البحرين.. زعيم الوفاق في {قبضة القانون}

أمين عام كبرى جمعيات المعارضة في النقطة الحرجة أمام كشف ممولي العنف في البحرين

علي سلمان
علي سلمان
TT

البحرين.. زعيم الوفاق في {قبضة القانون}

علي سلمان
علي سلمان

ماذا يحدث في البحرين؟ هل غضبت حكومة المنامة على جمعية الوفاق كبرى جمعيات المعارضة السياسية التي كان يعتقد أنها تلقى معاملة خاصة، من الحكومة.. هل انتهى شهر العسل.. وما الذي أجبر المنامة على المجازفة بتوقيف أمين عام الجمعية الشيخ علي سلمان؟.. وفي الطرف الآخر تدور أسئلة أخرى من نوع.. لماذا لم تجد الخطوة رد الفعل الكبير الذي كان يحدث داخليا وإقليميا ودوليا، لماذا لم تقم الدنيا ولم تقعد. ما الذي تغير.
فالإجابة تبدو طبيعية كما يقول مسؤولو حكومة البحرين.. لأن ما يحدث هو في الإطار القانوني.. في دولة القانون تتم المحاكمات والاستجوابات.. وتتم مساءلة الكبير والصغير، وفق النظم القانونية.. لذا فان ردة الفعل لم تكن كما كان يتوقعها البعض.. حتى إن أنصار الوفاق أنفسهم ظلوا في حالة من الدهشة من الموقف برمته.. ومن ردة الفعل الباهتة.
جهات خارجية غربية تجاهلت خطوة توقيف الشيخ سلمان باعتبارها تمت وفق القانون فيما اكتفت جهات أخرى بمطالبة المنامة بإعمال القانون.. ولا شيء غيره.
لكن رغم ذلك يرى البعض أن نشاط الوفاق السياسي لم يتغير منذ أحداث 14 فبراير (شباط) من عام 2011 وحتى الآن، فهي تنظم المسيرات والفعاليات وتصدر البيانات ويتحدث قادتها للإعلام وفي المناسبات، ولم يحدث أن خضعوا للإيقاف أو للتحقيق أو تم عرضهم على المحاكم، مما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن «الوفاق» تحظى بمعاملة خاصة، فقياداتها لم تتهم في قضايا تمس أمن الدولة كما حدث مع جمعيات سياسية أخرى معارضة. فلماذا الآن.
الواضح جليا في الوقت الحالي هو انحسار الحراك السياسي المعارض في البحرين، ولم يبق منه إلا مظاهرات خجولة تتم في القرى التابعة للمعارضة، وباعتراف المعارضين أنفسهم. وهي تحركات لا تستدعي حتى تحرك الجهات المعنية لمواجهتها لأنها تتم في إطار المسموح.
ومعروف ومنذ أمد بأن الدولة والجمعيات المعارضة لم يكونا يوما على وفاق، فتحدث تجاذبات لكنها سرعان ما تنتهي، وإن كان أبرزها ما حدث في سبتمبر (أيلول) عام 2013، وهي الأزمة التي كانت مؤشرا حينها للإطاحة بحوار التوافق الوطني في نسخته الثانية.

* تساؤلات مقلقة

* يواجه الشيخ علي سلمان أمين عام جمعية الوفاق عقوبة قد تصل إلى السجن 10 سنوات إذا ثبتت عليه تهمة التحريض على تغيير نظام الحكم بالقوة، ففي تجمع عام لجمعية الوفاق تحدث أمين عام الجمعية عن عرض تلقته المعارضة البحرينية بانتهاج أسلوب المعارضة السورية لتحويل البحرين إلى معركة عسكرية، كما تحدث عن هذا العرض في حوار أجرته مع إحدى القنوات الفضائية.
السؤال الذي يقلق البحرينيين خلال هذه الفترة هو الجهة التي قدمت هذا العرض لتحويل مملكتهم الصغيرة إلى بركة من الدماء. يقول نائب في البرلمان البحريني: «نريد أن نعرف هذه الجهة، فقد يقبل شخصية غير الشيخ علي سلمان أو تيار غير الوفاق هذا العرض».
بعد عام تقريبا وخلال الربع الأخير من 2014 تكرر التجاذب بين الحكومة والجمعية السياسية المعارضة التي تصنف على أنها أكبر فصائل المعارضة. كانت البداية إنذارا لتعديل وضعها القانوني لوجود مخالفات صريحة لقانون عمل الجمعيات السياسية. لم تكترث الجمعية حينها وبعد أن وصل الأمر إلى القضاء وصدر حكم بتعليق نشاطها قدمت تعهدات بتعديل وضعها وإعادة تنظيم مؤتمرها العام بما يتوافق مع قانون الجمعيات السياسية.
عقدت الجمعية مؤتمرها العام في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2014، وألقى الشيخ علي سلمان أمين عام الجمعية الفائز بالتزكية البرنامج السياسي للجمعية للفترة المقبل وتضمنت كلمة سلمان عدة محاور بينها قوله إنه تلقى عرضا على المعارضة البحرينية أن تنتهج نهج المعارضة السورية وأن تحول البلد إلى معركة عسكرية ولكن ثبات هذه المعارضة على السلمية ووضوح رؤيتها هو العنصر الأساس الذي حافظ على البحرين بعيدا عن الانجرار إلى العنف.
أيضا تغير الوضع كثيرا وجرى في النهر مياه كثيرة، فهناك فرق كبير بين الأحداث التي شهدتها نهاية عام 2013 وتلك التي ترافقت مع نهاية عام 2014، ففي المرة الأولى منع أمين عام الوفاق من السفر وجرى التحقيق معه على فترات متباعدة نسبيا ولم تحال القضية إلى المحكمة.
في نهاية 2014 وبداية 2015 تم إيقاف سلمان لمدة 7 أيام على ذمة التحقيق فيما جدد إيقافه أول من أمس لـ15 يوما أخرى ويجري التحقيق معه على 4 تهم هي «الترويج لقلب نظام الحكم بالقوة، والتحريض على بغض طائفة من الناس مما يؤثر على السلم الاجتماعي، والتحريض على عدم الانقياد للقانون، وإهانة وزارة الداخلية»، إحداها تصنف كجريمة وتصل عقوبتها إلى السجن 10 سنوات.
يقول عيسى عبد الرحمن وزير شؤون الإعلام البحريني إن الحكومة البحرينية تضمن حقوق أمين عام جمعية الوفاق أثناء توقيفه والتحقيق معه ومحاكمته، وأن يتمتع بكافة حقوقه القانونية كأي مواطن يتعرض للإيقاف والتحقيق والمحاكمة، وأضاف ضمان الحقوق في مملكة البحرين عملية مؤسسية مستمرة فلدى البحرين مفوضية حقوق السجناء والموقوفين وتمارس عملها كجهة مستقلة وتحقق في أية قضية تصل إليها سواء من السجناء أو من ذويهم بكل شفافية وحيادية.
ويتابع: العمل الحقوقي أصبح عملا مؤسسيا والأجهزة التي تمارس دور الرقابة تتمتع باستقلالية كاملة.
بدورها قالت سوسن تقوي رئيسة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بمجلس الشورى البحريني لـ«الشرق الأوسط»: «يجب الوقوف جديا أمام تلويح أمين عام جمعية الوفاق بعسكرة المعارضة في البحرين، وذلك عبر التواصل مع أنظمة وتشكيلات سياسية مسلحة في الخارج، وما ينطوي على ذلك من استقواء بالخارج في سبيل إحداث تغيير معين في النظام السياسي بالبحرين، وإن ذلك موثق من خلال كلمة أمين عام الجمعية في المؤتمر العام لجمعيته، وما يعنيه ذلك من دلالات سياسية تحمل أوراق استخدام العنف والسلاح ورقة للضغط والابتزاز والتأثير لتحقيق المطالب غير التوافقية بالطرق غير المشروعة وبعيدا عن المؤسسات الدستورية».
يقول النائب على العرادي نائب رئيس مجلس النواب لـ«الشرق الأوسط»: «الشيخ علي سلمان أمين عام جمعية سياسية مرخصة ولكنه مواطن بحريني يخضع للقانون كأي مواطن، ويواجه في الفترة الراهنة اتهامات ولم يدان حتى الآن وأشار في إحدى خطبه إلى تلقيه عرضا بتزويده بالسلاح وتحويل المعارضة البحرينية إلى معارضة عنيفة على غرار المعارضة السورية ويشكر على رفضه لهذا العرض، لكن من حق البحرين والبحرينيين أن يعرفوا من هي هذه الجهة؟».
ويتابع نائب رئيس مجلس النواب القانون البحريني نص على أن الجميع سواسية والشيخ علي سلمان لا يختلف عن غيره من المواطنين، وما حدث هو اتهام طبيعي ونشد على يد النيابة بأن تمضي في تحقيقاتها حتى النهاية، فمن حق الدولة والنيابة أن تعرف التي تنوي شرا للبحرين وأهلها، ويضيف العرادي: «هو رفض لكن قد يتلقى العرض شخص آخر أو تيار آخر وقد يقبله، وحدث خلال الفترة الماضية حالات تهريب سلاح إلى البحرين».
في المقابل اعتبر جميل كاظم أحد قياديي جمعية الوفاق أن الشيخ علي سلمان في خطابه الأخير وفي جميع خطاباته يؤكد على السلمية وقال إن هناك أطرافا في المعارضة البحرينية لا تتبنى خطاب سلمان وتعتبره ضعفًا، واعتبر كاظم أن محاكمة أمين عام الجمعية هي محاكمة لمنهج جمعية الوفاق في التعاطي السياسي.
ردود الفعل الدولية حول إيقاف أمين عام جمعية الوفاق كانت محدودة وإن كانت أبرز ردود الفعل جاءت من إيران التي وسمتها الحكومة البحرينية بأنها تحريض سياسي وديني في بيان صدر عن وزارة الخارجية البحرينية هنا يقول وزير شؤون الإعلام إن ما يهم مملكة البحرين هو الشأن الداخلي وإن الأمر يتعلق بمخالفات صريحة للقانون وكان هناك تدرج في التعاطي مع القضية فتمت مساءلة المتهم قبل التحول إلى السلطة القضائية، وأي تعليق خارجي «لا يعنينا» وتتعامل مع القضية كشأن داخلي بحت.
تقول سوسن تقوي: «البحرين دولة قانون ومؤسسات، والجميع خاضع للمسطرة القانونية، وما جرى بالنسبة لأمين عام جمعية الوفاق هو مساءلته عما نسب إليه من اتهامات، وما زالت النيابة العامة تواصل استجوابها له، شأنه في ذلك شأن أي متهم آخر يمثل أمام النيابة العامة أولا ثم القضاء لتتخذ العدالة مجراها الطبيعي».
وتضيف تقوي إن جمعية الوفاق تعتبر مساءلة أمينها العام معاقبة لها، ولكنها تحرف بذلك الموضوع وتبتعد عن كبد الحقيقة، فما جرى هو تشكيل مجموعة من الاتهامات بحق أمين عام الجمعية في ظل سقوطه في مجموعة من المخالفات الصريحة لعدد من القوانين، ولا يمكن غض النظر عن المجاهرة بمخالفة الدستور أو التمرد على التشريعات، وإلا فإن ذلك سيفتح الباب واسعا أمام تسيب الممارسة القانونية وبالتالي إحداث الفوضى تحت ذرائع متعددة.
واعتبرت تقوي أن أغلب ردود الفعل الخارجية انصبت على ضرورة استكمال الإجراءات القانونية بشكل صحيح وضمان تنفيذها بشكل أمين والشفافية في إجراءات التقاضي، كما قالت إن المؤسسة القضائية في البحرين لا تحتاج إلى نصائح من هذا النوع من هذه الدول لأنها تمارس الشفافية والحياد في ممارساتها القانونية والقضائية، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن ردود الفعل الكثيرة أبرزت من جديد بسط الدولة للأمن والاستقرار وهيبة القانون وتنفيذه بين جميع المواطنين وذلك دون تمييز أو تفرقة بين أي مواطن وآخر، وبخاصة من يخطئ أو يتمادى في المخالفة وبشكل لا يمكن السكوت عنه لئلا يكون ذلك سابقة للعدوان على الدستور.
بدوره قال علي العرادي نائب رئيس مجلس النواب «إن ما حدث لأمين عام جمعية الوفاق هو شأن داخلي ومن غير المناسب لأي دولة انتهاك سيادة دولة أخرى، وأتمنى كمواطن أن تظهر الحقيقة وأن نعرف ما وراء الادعاءات فإذا كانت صحيحة نتمنى تنفيذ القانون، وإن كانت غير صحيحة نتمنى أن بفرج عنه وأن يعود إلى حياته الطبيعية».
وتابع العرادي: «ردود الفعل كان أبرزها من المنظمات غير الحكومية وإن كانت لا تنظر في حقيقة الادعاء ولديها وجهة نظر مسبقة إلا أنها كانت مع تطبيق القانون، أما ردود فعل الدول كانت محدودة وكانت في الغالب حذرة».
يقول جميل كاظم القيادي في جمعية الوفاق: «لدى الجمعية تصنيف لردود الفعل سواء الصادرة عن الدول أو المنظمات دولية»، ويضيف: «(الوفاق) لديها علاقات جيدة مع مختلف المنظمات والمؤسسات الدولية فضلا عن علاقتها مع السلك الدبلوماسي الدولي».
واعتبر كاظم أن ردود الفعل كانت جيدة على مستوى المنظمات والمؤسسات الدولية وأبرزت الأزمة البحرينية، بينما كانت ردود فعل الدول الغربية دون مستوى الحدث.
ويعتبر أن إيقاف الأمين العام للجمعية وتعليق نشاطها السياسي حتى تصحيح أوضاعها كان نتيجة رفض الجمعية لوثيقة الأعيان التي أعلن عنها في سبتمبر من عام 2014 بعد لقاء جمع ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة مع شخصيات وطنية وتضمنت الوثيقة حينها 5 نقاط وجدتها الوفاق والمعارضة بشكل عام غامضة.
وتابع كاظم: «أعتقد أن الأمور خطيرة عندما تستهدف جمعية سياسية مصرحة وتمارس نشاطها منذ 12 عاما قضائيا ويحاكم رموزها ولو استمر هذا الوضع التصاعدي ستدخل البحرين في أزمة».
في المقابل أكد وزير شؤون الإعلام أن ما تقوم به الحكومة البحرينية وبكل وضوح هو تطبيق للإجراءات والقانون ولا يوجد ترصد أو استهداف لجمعية الوفاق أو قياداتها فالجمعية أنشئت على أساس قانون عمل الجمعيات السياسية ويجب أن تلتزم بهذا القانون وأمين عام الجمعية كان خلال السنوات الماضية يمارس عمله كأي مواطن بحريني ويتم استدعاؤه ومساءلته إذا خالف القانون.
وشدد عيسى عبد الرحمن على أن حكومة البحرين تضمن لأي جمعية سياسية مرخصة أو شخصية تمارس العمل السياسي أن تمارس عملها بكل أريحية إذا لم تخالف القانون وأضاف: «هناك 17 جمعية سياسية أخرى في البحرين لم تتعرض لها أية جهة حكومية وتمارس نشاطها بكل حرية».



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.