السعودية: الرجال يزاحمون النساء على عمليات التجميل

توقعات بتجاوز حجم الإنفاق 5 مليارات ريال خلال عام 2015

استخدام جهاز حمام الزيت لتغذية الشعر
استخدام جهاز حمام الزيت لتغذية الشعر
TT

السعودية: الرجال يزاحمون النساء على عمليات التجميل

استخدام جهاز حمام الزيت لتغذية الشعر
استخدام جهاز حمام الزيت لتغذية الشعر

تتصدر السعودية الدول العربية في عدد عمليات التجميل، حيث تأتي من ضمن أكثر 25 دولة في العالم تنتشر فيها عمليات التجميل. ويؤكد المختصون أن عدد العمليات التي أجريت في السعودية في عام 2010 بلغ 141 ألف عملية، وأن الرقم تضاعف في عام 2014، حيث تبلغ سوق التجميل وجراحاته 4 مليارات ريال، وسط توقعات بأن يبلغ حجم سوق عمليات التجميل في السعودية إلى 5 مليارات خلال العامين المقبلين 2015 و2016، نظرا لزيادة الإقبال على التجميل بكل مجالاته من الجنسين.
ويوضح استشاري جراحة التجميل وعضو الجمعية العالمية لجراحات التجميل، الدكتور بشر الشنواني، أن «نسبة الرجال المهتمين بعمليات التجميل تصل إلى الثلث، وأكثرها هي عمليات تصغير الثدي وجراحة شد الجلد الزائد والترهلات الناتجة عن عمليات تخفيف الوزن، إضافة إلى عمليات زراعة الشعر وشفط الدهون». ويبين أن «الموسم الرئيسي لعمليات التجميل هو الإجازات وفترة الصيف والأعراس، حيث تخضع النساء للكثير من عمليات التجميل».
ويحذر الدكتور بشر الشنواني، استشاري التجميل، من «الانسياق خلف الإعلانات الوهمية أو الطبيب، لا سيما إذا كان من إحدى الجنسيات الأجنبية دون معرفة مؤهلاته وخبراته، الأمر الذي يجعل البعض يعانون من مضاعفات كبيرة، فلا بد أن يكون الطبيب مؤهلا بدرجات علمية وتخصصية لجراحة التجميل، وأن يكون خريجا لإحدى الجامعات المعتمدة، وحاصلا على تدريب في جراحات التجميل، مع خضوعه لاختبارات مكثفة وشاملة».
ويقول الدكتور الشنواني إن «التجميل في السابق كان يبدأ من عمر 40 عاما فما فوق، ولكن مع تطور جراحة التجميل وزيادة الأطباء الأكفاء في هذا المجال أصبح التجميل يبدأ من عمر 18 عاما ويصل إلى 65 عاما».
وأوضح أن «الفئة من 18 إلى 28 عاما هي الأكثر إقبالا على عمليات نحت الخصر وشد عضلات البطن وتجميل الأنف، أما الفئة العمرية من 28 إلى 35 من الجنسين، فإنها تخضع لعمليات شد الوجه من دون جراحة وعمليات شفط الدهون»، مؤكدا أن «نسبة إقبال السيدات على التجميل تزيد بعد سن 35 بعد انتهائهن من مرحلة الحمل والولادة، وذلك للمحافظة على شكل أجسامهن وأنوثتهن».
ويشير إلى أن «الجمال هو هاجس المرأة في كل زمان ومكان، وهي تفعل المستحيل لتحافظ على جمالها»، مبينا أن «حلم كل فتاة أن تكون الأجمل ليلة زفافها، فالتجميل يساعد المرأة على زيادة ثقتها بنفسها، خصوصا المقبلات على الزواج»، موضحا أن «كثيرا من الموظفات في القطاعين الخاص والعام يخضعن لعمليات التجميل بشكل متزايد في العامين الماضيين، بحكم أن التجميل له تأثير إيجابي وسلبي في طبيعة العمل».
بينما يؤكد الدكتور خالد بن جمعان الزهراني، استشاري جراحة التجميل في مستشفى الملك خالد الجامعي وعضو هيئة التدريس في كلية الطب وعضو الجمعية الأميركية لجراحة التجميل، أن «وعي السعوديين بعمليات التجميل زاد على محورين، الأول هو زيادة درايتهم بالتجميل وأنواعه، ولكنه وعي غير مكتمل».
أما المحور الثاني فهو وعي أيضا ولكنه محدود في معرفة الطبيب المعالج ومعرفة مضاعفات التجميل من مشكلات وتشوهات، فالبعض لا يعرفون ماذا يريدون من التجميل وأنها عمليات لها مضاعفات.
ويلفت الزهراني إلى أن «حجم سوق التجميل في الأجهزة والمستشفيات والمواد والكوادر يتجاوز 4 مليارات ريال»، متوقعا أن «يزيد بحكم الإقبال المتزايد»، مؤكدا أن «العاصمة الرياض تستحوذ على 70 في المائة من حجم عمليات التجميل، تأتي بعدها مدينة جدة بـ25 في المائة، و5 في المائة في المنطقة الشرقية»، محذرا من «الانسياق خلف بعض الإعلانات»، مشددا على أنه «يجب التأكد من مرجعية الطبيب ومؤهلاته وخبراته، وكذلك التأكد من المواد المستخدمة في العمليات التجميلية».
ويبين الزهراني أن «الزيادة السنوية على الإقبال على عمليات التجميل تتجاوز 15 في المائة»، إلا أنه يتوقع أن تزيد وبشكل كبير خلال النصف الأول من العام المقبل 2015، موضحا أنه «من خلال دراسة مسحية أجريت في العاصمة الرياض حول السيدات ورغبتهن في الخضوع لعمليات التجميل، وجد أن 25 في المائة منهن لديهن الرغبة وبشدة في الخضوع لعمليات التجميل، وذلك بسبب الرخاء والاستقرار المادي، والقدرة على إجراء العمليات»، مبينا أن «40 في المائة في الوقت الحالي من الخاضعين لعمليات التجميل من الرجال، وتتركز عملياتهم في إزالة الثدي وشفط الدهون والخصر وزراعة الشعر»، لافتا إلى أن «أكثر فئات الرجال العمرية إقبالا من 20 إلى 40 عاما، أما النساء فكل الأعمار».
وأوضح الزهراني أن «نسبة 10 في المائة من الأخطاء أو المضاعفات تكون بعد عمليات التجميل»، موضحا أن «كثيرا من السيدات في السعودية تختار الدكتور لمجرد جنسيته، وهذا غير صحيح إطلاقا، فهناك أطباء أكفاء واستشاريون سعوديون ينافسون على مستوى العالم»، مؤكدا أن «هناك علاقة وثيقة بين السمنة ومن يحتاجون إلى عمليات التجميل، خصوصا من يعانون من السمنة من الدرجة الأولى، وللعلم فإن جراحات التجميل ليست لعلاج السمنة أو إنقاص الوزن، لكنها تعطي نتائج ممتازة ومرجوة لمن يعانون من السمنة من الدرجة الأولى».
ويقول الزهراني إن «موسم عمليات التجميل، يكثر في الصيف وموسم السفر والأعراس»، مؤكدا أن «المقبلات على الزواج يفضلن الخضوع لعمليات التجميل لزيادة ثقتهن في أنفسهن وفي حضورهن وابتسامتهن وتألقهن»، مشددا على أن «السيدات في الدول الغربية يخضعن لعمليات التجميل للحصول على وظائف ومراكز قيادية مرموقة، ولكن لدينا في المجتمع السعودي ما زالت العادات والتقاليد تحد من ذلك، وقد تكون موظفات القطاع الإعلامي والقطاع الخاص والمعلمات الأكثر إقبالا على عمليات التجميل في العامين 2013 و2014».



«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)
استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)
TT

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)
استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)

صيف هذا العام ساخن للغاية. تتشابك فيه أحداث كبرى تتنافس على الأضواء والانتباه، من مهرجان أسكوت إلى ويمبلدون، ومن أسابيع الموضة الرجالية إلى كأس العالم. وأخيراً وليس آخراً، أسبوع الـ«هوت كوتور» لخريف 2026 وشتاء 2027.

والمتعارف عليه، أنه في اللحظات التي تتزامن فيها أحداث بهذا الحجم، تزيد الإثارة والمنافسة للحصول على أكبر حصة من الانتباه، ثم تحويله أرباحاً، سواء عبر جذب الإعلانات أو استقطاب الزبائن. في هذا الزحام، كان الرهان أن يطغى المونديال على الموضة، لكن تبيَّن أن لكل حدث جمهوره، ولكل مجال نصيبه.

جانب من عرض «ديور» (أ.ف.ب)

فالواضح خلال أسبوع الـ«هوت كوتور» الأخير أن شغف الموضة لم يتأثر بباقي الفعاليات، ليؤكد صحة مقولة «لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع». مقولة يمكن ترجمتها هنا بأن زبونات هذا الخط، وهن من مختلف الأعمار والجنسيات، قد لا يهتممن بكرة القدم ولا حتى بكرة التنس، لكن لا يستغنين عن الأناقة والجمال بأي شكل من الأشكال.

أرقام المبيعات بدورها تؤكد أن خط الـ«هوت كوتور» يعيش عصراً ذهبياً، تُسهِم فيه شريحة جديدة من الزبونات الثريات إلى جانب زبوناته من الرعيل القديم. تختلف مصادر ثرواتهن، لكن يلتقين في قناعتهن بفخامة تُطبَخ على نار هادئة، في زمن تشابهت فيه الوجوه والإطلالات.

لا يكتمل أي عرض من دون حضور زبونات مهمات ووسائل إعلام عالمية للحصول على الزخم المطلوب (أ.ف.ب)

وعلى هذا الأساس، هن مستعدات لإنفاق ما يزيد على 100 ألف دولار لقاء قطعة فريدة لا تنافسهن فيها أخرى. فهي تستغرق ساعات طويلة، إن لم نقل أياماً، لتنفيذها على يد حرفي متخصص، كما تتطلب جلسات متكررة من التعديلات والتجارب حتى تأتي على المقاس المثالي، مع العلم أنهن في هذه المرحلة، يمكنهن التدخل في بعض التفاصيل، بما يتناسب مع بيئتهن وثقافتهن، شرط ألا يتدخَلن في التصميم بشكل جذري.

ما يسهِم في صمود هذا الموسم أيضاً عودة انتعاش سوق الرفاهية في أميركا؛ وهو ما ينعكس على تزايد عدد زبونات المنطقة لهذا الخط. فبعد أن تراجع عددهن في فترة من الفترات، إما بسبب انخفاض القدرات الشرائية لبعضهن أو بسبب الوفاة، عُدن إلى هذا الخط بنهم خلال السنوات الأخيرة. ولا يقتصر الأمر هنا على طبقة «المال القديم» فحسب، بل يشمل أيضاً طبقة حديثة متعطشة لدخول نادي النخبة بأي ثمن؛ وهو ما انعكس بالإيجاب على هذا الخط.

«بريستيج» يتحول إيراداتٍ

المصممة تمارا تضع اللمسات الأخيرة على أحد التصاميم (تمارا رالف)

فحتى عهد قريب، لم يكن هذا الخط يخضع لمنطق الربح، بل لمنطق الـ«بريستيج»، أي تعزيز صورة الدار وإظهار قوتها الإبداعية وحِرفيتها. الآن تحول مصدر دخل حقيقياً. إضافة إلى شريحة جديدة من الزبونات، فإنه أيضاً يخاطب امرأة ذات قدرات شرائية متواضعة، ولو بشكل غير مباشر. يُدخلها في حالة من الحُلم تدفعها لاقتناء منتجات أقل سعراً، قد تكون مجرد أحمر شفاه أو عطر أو نظارة شمسية، ومع ذلك هي الأعلى ربحية.

وفق رأي البعض، فإن هذا الانتقال من مرحلة الإبداع الخالص، حين لم يكن محكوماً بالاعتبارات التجارية إلى مرحلة تحقيق الربح، جاء على حساب الفني أحياناً. ويرى أصحاب هذا الرأي أن المجموعات المالكة لبيوت الأزياء الكبيرة تفرض على مصمميها تحقيق المعادلة بين الجنوح الفني والمتطلبات التجارية.

بين الحلم والواقع

قد يكون هناك جانب من الصحة في هذا الرأي، لكن ما تمّ عرضه طوال أسبوع باريس لخريف 2026 وشتاء 2027، يؤكد أن الأمر لم يُقيّد الكل. مُبدعون مثل دانييل روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريلي»، وجوناثان أندرسون في «ديور»، وماثيو بلازي في «شانيل» وغيرهم نجحوا في تقديم أزياء قادرة على نيل تقدير الزبونات المقتدرات، وفي الوقت ذاته إشعال النقاش في وسائل الإعلام بإضافة بعض البهارات الساخنة.

فمعظم المصممين حالياً لا يتجاهلون حقيقة أن الأزياء الراقية لم تعد في العصر الحالي تعيش بالحرفة وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى صناعة الزخم وترك صدى يتردد طويلاً بعد انتهاء العرض. فهذا الزخم أصبح مطلباً أساسياً لتبرير عروض تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، بين ديكورات وإضاءة وموسيقى وسينوغرافيا، إضافة إلى استضافة نجوم ومشاهير يتألقون في إطلالات لم تُطرح في الأسواق بعد، لكنها تُغني عن أي حملات إعلانية في وسائل الإعلام التقليدية.

ولتأكيد أهمية التغطيات، أصبح لها اسم خاص يتلخص في: «قيمة التأثير الإعلامي»، تترقب بيوت الأزياء أرقامه ونتائجه أكثر مما تترقب التغطيات الصحافية في المجلات أو الصحف أحياناً.

لكن وسط كل هذا الإبهار الإعلامي، تبقى الأولوية دائماً للأزياء نفسها: أن تجد طريقها إلى قلب امرأة، ومنه إلى خزانتها. وهنا تقف ثلاث مدارس؛ الأولى تتعامل مع خط الـ«هوت كوتور» كمساحة للتجريب وإطلاق العنان للخيال، والثانية تراه بعيون فنية تُوازن بين الحلم والواقعية، والثالثة تعدّه ذروة الفخامة العملية التي تلعب على المضمون والمتعارف عليه.

سكياباريلي... الإبداع السريالي

الفنية في أقصى حالاتها كما تصورها دانييل روزبيري (سكياباريلي)

بالنسبة لدانييل روزبيري، فإن العملية تركَّزت في هذه المجموعة على تحويل «المألوف استثنائياً». يشرح أنه لم يُفكر في كيفية استخدام «الخامات النبيلة» فحسب، بل تساءل عما إذا كان الجمال يكمن في المادة نفسها، أم في الخيال القادر على إعادة ابتكارها. يقول: «لذلك؛ جمعنا بين تقنيات الأزياء الراقية ومواد صناعية، استبدلنا فيها الحرير والساتان والصوف التقليدي باللاتكس والسيليكون، إلى جانب طبقات من الطلاء خضعت للمعالجة الحرارية حتى تحوَّلت صفائح، قبل نحتها لتتخذ أشكالاً تصميمية مبتكرة».

زيندايا بأحد تصاميم «سكياباريلي» المجنونة لدى حضورها افتتاح فيلم «أوديسيه» (أ.ف.ب)

على منصات العرض، بدت هذه التصميمات فنية وسريالية يصعب ترجمتها في أرض الواقع إلا عبر شخصيات جريئة مثل زيندايا، التي حضرت افتتاح فيلم «أوديسيه» بواحد منها. بالنسبة لروزبيري كان الأمر مقصوداً للبقاء وفياً لإرث إلسا سكياباريلي، فقد «تم تصميم الكورسيه بشكل واقعي» وفق ما قال: «بحيث لم يُشكّل داخل قالب، بل نُحت أولاً، ثم صُبّ بالسيليكون وطُلي بدرجة من الأزرق اللبني». أما الزخرفة الزهرية التي تزيّن التنورة، فتتألف من مئات الأزهار المصنوعة من الجوارب النسائية المشدودة على أسلاك معدنية ولآلئ، بتدرجات لونية تنساب من الأزرق إلى الكراميل، لتتلاشى تدريجياً مندمجة مع لون الجوارب الضيقة التي تُرتدى أسفلها. ويتألق فستان آخر بأنابيب من الكرينولين المنحوت تبدو خفيفة كأنها بلا وزن، في حين تزدان سترة وسروال ضيق متناسق بأزهار طبيعية، وقشور أسماك، وأزهار مصنوعة من الشرائط، بينما تنبثق من الكتفين مجسّات من اللاتكس تنبض بالحركة.

«ديور»... حوار الفن والحرفة

استوحى أندرسون مجموعته من أعمال النحاتة ليندا بنغلس التي تُحوّل مواد ثنائية الأبعاد تكويناتٍ ثلاثية الأبعاد (أ.ب - أ.ف.ب)

وإذا كان روزبيري يدفع الكوتور نحو الحلم السريالي، فإن جوناثان أندرسون، المدير الإبداعي في «ديور» يدفعه نحو الحوار مع الفن والحرفة، محاولاً إيجاد مساحة مشتركة بين العمل الإبداعي والتصاميم الواقعية.

قال إنه استمد مجموعته من أعمال «ليندا بنغلس». نحّاتة أميركية تنطلق في أعمالها من مواد ثنائية الأبعاد تتحول، عبر تقنيات العقد والكسرات والتشكيل، تكوينات ثلاثية الأبعاد.

طوَّع أندرسون القماش ليحاكي ملمس الورق في محاكاة لأعمال النحاتة ليندا بنغلس (أ.ف.ب)

ترجم أندرسون رؤيتها بتطويع القماش ليحاكي ملمس الورق، مضيفاً إليه بُعداً نحتياً تغلب عليه الكسرات اليدوية، والعُقد، وأسلوب الدرابيه. لكنه لم يتوقف عند حدود الشكل فقط؛ إذ أثارته أيضاً العلاقة الوثيقة بين الفنانة ومدينة أحمد آباد في ولاية غوجارات الهندية، والتي جسَّدتها في سلسلة من الأعمال بعنوان «بيكوك» (Peacock) بدأتها ليندا بنغلس في أواخر سبعينات القرن الماضي، متأثرة بمنظر الطيور في الهند.

هذا التأثر قاد جوناثان أندرسون لاستعمال ألوان تستحضر الطاووس وأشكالاً تحاكي ريشه، وأيضاً إلى التعمق في الحِرف الهندية ذاتها، ولا سيما تقاليد قماش «تشينتز» الذي ظهر في إطلالات وحقائب يد عدة.

«تمارا رالف»... الفخامة الكلاسيكية

حافظت تمارا على أسلوبها المضمون بفخامته الكلاسيكية وحرفيته العالية (تمارا رالف)

على الطرف المقابل تقف تمارا رالف. فهي لا تبحث عن إحداث ثورة بصرية بقدر ما تخاطب امرأة تميل إلى الأناقة الكلاسيكية المضمونة بعيداً عن أي تعقيدات أو رموز تدفع حدود الخيال. مقاربتها أكثر واقعية وقرباً من السوق، من دون أن تتخلى عن رفاهية الكوتور وحرفيته.

ففي كل موسم تظهر في عروضها الفساتين الانسيابية، والتطريزات الدقيقة والسخية في الوقت ذاته؛ الأمر الذي لم يختلف في مجموعتها الأخيرة. فقط أضافت «لوحة ألوان مضيئة تستحضر لحظات الفجر»، وفق وصفها، مضيفة: «مع بصمة مستوحاة من جنوب آسيا تتجلى في الخطوط الطويلة، والحسية الهادئة، والبناء المعماري». وسط هذه الكلاسيكية القائمة على تتبع تضاريس الجسم، تتفجر أنوثة طاغية تكشف عن ثنيات شفافة وخصور مشدودة بالكورسيه، فيما لا يترك شك أنها ستجد طريقها إلى السجادة الحمراء والمناسبات الكبرى.

«شانيل»... من الخيال إلى الواقع

بدأ عرض «شانيل» متسلسلاً من العادي إلى الاستثنائي (شانيل)

من هذه الزاوية تلتقي رؤيتها مع الفلسفة التي تحدث عنها ماثيو بلازي، المدير الإبداعي في «شانيل»، بعد عرضه، عندما كشف عن أن الأساطير والقصص الخيالية التي تحوَّلت فيها شخصياتها تصاميم وأقمشة وورداً وأزراراً، ليست مجرد حكايات منفصلة عن الواقع، بل جزء من تفاصيل الحياة اليومية. هذه الحكايات لا تختلف كثيراً عن حياة كوكو شانيل نفسها، وكيف شقت طريقها من الفقر إلى القمة لتُغيّر مصيرها وفي الوقت ذاته نظرة المرأة للجمال. بدأ بلازي العرض وكأنه يعيد سرد إحدى الحكايات الخرافية. في المقدمة خرجت العارضات بإطلالات مُملة، أخذت تزداد جمالاً وإبهاراً مع توالي الإطلالات، حتى انتهت إلى ذروة الفخامة، في رحلة تحول سحري من العادي إلى الاستثنائي.

حكايات وأساطير تتجسد بإيجابية وإبداع في عرض «شانيل» (رويترز)

ولعل ما يمكن أن يختصر فلسفة المصمم في هذه المجموعة، أنه على الرغم من أجوائها الحالمة، أمسك العصا من النصف. لم يسع لتقديم الكوتور استعراضاً منفصلاً عن الواقع، بل بوصفه مختبراً لأفكار تُدغدغ المشاعر وتتجسد في تصاميم تجد طريقها إلى خزانة المرأة المعاصرة. وهذا هو عز الطلب في الأول والأخير.


أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.