تزايد التوتر بين باريس وأنقرة

فرنسا تدعو إلى «وقف فوري» لمقاطعة منتجاتها وحماية مواطنيها

إردوغان أعاد تهجمه ليومين متتاليين على ماكرون ملمحاً إلى أنه مصاب باختلال عقلي (أ.ب)
إردوغان أعاد تهجمه ليومين متتاليين على ماكرون ملمحاً إلى أنه مصاب باختلال عقلي (أ.ب)
TT

تزايد التوتر بين باريس وأنقرة

إردوغان أعاد تهجمه ليومين متتاليين على ماكرون ملمحاً إلى أنه مصاب باختلال عقلي (أ.ب)
إردوغان أعاد تهجمه ليومين متتاليين على ماكرون ملمحاً إلى أنه مصاب باختلال عقلي (أ.ب)

احتل التأزم في العلاقات بين باريس وأنقرة واجهة الاهتمامات السياسية والإعلامية في فرنسا بعد الإهانات التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ليومين متتاليين (السبت والأحد) لإيمانويل ماكرون، ملمحاً إلى أنه مصاب باختلال عقلي، طالباً منه أن يعمد لإجراء فحوصات للتأكد من صحته العقلية. ولم تهبط ردود الفعل الفرنسية، أكانت تلك الصادرة عن قصر الإليزيه أو عن وزارة الخارجية، إلى حد استهداف شخص إردوغان، بل بقيت في الإطار السياسي.
والرد العملي الوحيد الذي قررته باريس هو استدعاء سفيرها في أنقره «للتشاور»، ما يعني في العرف الدبلوماسي التعبير عن «غيظ» فرنسي حاد من تصرفات إردوغان، والسلطات التركية بشكل عام. بيد أن التصعيد الجديد بين البلدين الذي انطلق بسبب تهجمات إردوغان، رداً على خطاب الرئيس ماكرون يوم الأربعاء الماضي في تكريم ذكرى صامويل باتي، أستاذ التاريخ والجغرافيا الذي قتله متعصب شيشاني، لم يبقَ محصوراً في الحيز الثنائي الدبلوماسي والإعلامي، بل فاض عنه إلى ردود فعل من عدة عواصم، احتجاجاً على نهج ماكرون ومضمون خطابه الأخير. يضاف إلى ذلك انطلاق حملة لمقاطعة المنتجات والبضائع الفرنسية، مقرونة باحتجاجات بقيت حتى اليوم محدودة على مستوى الشارع في عدة بلدان. ورداً على ذلك، سارعت وزارة الخارجية الفرنسية إلى إصدار بيان عدت فيه أن دعوات المقاطعة والتظاهر «تحرف المواقف التي تدافع فيها فرنسا عن حرية الضمير والتعبير والحرية الدينية، ورفض كل ما يدعو إلى الحقد».
وأضاف البيان أن هذه الدعوات «في كثير من بلدان الشرق الأوسط تحور وتستغل لأسباب سياسية الكلام الصادر عن رئيس الجمهورية»، أكان في خطابه عن «الانفصالية الإسلاموية» الذي ألقاه بداية الشهر الحالي أو خطابه في جامعة السوربون في الـ21 من الشهر نفسه. وطالبت باريس «بوقف فوري» لدعوات المقاطعة، ولكل الهجمات التي «تستغلها أقلية راديكالية».
وفي السياق عينه، دعت الخارجية الفرنسية سلطات الدول المعنية إلى رفض دعوات المقاطعة وأي استهدافات لفرنسا، مع ضمان أمن الفرنسيين ورعاية الشركات الفرنسية العاملة في البلدان المعنية. وهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها إردوغان نظيره الفرنسي بهذا العنف. فقد سبق أن قال عنه إنه «يعاني من حالة الموت السريري» في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، رداً على تصريح لـماكرون أشار فيه إلى أن الحلف الأطلسي يعاني من موت سريري، في تلميح لمبادرات إردوغان أحادية الجانب التي تورط الحلف في مآزق متنوعة، منها التدخل التركي ضد أكراد سوريا، وابتزاز الاتحاد الأوروبي في موضوع الهجرات، والتدخل التركي في الحرب الليبية، ولاحقاً التعدي على سيادة اليونان وقبرص في مياه المتوسط.
أما المواجهة الأخيرة فجاءت حول دور أنقره في الحرب الأرمنية - الأذرية. لكنها المرة الأولى التي يدخل فيها الإسلام عنصراً في التصعيد الفرنسي - التركي، وذلك منذ خطاب ماكرون في مدينة «ليه مورو» الذي كرسه لمحاربة الانفصالية الإسلاموية والإسلام السياسي بشكل عام. ثم جاءت العملية الإرهابية التي قام بها عبد الله أنذوروف، وقتله مدرس التاريخ وفصل جسده عن رأسه، وبث ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي، والصدمة التي أحدثتها في فرنسا، مع ما رافقها من ردود أفعال، لتزيد الطين بلة. كما أنها وفرت الفرصة لإردوغان لمعاودة استهداف ماكرون.
وتعد مصادر فرنسية متابعة لملف العلاقات بين باريس وأنقره أن مواقف الرئيس ماكرون المتشددة داخل الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، ودفاعه عن الحاجة لفرض عقوبات على تركيا، ودفعه الحلف الأطلسي لكي «يفتح عينيهّ إزاء سياسات إردوغان الخطيرة»، تجعل باريس، من بين البلدان الأوروبية كافة، في المرمى التركي. بيد أن للتصعيد بين الجانبين سبباً آخر لا يقل أهمية، وهو يعود لعدد من التدابير التي كشف عنها ماكرون في استراتيجيته لمواجهة الراديكالية الإسلاموية والتطرف، والتي فصل الكثير منها في خطابه بداية الشهر الحالي.
تجدر الإشارة إلى أن الحكومة بصدد إعداد مشروع قانون سيعرض في مجلس الوزراء بداية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بحيث ينقل بعدها مباشرة إلى مجلسي الشيوخ والنواب لمناقشته والتصويت عليه. وفي الأيام الأخيرة التي تلت عملية عبد الله أنذوروف في مدينة كونفلان سانت هونورين، دعا ماكرون وزراءه لمده بمقترحات إضافية من أجل جعل مشروع القانون أكثر صرامة. ويستهدف المشروع وضع حد لاستجلاب أئمة مسلمين من الخارج، وتفضيل تنشئتهم وتأهيلهم محلياً، وتحويل الإسلام من «الإسلام في فرنسا» إلى «إسلام فرنسا»، وفرض الرقابة على المدارس الخاصة غير المتعاقدة مع الدولة التي تخرج عن رقابتها إلى حد بعيد، وحجب التمويل الخارجي، والرقابة على الجمعيات الإسلامية، وبشكل عام محاربة الإسلام السياسي في البلاد الذي يعده وزير الداخلية جيرالد دارمانان «العدو الداخلي». ولا بد من الإشارة إلى أن مزاج الرأي العام في فرنسا يميل يميناً، وماكرون واقع بين مطرقة الإسلامويين والإرهاب من جهة، وسندان ضغوط اليمين واليمين المتطرف.
وهذه التدابير المتشددة لا يبدو أنه تلقى قبولاً لدى الرئيس التركي الذي يعد نفسه، وفق المصادر الفرنسية، المدافع عن الإسلام والمسلمين ونصيرهم. ومشكلته أن تفعيلها سيحرم إردوغان من «رافعة» تمكنه عادة من فرض سيطرته على الجالية التركية «وبعض الجالية الإسلامية التي يقدر عددها بنحو 6 ملايين نسمة، وهي الأكبر في أوروبا». فوقف استجلاب الأئمة يعني أن باريس لن تسمح لاحقاً بمجيء ما لا يقل عن 300 إمام تركي. وفرض الرقابة على الجمعيات سيحد من التأثير الخارجي. كذلك، فإن وضع المدارس الإسلامية الخاصة تحت رقابة وزارة التربية، ومنع تدفق التمويل الخارجي، يمكن أن تحول دون طموحات إردوغان على المستوى الإسلامي الفرنسي والأوروبي، الأمر الذي يزيد من سكب الزيت على نار العلاقات الملتهبة بين الجانبين.
وتتعين الإشارة إلى أن ماكرون أقر، عقب وصوله إلى الرئاسة، إقامة يوم لذكرى مذابح الأرمن في السلطنة العثمانية في العامين 1915 و1916، وذلك في شهر أبريل (نيسان) من كل عام. ولا شك أيضاً أن زيارة وفد مشترك من البرلمان الفرنسي إلى يريفان، عاصمة أرمينيا مؤخراً، وقبلها استقبال ماكرون لرئيس الوزراء الأرمني، ومهاجمته الدور التركي؛ كل ذلك راكم الملفات الخلافية، ووفر لإردوغان الفرصة للتركيز على مهاجمة ماكرون، وعد أنه «مهووس» به. وجاءت إشكالية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد التي نشرتها مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة في عام 2015، وأعادت نشرها بداية سبتمبر (أيلول) الماضي، والتركيز عليها بعد ذبح الأستاذ صامويل باتي لأنه أظهرها لتلامذته في إطار حصة عن «حرية التعبير»، وإعلان أعلى السلطات الفرنسية التمسك بها، بما في ذلك حرية نشر الرسوم، لتدفع إلى مزيد من التصعيد بين أنقره وباريس؛ وما نراه اليوم قد لا يكون سوى محطة من محطاته.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.