موقوف سادس على ذمة التحقيق في هجوم نيس

«كورونا» يعرقل محاكمة المتهمين بالهجوم على «شارلي إيبدو»

جندي فرنسي أمام كاتدرائية أمس بعدما رفعت البلاد حالة التأهب الأمني إلى أعلى مستوى (رويترز)
جندي فرنسي أمام كاتدرائية أمس بعدما رفعت البلاد حالة التأهب الأمني إلى أعلى مستوى (رويترز)
TT

موقوف سادس على ذمة التحقيق في هجوم نيس

جندي فرنسي أمام كاتدرائية أمس بعدما رفعت البلاد حالة التأهب الأمني إلى أعلى مستوى (رويترز)
جندي فرنسي أمام كاتدرائية أمس بعدما رفعت البلاد حالة التأهب الأمني إلى أعلى مستوى (رويترز)

اعتُقل رجلان يبلغان من العمر 25 و63 عاماً، ما يرفع عدد الأشخاص الموقوفين لدى الشرطة إلى ستة في إطار قضية الهجوم بالسكين في كنيسة في نيس (جنوب شرقي فرنسا)، وفق ما قال مصدر قضائي أمس (الأحد).
وأوضح المصدر أن الرجلين اعتُقلا في وقت متأخر من بعد ظهر أول من أمس، في منزل شخص أُوقف قبل ساعات قليلة. وهذا الأخير، وهو تونسي يبلغ من العمر 29 عاماً، يُشتبه في أنه تواصل مع منفّذ الهجوم التونسي إبراهيم العويساوي. وكان مشتبه فيه أول يبلغ من العمر 47 عاماً، قد أُوقف الخميس بعدما ظهر إلى جانب المهاجم في لقطات لكاميرات المراقبة عشية الهجوم. واعتُقل المشتبه فيه الثاني والبالغ من العمر 35 عاما في نيس مساء الجمعة وأوقف على ذمة التحقيق. والسبت أعلن مصدر قضائي فرنسي اعتقال شخص ثالث مقرب من المشتبه به الثاني، وهو أوقف بدوره على ذمة التحقيق في قضية هجوم نيس. وكان المشتبه فيه الثالث البالغ 33 عاماً، موجوداً خلال تفتيش عناصر الشرطة مساء الجمعة لمنزل المشتبه فيه الثاني وهو قريبه.
وقالت قناة (بي إف إم) التلفزيونية إن الاعتقالات الأخيرة في القضية نُفذت في بلدة جراس التي تقع بالقرب من ساحل جنوب فرنسا على مقربة من نيس. ويكثف المحققون في إيطاليا أيضاً تحرياتهم بخصوص تحركات المشتبه به واتصالاته في جزيرة صقلية. وقالت مصادر قضائية إن المحققين يعتقدون أنه ربما أمضى بعض الوقت هناك بعد أن ذهب من لامبيدوسا إلى باري في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) على متن سفينة لوضع المهاجرين في الحجر الصحي. ولم يتمكن المحققون من أخذ إفادة إبراهيم العويساوي البالغ من العمر 21 عاماً والذي أُصيب بجروح خطيرة برصاص الشرطة بعد تنفيذ الهجوم. ودخل العويساوي صباح الخميس إلى كنيسة في وسط نيس حيث ذبح امرأة في الستين من العمر وراهب الكنيسة البالغ 55 عاماً. وتوفيت امرأة برازيلية تبلغ الرابعة والأربعين بعد تعرضها لطعنات عدة، في مطعم قريب لجأت إليه. وأفاد مصدر مطّلع على التحقيقات بأن العويساوي قد يكون وصل إلى نيس الثلاثاء، وبات ليلة واحدة على الأقل في أحد مباني المدينة، وقد رصدته كاميرات المراقبة «على مقربة من الكنيسة عشية» الاعتداء. وقال مصدر آخر قريب من الملف لوكالة الصحافة الفرنسية، أول من أمس: «ما زال من المبكر معرفة ما إذا كان قد استفاد من تواطؤ، وما هي دوافعه للمجيء إلى فرنسا، ومتى نشأت هذه الفكرة لديه». وأكد المصدر «استمرار تحليل» الهاتفين الموجودين في أمتعته الشخصية، مشيراً إلى أن «التحقيق من الجانب التونسي» سيكون «حاسماً». وللعيساوي سوابق قضائية في تونس تتراوح بين قضايا الحق العام والعنف والمخدرات، وفق القضاء التونسي الذي باشر بدوره تحقيقات. وكان العويساوي قد غادر منتصف سبتمبر (أيلول) مدينته صفاقس حيث كان يعيش مع عائلته ووصل بطريقة غير شرعية إلى أوروبا عبر جزيرة لامبيدوسا الإيطالية في 20 سبتمبر، قبل أن ينتقل إلى باري في جنوب إيطاليا في 9 أكتوبر.
في غضون ذلك، علّقت فرنسا المحاكمة في قضية الهجوم الدموي على مقر مجلة «شارلي إيبدو»، أوائل عام 2015، بعد تشخيص إصابة المتهم الرئيسي في هذه القضية بفيروس «كورونا». وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية، نقلاً عن محامين، أمس (الأحد)، بأن المواطن الفرنسي من أصول تركية، علي رضا بولات، (35 عاماً) الذي يواجه السجن مدى الحياة بتهمة مساعدة منفذي الهجوم في جمع أسلحتهم وذخائرهم، تقيأ، ثم كشف عليه طبيب، وجاءت نتائج فحص «كورونا» الذي خضع له إيجابية. دفع ذلك القضاء إلى تأجيل جلسات المحاكمة، التي انطلقت أوائل سبتمبر، إلى الأربعاء المقبل على الأقل. ويتعين إجراء فحوص لكل المتهمين العشرة الموقوفين و«سيتوقف استئناف المحاكمة على نتائج هذه الفحوصات وتطور الحالة الصحية للأشخاص المعنيين، حسب رسالة إلكترونية من رئيس محكمة الجنايات الخاصة ريجيس دو جورنا، إلى جميع محامي الدفاع والحق العام. وبعد ظهر الأربعاء، تم تعليق الجلسة بالفعل بعد أن شعر بولات بالإعياء، وأُعيد إلى مركز الحجز الاحتياطي بعد أن تقيأ، لمراجعة طبيب، لكن المحاكمة استؤنفت صباح الخميس. وكان الرئيس قد دعا «الجميع إلى احترام قواعد التباعد الاجتماعي». وأصر على «وضع الكمامة خلال المرافعات» و«وجوب وضع الكمامة بشكل صحيح». وسيؤدي تعليق الجلسة لمدة يومين على الأقل إلى تعطيل الجدول الزمني المحدد في البداية، مع بداية الأسبوع، عند انتهاء مرافعات الحق العام، والتي بدأت بعد ظهر الخميس، وتوجيه المحامين العامين للائحة الاتهام المقرر بعد ظهر الأربعاء والخميس. وكان من المقرر أن يترافع محامو الدفاع في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) ومن التاسع إلى الحادي عشر من الشهر نفسه. وكان من المتوقع صدور الحكم، الجمعة 13 نوفمبر.
وتتم محاكمة 14 شخصاً، بينهم ثلاثة غيابياً منذ الثاني من سبتمبر، في محكمة الجنايات الخاصة، المتخصصة في قضايا الإرهاب، لتورطهم في تقديم الدعم للثلاثي الجهادي الذي بث الرعب في الفترة من 7 إلى 9 يناير (كانون الثاني) 2015. ويُقدَّم بولات على أنه «الذراع اليمنى» لأميدي كوليبالي، الذي يتحدر مثله من مدينة غران بورن في غريني، في الضاحية الباريسية، ويُشتبه في أنه ساعد مهاجم متجر للأطعمة اليهودية والأخوين سعيد وشريف كواشي للتحضير للهجمات. وكان من المقرر أصلاً أن يطرح محامو الدفاع مواقفهم أمام القضاء في 6 و9 و10 و11 نوفمبر، قبل النطق بالأحكام بحق المتهمين في 13 نوفمبر، لكن هذا الموعد سيتم تأجيله على الأرجح في ظل التطورات الأخيرة. وهذا الرجل الفرنسي من أصل تركي (35 عاماً) هو الوحيد من بين المتهمين الذي تتم محاكمته بتهمة «التواطؤ» في جرائم إرهابية، والتي يُعاقب عليها بالسجن مدى الحياة.
وقُتل 17 شخصاً، من بينهم بعض أشهر رسامي الكاريكاتور في فرنسا، في 7 يناير 2015 في الهجمات على صحيفة «شارلي إيبدو» التي أثارت صدمة دولية. ومنذ شهرين، يمْثل نحو 150 شاهداً وخبيراً أمام محكمة الجنايات الخاصة المكلفة محاكمة المتهمين، وستصوَّر المحكمة بأكملها، فيما يشكل سابقة في مجال قضايا الإرهاب.
وعقب إصابة راهب في مدينة ليون الفرنسية بإصابات تهدد الحياة، بعد تعرضه لهجوم، يحاول المحققون منذ أمس (الأحد)، التوصل إلى الدافع وراء الهجوم. وقال المدعي العام في ليون، نيكولاس جاكيه، أول من أمس، إن الشرطة ألقت القبض على مشتيه به، تتوافق مواصفاته مع أقوال شهود عيان. مع ذلك، لم يتم العثور على بندقية الصيد التي يُعتقد أنه أطلق النار منها على الراهب مرتين في المدينة الواقعة جنوب شرقي فرنسا مع المشتبه به. وقد فتح المدعى العام تحقيقاً بشأن محاولة القتل. وحتى الآن، لم يتولَّ قسم مكافحة الإرهاب بمكتب الادعاء العام في فرنسا التحقيقات بعد. ويركز المحققون على فرضية وجود خلاف شخصي وراء الهجوم.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended