وأدرك أنه إذا لم يقدم على الاعتراف بالهزيمة فإنه قد يكون قد أنهى بذلك مستقبلة السياسي. ويقول المحللون إن بعض المحيطين بالرئيس ترمب يسعون إلى إقناعه بهذه النتيجة أيضاً، إدراكاً منهم أنه خسر الرهان الانتخابي.
من جانب آخر، يملك ترمب كثيراً من المسارات لإزعاج منافسه المنتصر وأمامه في البيت الأبيض سبعون يوماً يمكنه أن يختار فيها تسهيل الأمور، ويجعل انتقال السلطة سلسلاً، أو يختار تعقيد الأمور وعرقلة عمل الفريق الانتقالي.
ويستطيع ترمب إصدار مجموعة من الأوامر التنفيذية والمراسيم التنظيمية والتعيينات القضائية وحتى إجراءات عسكرية في الفترة التي تُسمّى تقليدياً بـ«البطة العرجاء»، وهي الفترة المتبقية للرئيس منتهية ولايته في المنصب حتى تسليم السلطة.
ووفق للتقاليد الأميركية، فإن القانون يمنح الرئيس المنتخب وفريقه الانتقالي تصاريح أمنية عاجلة ومساحة مكتبية حكومية وميزانية لتسهيل عمليه التخطيط الانتقالي من الرئيس منهية ولايته إلى الرئيس الجديد، لأن مهام الفريق الانتقالي تتضمن وضع رؤية لشغل نحو 4000 وظيفة داخل الإدارة الأميركية الجديدة، وتنظيم الأولويات التشريعية، ووضع خطط لمعالجة الأزمات الراهنة، كمكافحة فيروس «كورونا».
ويمكن لترمب اتّخاذ إجراءات بحيث يجعل من الصعب على بايدن التراجع عنها، مثل إصدار أوامر تنفيذية وإقالات وتعيينات لقضاة في المحاكم الفيدرالية. فبإمكان ترمب شغل 66 منصباً قضائياً شاغراً في المحاكم الفيدرالية، منها ترشيحات معلقة لشغل 41 منصباً.
وفي حال فاز الديمقراطيون بأغلبية في مجلس الشيوخ، فإنهم سيسعون للتراجع عن قرارات تم تمريرها خلال 60 يوماً من التقويم التشريعي السابق. وقد استخدم الجمهوريون هذه الاستراتيجية للتراجع عن العديد من سياسات إدارة باراك أوباما عند وصول ترمب إلى السلطة في عام 2017.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended