حياة أربعة مفكرين ثوريين... بنيامين وفتغنشتاين وهايدغر وكاسيرر

أحدثوا ثورة فلسفية عبر العقد الممتد ما بين الحرب الكبرى والكساد العظيم

هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
TT

حياة أربعة مفكرين ثوريين... بنيامين وفتغنشتاين وهايدغر وكاسيرر

هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر
هايدغر - فتغنشتاين - بنيامين - كاسيرر

في سنة 1929 التقت مجموعة متميزة من الباحثين في فندق «غراند بيلفيدير» في منتجع التزلج السويسري في دافوس، المكان الذي اكتسب شهرة أدبية من خلال «رواية» الجبل السحري لتوماس مان، وذلك في مؤتمر فلسفي كبير. في اللقاء دخل اثنان من أكثر المفكرين تأثيراً في تلك الفترة، مارتن هايدغر وإرنست كاسيرر، في جدل فلسفي صار أسطورياً. كان كاسيرر، الأستاذ المهذب من هامبورغ الذي جسد البرجوازي الليبرالي، والمثقف الكوني، يمثل المؤسسة الفلسفية. القادم الجديد والأصغر بكثير، مارتن هايدغر، بشعره الأسود ولونه المائل إلى السمرة نتيجة للأيام التي قضاها في التزلج، كان مصمماً على هز هذه المؤسسة. كان صراع شخصيات وفلسفات متعارضة. فبينما مثّل كاسيرر، المرجع العالمي في كانط، والذي كان في قمة مجده، القيم التنويرية للعقل البشري للتسامح والتقدم الحضاري، كان هايدغر، الذي كان قد نشر قبل عامين عمله الوجودي الكبير «الوجود والزمن»، يمثل ما في الحداثة من نزعة وطنية ورؤية صوفية رومانسية مضادة لليبرالية. كان جدلهما حول الحالة الإنسانية في القاعة الكبرى من الفندق بحضور جمهور ضخم يتضمن رودولف كارناب، وإميل ليفيناس، ونوربرت إلياس، يبرز هاتين الرؤيتين المتعارضتين للعالم. كان مرآة لروح العصر التي سادت ما بين الحربين.
تشكل المواجهة في دافوس الإطار لكتاب فولفرام آيلنبرغر الرائع «عصر السحرة»، الذي يتتبع الدروب التي سلكها أربعة من كبار المفكرين المتحدثين بالألمانية والذين أحدثوا ثورة فلسفية عبر العقد الممتد ما بين الحرب الكبرى والكساد العظيم: كاسيرر، وهايدغر، ولودفيغ فتنغشتاين، وفالتر بنيامين. يرى آيلنبرغر عشرينات القرن الماضي على أنها اللحظة الكبرى الأخيرة للفلسفة الألمانية. الشخوص الأربعة في كتابه استطاع كل واحد منهم أن يشكل المدارس الرئيسة للفكر التي هيمنت على عالمنا الفلسفي: الهرمنيوطيقا، والوجودية، والفلسفة التحليلية، والنظرية النقدية. كان ذلك هو التحول المتطرف للحرب العالمية الأولى، التي هزت الثقافة السياسية واليقينيات الأخلاقية حول التقدم الإنساني، وكذلك الانقلابات الجوهرية التي تلت والتي أنتجت الثورات الفكرية الرئيسة في تلك السنوات.
يتتبع «عصر السحرة» حياة وأعمال أربعة فلاسفة مشبّكاً سيرهم الشخصية والفكرية. يروي حكاياتهم متوازية، يقفز إلى الخلف وإلى الأمام في سلسلة من اللقطات السريعة بطريقة بالغة التأثير وتصنع سردية ملونة وسريعة الخطو. المواضع الأكثر إثارة من الكتاب هي تلك المتعلقة بإرنست كاسيرر، الذي نشر ما بين 1923 و1929 كتابه ذا المجلدات الثلاثة «فلسفة الأشكال الرمزية»، الكتاب الذي يَدرس الإنسان بوصفه مخلوقاً يصنع الإشارات ويقرأها، ويتأمل في استعمال الأشكال الرمزية، وأهمها اللغة، في حياة الإنسان. كان كاسيرر ابناً لأسرة برجوازية ألمانية يهودية من روسيا البيضاء، وهو أحد الديمقراطيين القلة الملتزمين في عصره. في سنة 1928 ألقى خطاباً في مجلس شيوخ هامبورغ بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لدستور مقاطعة فايمار مدافعاً بحرارة عن الجمهورية التي تتعرض لهجوم. أنذرته زوجته، توني، بأن إعلان الولاء للجمهورية كان شديد الخطورة في الأجواء السياسية السائدة آنذاك، لا سيما وهو بروفسور يهودي. كان جار لهم معادٍ للسامية في حي ونترهود الراقي في هامبورغ قد تهجم عليها لفظياً بقوله: «هل تظنون أنكم لا تزعجوننا؟ إن مجرد رؤيتكم – إنكم تنتمون إلى فلسطين». بعد تولي هتلر أُبعد كاسيرر عن وظيفته الجامعية وهرب الزوجان إلى سويسرا.
عندما كانت أسرة كاسيرر تحزم أمتعتها، كان هايدغر، «نبي الكينونة»، يصعد المنصة مديراً معيناً حديثاً لجامعة فرايبورغ ليعلن دعمه الثابت للنظام الجديد في كلمته سيئة السمعة «تأكيد الجامعة الألمانية لذاتها». ستدّعي تلميذته وعشيقته السابقة حنة أرنت أن شخصيته لم تكن سيئة لأنه لم تكن له شخصية (تبرئة). بدأ هايدغر حياته برجوازياً نكرة قادماً من الغابة السوداء، ثم خدم في الحرب العالمية الأولى وبعد عودته انطلق في مسيرة صاروخية، أولاً في ماربورغ وبعد ذلك في فرايبورغ حيث شغل الكرسي الذي كان يشغله راعيه، الفينومينولوجي إدموند هوسرل. في «الوجود والزمن» (1927)، الذي يتناول الوجود الإنساني، قدم هايدغر ميتافيزيقا لطبيعة الوجود. هو قلق حول فناء الإنسان، يعرّف الإنسان بأنه «وجود (دازاين) ملقى به في العالم» –يجعل المرء يتأمل في الاحتمالات المتاحة لوجوده. لكن الدرجة المثالية التي رفع إليها، من زاوية شعبوية، التجذر العضوي في البيئة الطبيعية، واللغة والتقاليد، وكذلك رومانسيته الريفية، وكراهيته المَرضية للبرجوازية الليبرالية، هي في المقام الأول ما أثار إعجاب الكثير من المثقفين الشبان آنذاك.
لودفيغ فتغنشتاين خدم أيضاً كجنديٍّ في الحرب. أكمل كتابه «رسالة منطقية فلسفية»، الذي مثَّل مرحلة جديدة في الفلسفة التحليلية، حيث تناول مسألة ما يمكن للبشر أن يقولوه من معنى، وما لا يمكنهم قوله، في معسكر لأسرى الحرب في إيطاليا. عند نشره عام 1921 احتفى به العالم بوصفه عبقرية القرن. كان فتغنشتاين وريثاً لإحدى أغنى الأسر الصناعية في فيينا، ولكنه أهدى كل إرثه –أي المئات من الملايين– لإخوته، وقرر أن يتحول إلى التدريس في مدرسة ابتدائية في ريف النمسا. لقد اعتقد أنه بعمله حل كل مشكلات الفلسفة «بشأن كل المسائل الأساسية». وكما هو متوقع لم يحقق تلامذته توقعاته. ونتيجة لما شعر به من إحباط كان كثيراً ما يضربهم بمفاصل يده على رؤوسهم أو بضربات بعصاه؛ في إحدى المرات ضرب صبياً على الرأس بدفتر التمارين حتى تمزق. في سنة 1929 تحققت له فرصة ثانية. وافقت جامعة كيبمرج على قبول «رسالة منطقية فلسفية» لتكون أطروحة دكتوراه. يقال إنه عند نهاية المناقشة قام المرشح ذو الأربعين عاماً بالتربيت بأدب على أكتاف ممتحنيه المتوترين، بيرتراند رسل وج. إي. مور، قائلاً: «لا تقلقوا، أدري أنكم لن تفهموه أبداً». كتب مور في تقرير اللجنة: «في رأيي أن هذا عمل عبقري؛ إنه في كل الحالات يرقى لمتطلبات الدرجة في كيمبرج». وكان جون مينارد كاينز قد لاحظ قبل ذلك بأشهر، في لقائه بفتغنشتاين في عربة قطار باتجاه كيبمرج: «حسناً، لقد وصل الإله، قابلته اليوم الساعة 5:15 في القطار».
أخيراً هناك فالتر بنيامين الذي يصفه آيلنبرغر بأنه «فيمار الرجل الواحد» الذي عاش الحياة الخطرة لمثقف مستقل. درس بنيامين في فرايبورغ على يد فيلسوف الكانطية الجديدة هاينريش ريكيرت، مع هايدغر، الذي كرهه بنيامين كراهية شديدة. في عام 1914 استطاع أن يحتال على أداء الخدمة العسكرية. ولقيت رسالة الدكتوراه التي كتبها حول «مفهوم النقد الفني في الرومانسية الألمانية» ترحيباً واسعاً. غير أن خروجه على التقاليد واستقلاليته الفكرية واهتماماته شديدة التنوع، كل ذلك بلغ حداً جعله غير مناسب للعمل في الجامعة فتحول للكتابة الحرة. تجول في أوروبا بين برلين وموسكو وباريس وكانت لديه، بتعبيره «شهية لا تنطفئ» للكازينوهات والنوادي الليلية والمواخير. ومع أنه مر بفترات من الاكتئاب والتدمير الذاتي فإن تلك لم تَخلُ من أوقات ارتفعت فيها إنتاجيته بشكل غير عادي. نصوصه تمتد عابرةً لحدود التخصصات والأساليب، واصلةً ما بين فلسفة اللغة والنظرية الأدبية إلى علم الاجتماع والتاريخ الثقافي. ويقدم آيلنبرغر رؤى معمقة حول أعمال أساسية له مثل مقالته حول «مهمة المترجم» (1921)، وهي تأملات في طبيعة اللغة، ومقالة «التشابهات الاختيارية لدى غوته» (1924)، وهي نقد لمؤسسة الزواج البرجوازية (وخطة الحياة البرجوازية بصفة عامة). حين غزت القوات الألمانية فرنسا عام 1940، حيث كان بنيامين يقيم لسنوات تعود إلى العقد السابق، هرب إلى الغرب وفي أحد فنادق جبال البيرينييه، قبيل الوصول إلى الحدود الإسبانية، انتحر.
مقاربة آيلنبرغر السيرية تعتمد على تتبع شخوصه إلى غرف نومهم. يلاحظ أنه «بين فلاسفتنا الأربعة كان كاسيرر الوحيد الذي لم تتحول غريزته الجنسية إلى مشكلة وجودية». يناقش مغامرات فتغنشتاين المثلية في «بريتر بارك» في فيينا، ويقتبس هايدغر وهو يكتب لمعشوقته حنة أرنت ذات الأعوام التسع عشرة أن «العفريت يسيطر عليَّ». وحين خانت هايدغر زوجته إلفريد مع فريديل قيصر، وكان طبيباً في مستشفى جامعة فرايبورغ، حاملة منه بالصبي هيرمان، تعامل هايدغر مع الأمر بهدوء. أما بنيامين فقد انطلق في استعراض من العلاقات؛ في إحدى تلك العلاقات لاحق النحاتة جولا كون، التي بدورها كانت على علاقة مع صديق بنيامين القديم إريك شون، الذي كانت زوجة بنيامين دورا على علاقة مكشوفة به. لكن عشق بنيامين الحقيقي كان مخرجة المسرح الشيوعية من لاتفيا آسيا لاتشيش. في ربيع عام 1929 كتبت دورا لغيرشوم (غيرهارد) شولم تقول:
«يسير فالتر في طريق سيئ جداً، يا عزيزي غيرهارد، ولا أستطيع أن أخبرك بأكثر من ذلك لأن الأمر يحطم قلبي. إنه بالكامل تحت تأثير آسيا ويفعل أشياء يقاوم القلم كتابتها وتمنعني من تبادل حتى الكلمات معه. إنه موجود الآن فقط بوصفه رأساً وأعضاءً تناسلية، وكما تعلم، أو يمكنك أن تتخيل، في حالات كتلك ينهزم الرأس سريعاً».
عبر الكتاب، يُبرز المؤلف المشتركات بين الفلاسفة الأربعة. الأهم بين تلك كانت اللغة التي احتلت موقعاً مركزياً لهم جميعاً في فهمهم للحالة الإنسانية. لقد جسّد كل واحد من أولئك المفكرين الكارزميين فلسفته؛ كانوا جميعاً، ربما باستثناء كاسيرر، شخصيات وصل الإعجاب بهم في حياتهم إلى درجة التقديس. ومع ذلك ففي النهاية كان الأربعة وبطرق مختلفة على تفاوت شديد، ويميل المؤلف أحياناً إلى المبالغة في إبراز تشابهاتهم على حساب النظر المدقق في اختلافاتهم. كما أن حياة تلك الشخصيات نادراً ما تقاطعت. يضاف إلى ذلك أن الفترة الزمنية المختارة (1919 – 1929) -التي توصف بأنها فترة «اختراع الفكر الحديث»– فترة اعتباطية. فقد كتب فالتر بنيامين بعض أعماله الأكثر أهمية، مثل «العمل في عصر إعادة الإنتاج الآلية» و«حول مفهوم التاريخ»، بعد تلك الفترة؛ كما أن عمله في معهد البحوث الاجتماعية، منطلق مدرسة فرانكفورت، لم يبدأ إلا في ثلاثينات القرن. وكتب فتغنشتاين «رسالة منطقية فلسفية» قبل 1919 و«أبحاث فلسفية» بعد 1929. أما كاسيرر فلم يكتب «فلسفة التنوير» و«منطق العلوم الثقافية» و«أسطورة الدولة» خلال وجوده في المنفى. ومر هايدغر بـ«انعطافته» بعد ذلك العقد. وحسب سيرة كل منهم، كان يمكن لسنة 1933، التي أثّرت في الفلاسفة الثلاثة ذوي الخلفية اليهودية بشكل مباشر، أن تكون الانقطاع الأكثر تقليدية ولكن الأكثر منطقية. ففي النهاية مثّل تولي النازيين الحكم هجوماً على الحياة العقلية في ألمانيا لن تستعيد البلاد عافيتها منه أبداً.
إن كتاب «عصر السحرة» مكتوب بلغة رفيعة ومرويٌّ على نحو جميل. آيلنبرغر، وهو الباحث العارف بالفلسفة، يمتلك مهارة التكثيف المركب للأفكار لتأتي في لغة سهلة، دون أن يكون ذلك على حساب العمق. كتابه يمزج السيرة بالفلسفة بالتاريخ ليخبر ليس فقط قصة الفلاسفة أنفسهم وإنما ليقدم أيضاً صورة فكرية مثيرة لعصرهم. ترافق نشر الطبعة الألمانية بنقاش حول الحالة الراهنة للفلسفة الأكاديمية. كتب آيلنبرغر، وهو فيلسوف غير مرتبط بمؤسسة، في مقالة في صحيفة «ديي تسايت» أن كليات الفلسفة أراضٍ يباب مقارنةً بعالم العمالقة الراحلين. المسائل التي تناقَش في مجلات الفلسفة الأكاديمية اليوم ليست مهمة لأحد، حتى للكتاب أنفسهم -كما يقول- وليس فيها شيء جديد أو مثير أو أصيل. وإن بدا هذا حكماً قاسياً، فإن كتاب «عصر السحرة» يثبت بكل تأكيد أن سنوات ما بين الحربين كانت بين أعظم ما شهدته البشرية من نشاط فكري.

* أستاذ التاريخ في
مدرسة لندن للاقتصاد.
المقالة مراجعة لكتاب «عصر السحرة: اختراع الفكر الحديث،
1919 - 1929»،
تأليف: فولفرام آيلنبرغر.
وترجمه عن الألمانية
شون وايتسايد.
المصدر: «ملحق التايمز الأدبي»



دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الفنانة التونسية درة إنها شعرت بالخوف من شخصية «ميادة الديناري» التي جسدتها في مسلسل «علي كلاي» الذي عُرض خلال موسم دراما رمضان الماضي، وأنها تتمنى أن يكون هذا الدور نقلة فنية مهمة في مشوارها، خصوصا أنه، وفق حديثها، أرهقها نفسياً، كما أعربت عن أمنيتها تجسيد شخصية تاريخية مثل «شجرة الدر».

وأكدت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن شخصية «ميادة الديناري» كانت شديدة الصعوبة عليها، وهذا ما استدعى منها جهداً كبيراً في البحث عن مفاتيح للشخصية تجعلها بعيدة عن شخصيتها الحقيقية ووجهها الهادئ؛ مثل طريقة الكلام ومخارج الحروف بالإضافة إلى طريقة مكياجها وملابسها خصوصاً العباءات التي منحت الشخصية حضوراً وقوة وثقة واكسسواراتها الغريبة ومجوهراتها التي تحمل أشكال حيوانات، مثل الأسد والتمساح، لتعبر عن تركيبة شخصيتها القوية المتسلطة.

وأضافت: «من أبرز ما يميز ملامح وجه شخصية (ميادة) أنه مثل وجه المقامر (POKER FACE)، وهذا ما أجهدني عصبياً ونفسياً لإيصاله إلى المشاهد».

أما أبرز الجمل و«اللزمات» التي علقت مع المشاهدين من قاموس «ميادة» فكانت «أنا أسيب ما أتسابش» و«لو حتقول لي راجل أنا ست بميت راجل» وفق قولها.

وعن تعاونها الأول مع المخرج محمد عبد السلام، فقد وصفته بأنه شخصية قيادية ويحب الممثل مهما كان حجم دوره، ويناقش في كل التفاصيل ليخرج المشهد في أفضل صورة.

ومن المشاهد التي تعدّها «ماستر سين» لها مشهد طلاقها من العوضي الذي أصابها بـ«هيستيريا جنونية»، حسب تعبيرها. أيضاً مشاهد مرضها في الحلقات الأخيرة التي استطاعت من خلالها كسب تعاطف المشاهد معها رغم كمية الشر بداخلها.

الفنانة التونسية درة شاركت في دراما رمضان الماضي (صفحتها على «فيسبوك»)

أما مشهد الصفعة على وجه العوضي فأشارت إلى أنه «من المشاهد الصعبة جداً لأنه تم تصويره في رمضان في أحد شوارع وسط البلد في القاهرة، وكل الذين ظهروا بالمشهد كانوا جمهوراً حقيقياً بالإضافة إلى فريق العمل».

وقالت إنها تحيّي العوضي على قبوله أداء هذا المشهد في الوقت الذي يجسد فيه شخصية البطل الشعبي بكل كبريائها وقوتها وعنفوانها.

وأشارت إلى الكيمياء الفنية بينها وبينه في أول لقاء يجمعهما بقولها: «إنه نجم ناجح بشكل كبير في الدراما الشعبية، وبداخله إحساس رائع بالشارع، وهو فنان يعشق عمله، وفى المشاهد التي جمعتنا كنا نبني المشهد معاً، وكلٌّ منّا يأخذ إحساسه من الآخر».

ولفتت إلى أنها ليست المرة الأولى التي تقدم فيها دور المرأة الشعبية، فقد سبق أن قدمتها في أكثر من عمل فنى مثل شخصية «ونيسة» في فيلم «الأولة في الغرام» الذي تعدّه الانطلاقة الحقيقية لها في السينما المصرية، وشخصية «دلال» في مسلسل «سجن النسا»، وشخصية «رمانة» في مسلسل «مزاج الخير»، وشخصية «سماح» في مسلسل «العار»، مؤكدةً أن كل هذه الشخصيات لم تكن تحمل كم الشر المخيف الموجود في شخصية «ميادة».

وأشارت إلى أنه على الرغم من وجود مواسم عرض كثيرة خارج شهر رمضان فإن العرض الرمضاني له تأثير كبير على نسبة المشاهدات ومعايشة الجمهور للعمل.

وبسؤالها عن تفضيلها البطولة المطلقة على العمل الجماعي، قالت إن «الدور هو الذي يحدد الإجابة عن هذا السؤال»، وأكدت أنها لا تمانع من المشاركة في عمل به بطولة جماعية إذا كان الدور يحمل أبعاداً وقيمة تضيف إليها كممثلة.

وأبدت الفنانة التونسية سعادتها بعرض مسلسلها «إثبات نسب» في موسم رمضان الماضي بعد تأجيله لمدة عامين، والذي شاركها بطولته نبيل عيسى وهاجر الشرنوبي ومحمد علي رزق، وهو تأليف محمد ناير، وإخراج أحمد عبده.

الفنانة التونسية درة (صفحتها على «فيسبوك»)

وقالت إن العمل حقق ردود أفعال إيجابية، خصوصاً أنه طرح قضية اجتماعية مهمة بأسلوب درامي مشوق، حيث تدور الأحداث حول امرأة تنقلب حياتها رأساً على عقب بعد أن أصبح طفلها الوحيد محور صراع شرس بين العائلات والمال والنفوذ لتجد الأم نفسها في مواجهة اتهامات تشكك في سلامتها العقلية ونسب طفلها.

وانتهت درة، أخيراً، من تصوير فيلم «الست لمّا» مع يسرا وماجد المصري وياسمين رئيس وعمرو عبد الجليل، الذي يسلط الضوء على قضايا حساسة مثل العنف ضد المرأة، والتحرش، والاغتصاب الزوجي، في قالب اجتماعي يجمع بين الدراما والكوميديا، وهو تأليف أيمن فوزي ومصطفى بدوي، وإخراج خالد أبو غريب.

وعن أحدث أعمالها التي بدأت في تصويرها قالت درة: «أصور حالياً مسلسل (قلب شمس)، من تأليف وإخراج محمد سامي الذي يشارك أيضاً في البطولة، ومعي النجمة الكبيرة يسرا وإنجي المقدم وسوسن بدر، ومن المقرر عرضه على إحدى المنصات الرقمية، وهو عمل اجتماعي رومانسي يناقش العلاقات الأسرية والمشكلات النفسية والعاطفية والاجتماعية التي تواجهها».

كما تنتظر عرض مسلسل «الذنب» مع هاني سلامة، في رابع تعاون فني معه بعد فيلم «الأولة في الغرام» ومسلسلي «نصيبي وقسمتك» و«بين السما والأرض» الذي قالت عن دورها فيه إنه مختلف، خصوصاً أنه ينتمي إلى نوعية الدراما النفسية، وهو من تأليف وإخراج رضا عبد الرازق، ويتكون من عشر حلقات، ومن المقرر عرضه قريباً رقمياً.

وعن الشخصية التي تتمنى تجسيدها في عمل فني، قالت إنها شغوفة بالأدوار التاريخية خصوصاً في التاريخ المعاصر، و«تتمنى أن تجسد إحدى الشخصيات الشهيرة، ومنها شخصية شجرة الدر»، على حد تعبيرها.

Your Premium trial has ended


مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
TT

مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)

في حين خرج ملايين المصريين إلى الحدائق والمساحات الخضراء في يوم «شم النسيم»، كان الأمر صعباً في إيجاد هذه المساحة أمام مجدي عاشور، الموظف الحكومي، إذ تقلصت أمامه فرص إيجاد حدائق مجانية بالقاهرة، يمكن فيها قضاء بضع ساعات لشم نسيم الربيع، وتناول مأكولاته، وسط تجمع عائلي، وبما يناسب ميزانيته.

يقول عاشور: «لجأت إلى محركات البحث وصفحات التواصل المتخصصة في ترشيح أماكن التنزه، ولكني لم أعثر على حديقة مجانية، كما كان الأمر قبل سنوات، والبديل كان في اختيار أقلها تكلفة، ممثلة في حديقة ابن سندر، الأقرب لمكان سكني بحي المطرية، والتي تبلغ تذكرة دخولها 5 جنيهات، نعم هي قيمة قليلة، ولكنها تكون مكلفة مع تجمع عائلي كبيرة العدد».

ويضيف عاشور لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نخرج من قبل للاستمتاع بالخضرة دون أن نحمل همّ تكلفة المكان، أما الآن فمعظم الحدائق والمتنزهات أصبحت تتطلب رسوم دخول، وبالطبع بخلاف أجرة الانتقال إليها ذهاباً وعودةً مع زيادة تعريفة المواصلات، مما زاد من تكلفة الاحتفال بـ(شم النسيم)، وهو ما يُشعرنا بافتقاد الحق في استنشاق هواء نقي مجاني».

في الماضي، كان يكفي المصريين إيجاد ركن هادئ على ضفاف النيل أو في إحدى الحدائق العامة، حيث يقومون بـ«افتراش ملاءة» على أرضها، لتجمع الأقارب أو الأصدقاء، لكن هذا المشهد البسيط تحول إلى مسألة تخضع للحسابات لدى عديد من الأسر والعائلات، مع فرض عديد من المتنزهات رسوماً لدخولها، تبدأ من 5 جنيهات وتتضاعف لتصل إلى 50 جنيهاً.

ورصدت «الشرق الأوسط» لجوء عديد من الأسر إلى بدائل مجانية كمتنفس لهم خلال احتفالات «شم النسيم»، منها حديقة جامعة القاهرة، وهي مساحة كبيرة من المسطحات الخضراء تجاور سور الجامعة، حيث اجتذبت عشرات التجمعات العائلية. بينما جذبت حديقة المسلة التاريخية بحي الزمالك بأشجارها النادرة عدداً من الزوار بعد افتتاحها قبل عدة أشهر.

العديد من المتنزهات والحدائق فرضت رسوماً لدخولها (محافظة القاهرة)

كما حاول آخرون اقتناص أي مساحة خضراء في الميادين، أو تلك المجاورة لـ«النوافير»، فيما لجأت عائلات إلى «الجزر الوسطى» في الشوارع، والتي اجتذبتهم بشكلها الجمالي، خصوصاً مع توسع محافظ القاهرة أخيراً في زراعتها بالأشجار والشتلات، من أجل استعادة المظهر الحضاري للشوارع والميادين.

وحسب تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر، فإن المحافظة تسعى لزيادة الرقعة الخضراء بها وتحسين جودة الهواء، والحد من مخاطر الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، وزيادة نصيب الفرد من الرقعة الخضراء، وتحسين جودة الحياة المقدمة للمواطنين بوصفها إحدى أهم الأولويات التى تركز عليها الدولة المصرية للتعامل مع قضية تغير المناخ والحفاظ على البيئة.

إلا أن هذه التطلعات الرسمية قابلتها فيما سبق موجة من الانتقادات البرلمانية بشأن تقلص المساحات الخضراء وإزالة الأشجار، وصلت إلى طلبات إحاطة برلمانية طالبت بإجراء تحقيق شامل حول الأسباب والجهات المسؤولة عن تقليص المساحات الخضراء وقطع الأشجار، لافتةً إلى تقارير وإحصاءات خاصة بالشأن البيئي في مصر تشير إلى تراجع المساحات الخضراء من 7.8 مليون متر مربع في 2017 إلى 6.9 مليون متر مربع في 2020.

لجوء المصريين إلى الميادين والجزر الوسطى، يُرجعه الدكتور مجدي علام، الأمين العام لاتحاد خبراء البيئة العرب، إلى كون المدن المصرية شهدت خلال العقود الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في المساحات الخضراء نتيجة التوسع العمراني، مشيراً إلى أنه قبل 50 عاماً كانت القرى والريف يزدانان بالحقول الممتدة والغطاء الزراعي الكثيف، بينما كانت المباني محدودة وصغيرة الحجم، لكن المشهد تغير تدريجياً مع زحف العمران على الأراضي الزراعية.

أسر مصرية داخل الحديقة اليابانية بمنطقة حلوان (محافظة القاهرة)

ويوضح علام لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب الرقابة الصارمة لفترات طويلة سمح باستخدام الأراضي الزراعية في البناء، وهو ما أدى إلى فقدان مساحات واسعة من الرقعة الخضراء»، مضيفاً أن الدولة بدأت في السنوات الأخيرة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل فرض عقوبات بالحبس أو الغرامة على المخالفين، للحد من هذه الظاهرة.

بدوره، يرى الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الحق في المساحات الخضراء ليس رفاهية، بل هو استحقاق آدمي أقرته الدساتير العالمية، وكذلك الدستور المصري، إلا أن الواقع يشهد فجوة، حيث إن متوسط نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء يبلغ 17 سنتيمتراً فقط (وفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 2020)، وهو معدل ضئيل جداً مقارنةً بالمعايير الدولية.

ويرى هندي أن «الأزمة لا تكمن فقط في تقليص المساحات، بل في عائق الوصول، فبينما يجرّم القانون قطع الأشجار، فإنه لم يحمِ المواطن من بعض المستغلين الذين يرفعون تكلفة الدخول إلى الحدائق، وهو ما حرم الأسر البسيطة من حقها في الفسحة المجانية، وخلّف شعوراً بغياب العدالة لدى من لا يملكون رفاهية المنتجعات والنوادي الخاصة».

ويشير هندي إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت أن التعرض للطبيعة حصن منيع يخفف من حدة القلق والتوتر، ويحسن المزاج، ويزيد من القدرة على التركيز والتأمل، ويمنح شعوراً بالرضا والانتماء، ويعزز الإحساس بالآدمية ويحد من مشاعر العزلة والوحدة النفسية، ويقي من الاكتئاب، خصوصاً عند التعرض للشمس والخضرة خلال النهار.


«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
TT

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية تنشغل بأسئلة الهوية والذاكرة والبحث عن الذات في عالمٍ يتسارع إيقاعه ويزداد فيه الشعور بالاغتراب.

الأعمال الخمسة، التي عُرضت ضمن البرنامج، تقاطعت فيها الشخصيات عند لحظات دقيقة من الانكسار أو التردد، حيث يصبح كل منها عالقاً بين ما كان وما يمكن أن يكون، سواء في علاقة عائلية مثقلة بالغياب، أم لقاء عابر يعيد فتح جروح قديمة، أم تجربة فردية تنزلق نحو الخطر، أم حتى في مواجهة قاسية مع فكرة التخلي عن اللغة بوصفها جزءاً من الذات.

ويقدّم فيلم «دوامة»، للمُخرجة سوسي شمّون، قصة تجربة مراهق يجد نفسه منجذباً إلى عالم المقامرة الإلكترونية، في رحلة تبدأ برغبة بريئة في تحقيق حلم صغير، قبل أن تتحول تدريجياً إلى انزلاق داخل دائرة مغلقة من الإغراء والخسارة.

ويرصد الفيلم التحولات النفسية للشخصية، فيتبدل الإحساس الأولي بالانتصار إلى حالة من التورط والإنكار، في بناء درامي يتصاعد بهدوء ليطرح رؤية نقدية لواقعٍ باتت فيه المخاطر الرقمية في متناول المراهقين، دون الوقوع في المباشرة.

أما فيلم «الغسيل»، للمخرج فيلسون علي، فينطلق من موقف بسيط داخل مغسلة شِبه خالية، لكنه سرعان ما يتحول إلى مساحة مشحونة بالمشاعر المتراكمة بين حبيبين سابقين، فيلتقط المنطقة الرمادية بين القطيعة والحنين، مع تسلل المشاعر القديمة عبر مواقف عفوية ومشاغبات خفيفة، لتكشف عما لم يُحسَم بعد.

ويميل المُخرج عاصي كسوحة، في فيلمه «دعني أفتح الباب»، للاعتماد على الإيقاع البطيء، والصمت بوصفه أداة تعبير رئيسية، فيخلق الفيلم حالة من التوتر الهادئ بين شخصيتين تتقاطع طُرقهما في لحظات عابرة، لكنها محمّلة بإحساس ثقيل بالعزلة والرغبة في التواصل.

عرض فيلم «غني أغنيتي» ضمن فعاليات البرنامج (إدارة المهرجان)

ويحمل فيلم «أحضان وقضبان»، للمخرج محمد فارس المجدلاوي، بُعداً إنسانياً عميقاً، مع تناوله علاقة أب بابنته تتشكل على أنقاض سنوات طويلة من الغياب القسري. مع عودة الأب، لا تبدو المصالحة أمراً سهلاً أو مباشراً، بل عملية بطيئة ومؤلمة تستند إلى رسائل قديمة تحاول سدّ فجوة زمنية لا يمكن تعويضها بالكامل.

أما فيلم «غنّي أغنيتي»، للمُخرجة جوليا عموري، فيطرح تصوراً يبدو مستقبلياً، لكنه شديد الارتباط بالواقع، حيث يضع شخصياته أمام خيار حادّ بين الاندماج الكامل والتخلي عن اللغة الأم، ومن خلال هذا الصراع، يتحول السؤال من كونه اجتماعياً إلى وجوديّ، وما يمكن أن يخسره الإنسان حين يساوم على جزء من هويته، لنشاهد توتراً داخلياً بين جيلين في العائلة ينظران إلى المسألة من زاويتين مختلفتين.

وبينما يؤكد مدير المهرجان محمد أبو وطفة أن هذه الأفلام تمثل تجارب سينمائية واعدة تعكس تنوعاً في الرؤى والأساليب، وتحمل أصواتاً جديدة قادرة على التعبير عن رؤيتهم، قائلاً، لـ«الشرق الأوسط»، أن «إتاحة هذه الأعمال على شاشة المهرجان تأتي انطلاقاً من الإيمان بأهمية دعم هذه التجارب ومنحها مساحة للوصول إلى جمهور أوسع»، يرى الناقد المصري محمد عاطف أن المهرجان يواصل، من خلال البرنامج، اهتمامه بعرض أفلام المُخرجين العرب في المهجر، مشيراً، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إلى «بروز جيل من صُنّاع الأفلام السويديين من أصول عربية، الذين يقدّمون أعمالاً تنبع من واقعهم الاجتماعي وتعبّر عن تجاربهم اليومية وتعقيدات اندماجهم في المجتمع الجديد».

وأضاف عاطف أن «إتاحة هذه الأفلام داخل المهرجان تمثل فرصة مهمة لتقديمها إلى صُنّاع السينما العرب، بما يفتح آفاقاً للتلاقي والحوار، كما تمنح صورة أكثر عمقاً لحياة المُهاجر العربي وتحولات هويته»، مؤكداً أن هذا التوجه يعزّز، في الوقت نفسه، هوية المهرجان كمهرجان سويدي يحتفي بالسينما العربية في سياقاتها المختلفة.