ظهور أسابيع موضة جديدة مؤشر على تزايد اهتمام الرجل بالأناقة

قطاع ينمو بمعدل 36 % ويتوقع أن يصل إلى 110 مليارات دولار بحلول عام 2019

من عرض جيورجيو أرماني لربيع وصيف 2015
من عرض جيورجيو أرماني لربيع وصيف 2015
TT

ظهور أسابيع موضة جديدة مؤشر على تزايد اهتمام الرجل بالأناقة

من عرض جيورجيو أرماني لربيع وصيف 2015
من عرض جيورجيو أرماني لربيع وصيف 2015

مع انطلاق رحى الموضة الرجالية هذا الأسبوع من لندن قبل أن تنتقل في الأسبوع المقبل إلى فلورنسا ثم ميلانو قبل أن تنتهي مراسيمها بباريس، أصبح الكل يدرك أهمية هذا القطاع كصناعة مؤثرة على الاقتصاد العالمي والمحلي على حد سواء. ما لا يختلف عليه اثنان أن قطاع الأزياء الرجالية أصبح ينافس في السنوات الأخيرة قطاع الأزياء النسائية، سواء بتحقيقه أرباحا لا يمكن تجاهلها أو بجذبه شرائح جديدة من الشباب من كل أنحاء العالم. هذا الإقبال والأرباح فتح الشهية لإطلاق أسابيع موضة جديدة خاصة به، وليس أدل على هذا من نيويورك، التي ظلت تغازل الفكرة منذ عدة سنوات وبعد أن درستها من كل الجوانب تأكدت من أنها لا بد أن تنظم أسبوعا خاصا بالرجل إذا كانت تريد أن تحافظ على مكانتها ومكانة مصمميها. والنتيجة أنها ستحتضن في الصيف المقبل أول دورة رجالية لها.
الملاحظ أن معظم المصممين أصبحوا يطرحون أزياء رجالية. وحتى من تخصص منهم سابقا بتصميم أزياء نسائية، مستكينين لقدرات المرأة الشرائية وكونها تقدر الموضة وتحرك مبيعاتها، برغبتها في التغيير والجري وراء الجديد، انتبهوا أن الاعتماد عليها وحدها لم يعد كافيا. فمنذ ظهور الرجل المتروسيكشوال، الذي لا يرى تعارضا بين الأناقة والرجولة، من أمثال لاعب الكرة ديفيد بيكام وجورج كلونها وبراد بيت وغيرهم، لاحظوا انتعاش سوق المنتجات الرجالية المرفهة، بكل مجالاتها، مما أغراهم بدخول هذا القطاع بكل قواهم لنيل حصة منه. توم فورد مثلا، وبعدما ترك دار «غوتشي» ودخل تجربة الإخراج السينمائي إلى حد أعطى الانطباع بأنه طلق عالم التصميم بالثلاثة، عاد إليه من باب التفصيل الرجالي، وكأنه شعر بحدسه أن المستقبل في يد الرجل. فبالإضافة إلى أن عدد المصممين المتخصصين فيه أقل بكثير من المتخصصين في الأزياء النسائية، فإنه البوابة التي يمكن الدخول منها إلى مجالات أخرى ثم التفرع إلى أزياء الصغار أو الديكور المنزلي وغيرها. أكبر مثال على هذا رالف لوران، وسالفاتوري فيراغامو، وأرماني فرساتشي وغيرهم ممن برهنوا أن قدراتهم الإبداعية يمكن أن تشمل الكثير من الأقسام وأن تحفز نجاحاتهم المصممين الشباب. توم فورد ليس الوحيد الذي التقط هذا الخيط واستغله، فقد حذا حذوه آخرون، مثل كريستوفر كاين، وجوناثان سوندرز، وريتشارد نيكول، ومايكل كورس، وتوري بيرش وغيرهم. كريستوفر كاين، مثلا، أطلق خطه الرجالي في عام 2011، ليتبعه كل من ريتشارد نيكول وجوناثان سوندرز في عام 2012، بينما دخل كل من الأميركيان، مايكل كورس وتوري بيرش هذا القطاع مؤخرا، متشجعان بالنجاح التجاري الذي يحققانه في الجانب النسائي، وكلهما أمل أن تؤثر المرأة على الرجل باستقطابه لمنتجاتهما.
فعندما افتتح مايكل كورس، محلا رئيسيا على مساحة 22 ألف قدم مربع في نيويورك هذا الشهر، حرص أن يُخصص طابقا كاملا منه للرجل. وهذا يكفي للإشارة إلى تنامي أهمية هذا القطاع، بحكم أن مايكل كورس أثبت في السنوات الأخيرة أنه يتمتع بحس تجاري يحسد عليه، إلى حد يعتبره البعض بمثابة الترمومتر الذي يحدد توجهات الموضة، أو بالأحرى اهتمامات الأسواق النامية وطموحاتها. فهو يحقق أرباحا تقدر بالمليارات، ويُتوقع أن تزيد بحلول 2017، خصوصا وأن محله بنيويورك ما هو إلا بداية علاقة جديدة بعالم الرجل. فهو ينوي افتتاح ما لا يقل عن 500 محل رجالي في العالم.
توري بيرش، بدورها، أعلنت أنها ستطلق إكسسوارات رجالية هذا العام، وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت شركة «كوتش» الأميركية بأن مبيعاتها من الحقائب الرجالية تحديدا شهدت ارتفاعا ملحوظا في الشطر الأخير من العام، على الرغم من تراجع مبيعاتها في الجوانب أخرى، مما يدفعها للمزيد من الاهتمام بهذا القطاع على أمل أن تصل أرباحها فيه إلى مليار دولار أميركي بحلول عام 2017.
مايكل كورس وتوري بيرش و«كوتشي»، مثل غيرهم، لن يهجروا عالم المرأة تماما، بل سيبنون عليه ليبيعوا أسلوب حياة متكامل يخاطب كل الأفراد والأجناس، بل الحقيقة أنهم يعتمدون عليها، أي المرأة، لكي تستقطب لهم الجنس الخشن. فالفكرة السائدة أنها هي أكبر مروج لهم، من حيث إنها هي التي تقدم الرجل إلى علاماتهم، إما بتشجيعهم على شراء هدايا لها، أو بشرائها هدايا إليه.
السؤال هو مدى قدرة هؤلاء المصممين على تحقيق النقلة من التصميم النسائي إلى التصميم الرجالي، ونجاحهم في إقناع الجنس الخشن بهم وبما يطرحونه لهم، لأن النقلة العكسية، من التصميم الرجالي إلى النسائي، أسهل بكثير نظرا لقدرة المرأة على استيعاب الجديد، بينما ظل الرجل، إلى الأمس القريب، أقل جرأة منها لا سيما في معانقة أسماء مصممين لا يعرفهم، ويربطهم في ذهنه بالمرأة. فقد لا يشعر تجاهها بالاطمئنان والثقة لأنها توحي له بأنها تتعارض مع صورته الرجولية. وهذا الرجل يكون في الغالب، أكثر إخلاصا للماركات التي تعامل معها دائما، وربما ورثها عن آبائه وأجداده مثل زيغنا، لورو بيانا أو خياط الحي. لكن ليست هذه هي الشريحة التي يعتمد عليها المصممون في الوقت الحالي، فالشريحة التي يعقدون عليها آمالهم، شابة ربطت بينها وبين ماركات مثل رالف لوران، وتومي هيلفير، وديزل، وأرماني وغيرهم علاقة صحية لحد الآن، كما أن أغلبهم من أسواق متعطشة للموضة، سواء كانت هذه الموضة على شكل بدلة مفصلة على الجسم بشكل ضيق وبنطلون قصير تظهر من تحته جوارب ملونة، أو حقيبة تحمل باليد أو تعلق على الأكتاف لحمل أغراضهم التي لم تعد جيوب أزيائهم الرشيقة، تتحمل ثقلها أو حجمها، هذا في حال كانت موجودة من الأساس.
تعطش هذه الفئة شجعت على ظهور أسابيع موضة مخصصة لهم، كان آخرها أسبوع لندن، الذي بدأ بيوم واحد منذ 4 سنوات تقريبا ليتوسع إلى 4 أيام حاليا، فيما هناك إشارات قوية بأن نيويورك تعمل جديا على تنظيم أسبوع خاص به، يكون مستقلا عن الأسبوع النسائي الذي كان يشارك فيه بشكل هامشي وخجول. فقد حفز نجاح أسبوع لندن مصممي نيويورك على المناداة باستقلالهم، بتخصيص أسبوع يسلط الأضواء على تصاميمهم الرجالية، حتى يدخلوا الطمأنينة على الرجل وإقناعه بأنهم يتوجهون له بكل الألوان والتصاميم الرشيقة. وتجدر الإشارة إلى أن فكرة الأسبوع تراود نيويورك منذ فترة طويلة، ولم تتبلور بشكلها الحالي سوى في العام الماضي على أن ترى النور في الصيف القادم. كونه سينطلق بعد الرابع من شهر يوليو (تموز) له رمزية خاصة مستمدة من روح وطنية واعتزاز بإمكانيات مصممي الولايات المتحدة الأميركية على الإبداع ومواجهة المنافسة العالمية. بعضهم كان قد هجرها للعرض في أسابيع الموضة الأوروبية لعدم رضاهم أن يبقوا في ظل أسبوع نسائي، لكن من غير المستبعد أن يعودوا إلى أراضيهم للمساهمة في إنجاح هذا الأسبوع.
في كل الحالات، فإن كل الدلائل تشير إلى أن قطاع الأزياء الرجالية أصبح ينافس القطاع النسائي، وليس ببعيد أن يتفوق عليه في المستقبل القريب، نظرا لتعطش الرجل الشاب إلى الموضة من جهة، ورغبته في مواكبة تطوراتها بعد أن اكتشف أنها لا تعكس أسلوبه أو طموحاته أو ثقافته فحسب، بل هي أيضا أداة قوية لخلق صورة إيجابية عنه أو العكس. فقد أكدت له الأيام أن المثل القائل أن «الأزياء تصنع الرجل» لم يأت من فراغ، وبأن اعتبارها وسيلة للوقاية من البرد أو الشمس أو لستر الأجسام ليس صحيحا بالمطلق. أما بالنسبة للمصممين، بمن فيهم الصغار، فإن إغراءات دخول هذا القطاع كثيرة، وعلى رأسها أن فرص النمو فيه ضخمة على المستوى العالمي. فحسب بحيث قامت به شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» في عام 2013، فإن هذا القطاع شهد نموا بنسبة 5 في المائة، أي أعلى من النمو الذي شهده قطاع الأزياء النسائية بنسبة 1 في المائة. صحيح أن المرأة لا تزال تصرف أكثر من الرجل على الأزياء والإكسسوارات ومنتجات التجميل والماكياج والعطور، إلا أن هذا لا يعني تراجع المبيعات الرجالية، بل العكس تماما، فهي تنمو بثقة، بحيث ترجح التقديرات بأن تصل إلى 110 مليارات دولار أميركي في عام 2019. أي أنها ستنمو بمعدل 36 في المائة مقارنة بعام 2014، الذي قدرت فيه بـ81 مليار دولار أميركي، حسب شركة «يورومونيتور».



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.