المفهوم المحفوظي للسرد لا يعترف بالتصنيف

سيد الوكيل يسبر أغواره في «حضرة المحترم»

نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
TT

المفهوم المحفوظي للسرد لا يعترف بالتصنيف

نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
نجيب محفوظ - غلاف الكتاب

بخلاف الكثير من الدراسات التي تناولت أعمال نجيب محفوظ ينطلق سيد الوكيل في كتابه «مقامات في حضرة المحترم» من رغبة في فهم ذاته بوصفه كاتباً. متى وجد صوته الخاص، متى بدأ إحساسه بهم وجودي يخصه ويأخذه في طرقه الخاصة ويُخلِّصه من السير في طرق كبار أحبهم في بداياته، من هذه الرغبة الأساسية تأتي أهمية هذه القراءة الجديدة في إبداع عميد الرواية العربية.
يُقسِّم الكاتب دراسته الصادرة عن دار بتَّانة بالقاهرة إلى ثلاثة أبواب: مقام الأسرار، مقام الكمال، مقام الوصل. وفي تقديمه للكتاب يقدم الناقد مصطفى الضبع تفسيره لمقامات المؤلف، حسب لغة عنونتها الصوفية؛ بأنها مقامات المكاشفة وإدراك المريد لأسرار الشيخ، ثم مقام البحث عن الكمال؛ سعي الشخصيات إلى كمالها وسعي القارئ إلى كماله، ثم تحقيق الوصل بين المريد والقطب. وعند القراءة قد يبدو لنا هذا التبويب متحققاً بشكل ما، لكننا سنكتشف أن علاقة المريد بشيخه البادية في العنوان تستوفي التعبير عن إجلال شخصي دون التسليم الذي يطبع علاقة المريد بالشيخ؛ فالكتاب حفر لاكتشاف عوالم محفوظ، والأنفاق السرية التي تصل بين عمل وآخر، والتي تجعل من روايات وقصص نجيب محفوظ تمثيلات لعدد قليل من الأسئلة تؤرقه ككل كاتب كبير. لهذا يُصدِّر الوكيل كتابه بعبارة من كتاب شاكر النابلسي «مذهب للسيف ومذهب للحب» تؤكد ضرورة رؤية أي رواية لمحفوظ من خلال أعماله كلها.
الشكل والمعنى
في الباب الأول من الكتاب يبحث الوكيل في مسألة النوع الأدبي، مذكراً بمقولة نقدية كانت مستقرة تجعل من يوسف إدريس رأساً للقصة، بينما تضع محفوظ على رأس الرواية، وعلى القارئ والسالك لطريق الكتابة أن يختار طريقاً من الطريقين. هذه القسمة الصارمة حرمتنا من تأمل ثلث ما كتب نجيب محفوظ، حيث لم يُنظر إلى قصصه إلا بوصفها روايات ضلت طريقها!
لمساءلة تلك القسمة المستقرة يعود الوكيل إلى بدايات السرد الحديث، أوائل القرن العشرين لدى عيسى عبيد ومجايليه عندما كانوا يتعثرون في التسمية يضعون اسم هذا على ذاك، ويمدون اسم الرواية على المسرحية والفيلم، وبينما اكتملت هوية القصة تأخر نضج الرواية، وانتظرت محفوظ ليمنحها شكلها الحديث، لكن هذا لا يعني أن قصصه روايات مشوهة، بل على العكس، استطاع محفوظ أن يستفيد من المرونة غير المحدودة للقصة في تطويعها وتوسيع طاقتها السردية بمعالجات مختلفة للزمن والحدث.
كان نموذج «نظرة» ليوسف إدريس مريحاً في انتمائه المدرسي لقصة الفكرة، بينما أربكت قصة محفوظ النقد، لأنه يتخذ من الفكرة أفقاً لتوليد أفكار جانبية تتصل بالفكرة الأساسية، ولهذا تبدو قصصه بأثرها القرائي وفضائها الدلالي بقوة الرواية.
ويبدو عطاء محفوظ في القصة كبيراً إذا أضفنا له رواياته المكتوبة بروح القصة مثل «أمام العرش» و«المرايا» وحتى «ملحمة الحرافيش»، حيث يرى الوكيل أنها مكتوبة بروح المتوالية القصصية رغم فضائها الملحمي، لافتاً إلى ملاحظة مهمة: أن أعمال محفوظ كلها لم تكن تحمل تصنيفاً على أغلفتها.
السكوت عن التصنيف يعكس المفهوم المحفوظي للسرد الممتد عبر تجربته الطويلة، حيث المرونة في الشكل الذي لا ينفصل أبداً عن المضمون والفكرة. وهذا يعني أن القصة لدى محفوظ ليست شكلاً مستقلاً لكنها طريقة للنظر إلى موضوع ما، ثم إذا به يختتم مسيرته بسرد يحير هواة التصنيف في «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة» دون أن ننسى «حديث الصباح والمساء»، التي تعصف بترتيبها الأبجدي قواعد القصة والرواية لتنزع نحو المعاجم.
العنف النقدي الذي مورس انطلاقاً من شكل واحد، بحسب الوكيل، هو ذاته الذي مارسه النقاد عندما حاولوا الوقوف على أفكار واضحة في إبداع محفوظ؛ فيسجل عبد المحسن طه بدر ثم علي شلش، أربعة عناوين هي: حتمية التطور - الإنسان المؤمن بطبيعته - التوسط بين الاشتراكية والرأسمالية - المستقبل المظلم. هذا الجهد المشكور يغض الطرف عن حقيقة بسيطة: النص الأدبي غير مخلص حتى لصاحبه. وواقعية محفوظ الإنسانية تتسع لأكثر من هذه العناوين الأربعة.
بحثاً عن الجدوى
في الجزء المعنون «مقام الكمال» يسعى سيد الوكيل إلى البحث عن الهموم الوجودية التي تحكم العالم المحفوظي، ليس من خلال الأعمال الكبرى كملحمة الحرافيش أو رواية أولاد حارتنا، بل من خلال قراءتين مطولتين لنوفيلا «قلب الليل» ورواية «الشحاذ» ويراهما معبرتين عن القلق الوجودي لدى الكاتب، بأكثر مما تعبر «أولاد حارتنا» ذات البنية المستعارة لرواية التاريخ الإنساني والمحتشدة بالتفاصيل.
«قلب الليل»، حوارية بين موظف بالأوقاف وجعفر الراوي الذي ذهب للمطالبة بحقه في ميراث جده. تتبادل الشخصيتان عبء السرد في الحوار الذي يكشف عرضاً عن مأزق جعفر الراوي الوجودي.
ننتهي من هذه الحوارية التي تقع في 149 صفحة وقد تعرفنا على مراحل حياة جعفر الراوي من طفولته، حيث الخيال والحلم وسيلته للإجابة عن أسئلة الوجود الغامضة، ثم بحثه عن نفسه في الدين، ثم في الفن، وأخيراً في الفلسفة، وكأن حياته معادل لرحلة الإنسان على الأرض في بحثه عن مسار يحقق العدل والحرية، وهذا من أهم أسئلة نجيب محفوظ التي تقود لسؤال أكثر تعقيداً حول مأزق الوجود الإنساني، ويعبر عنه جعفر الراوي من خلال وعيه بطبيعته: «إني أتمرغ في التراب، ولكنني في الأصل هابط من السماء». هذه المسافة هي التي تجعل الإنسان قادراً على فعل أي شيء. وجعفر الراوي هو ذلك الإنسان؛ فهو لم يعرف الحدود في حياته، عندما تديَّن وعندما انخرط في المتعة، وعندما انغمس في الفكر، حتى أنه لم يتمالك نفسه وقتل «سعد كبير» لمجرد أنه صارحه بأن ما يعتبره نظرية فلسفية جديدة مجرد هراء.
بسبب الطبيعة المزدوجة لا يعرف الإنسان الاعتدال، وتظل الحياة لغزاً، لا يحلها التنقل بين يقين الإيمان ومتع الجسد وتأملات العقل.
في «الشحاذ» يسعى محفوظ وراء الأسئلة ذاتها من منظور آخر. يتعرض الوكيل للتشخيص النفسي الذي قدمه الدكتور يحيى الرخاوي لبطل الرواية عمر الحمزاوي باعتباره مريضاً بالاكتئاب، ويقبل به لأن الرخاوي يصفه بـ«الاكتئاب الوجودي» المتعلق بالسؤال الخالد: أكون أو لا أكون؟
نحن بصدد القلق الوجودي مجدداً، سواء بلغ حد المرض أو لم يبلغ. وعلى النقيض من جعفر الراوي يبدو عمر الحمزاوي شخصية متزنة، مطمئنة إلى النجاحات التي حققتها في الحياة، وفجأة يعصف به السؤال الوجودي عن معنى حياته التي عاشها. سؤال يرى محفوظ أنه «لا يلح علينا إلا بعد أن يفرغ قلبنا».
بعد السؤال لم يعد الحمزاوي كما كان، سار في طريق البحث الذي قطعه جعفر الراوي. يبحث عن المعنى في الملاهي، وفي كتابة الشعر، ثم ينتهي معتزلاً الحياة في كوخ ناءٍ، لا أمل لديه إلا أن يتسول جواباً عن الحقيقة التي ينشدها.
اللقاء في المنام
في الباب الثالث من الكتاب «مقام الوصل» يقف سيد الوكيل أمام ثيمة الأحلام في إبداع نجيب محفوظ، التي توجت بعمل خاص مكرس للحلم «أحلام فترة النقاهة» التي كتبها عقب ست سنوات من التوقف بسبب الاعتداء الإرهابي عليه، قضاها في العلاج الطبيعي لاستعادة لياقة يده، ثم كانت «أحلام فترة النقاهة» التي جاءت تتويجاً لحضور الحلم في أعمال محفوظ، والذي يعطي ملمح تيار الوعي المنسجم مع الواقعي في كتابة محفوظ. ربما كان دافع الأحلام الأخيرة رحلة داخلية كالتي مر بها عمر الحمزاوي تحت تأثير من سحابة اكتئابية خلال سنوات التوقف التي أعقبت الجريمة. وإذا كان الحلم مهمة اللاوعي الحر، فكتابته مهمة الوعي، حيث قام العقل الخبير بطرائق السرد بعمليات استبدال فني لتبدو على هذا النحو، ولتقود عدداً من الكُتاب إلى السير في هذا الطريق فلا تظل كتابة الأحلام عملاً بدأ وانتهى في تجربة كاتب واحد، بل تنفتح لتصبح نوعاً أدبياً تكمن الكتابة في إطاره.
ينوه الوكيل بعمل سبق أحلام فترة النقاهة بخمسة أعوام، وهو رواية مصطفى بيومي «أحلام سرية» قبل أن يتناول أربعة أعمال أعقبت الأحلام المحفوظية: «أحلام الفترة الانتقالية - محمود عبد الوهاب»، «ما وراء الجدار - مصطفى يونس» و«دفتر النائم - شريف صالح» وعمله هو نفسه «لمح البصر». ويقدم الوكيل قراءته لأعمال الكتاب الثلاثة بينما يختتم «مقامات في حضرة المحترم» بأحد أحلام كتابه، الذي تحقق فيه الوصل مع شيخ الكتابة في التكية، بعد رحلة حلمية متعددة المحطات.



وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)
TT

وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)

خلص تحقيق قضائي في بريطانيا إلى أن الإهمال الطبي كان عاملاً مساهماً في وفاة أم شابة في لندن بعد إصابتها بتسمم الدم (الإنتان)، إثر تلقيها مضادات حيوية غير مناسبة لعلاج عدوى أصيبت بها عقب إجراء طبي بسيط. وفقاً لصحيفة «ستاندرد».

وتوفيت أليشا روتشستر (33 عاماً)، وهي موظفة صندوق في أحد البنوك، وتقيم في منطقة كرويدون جنوب لندن، بعد نحو أسبوعين من خضوعها لإجراء روتيني لإزالة خُراج من تحت إبطها الأيسر.

ووفق ما استمعت إليه محكمة التحقيق، بدأت حالة روتشستر الصحية بالتدهور بعد أيام قليلة من العملية، إذ شعرت بتوعك، وظهرت علامات عدوى في الجرح. وخلال الأيام التالية سعت مراراً للحصول على المساعدة الطبية، حيث راجعت طبيباً عاماً، وقسم الطوارئ أكثر من مرة، إلا أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها لم تكن فعالة ضد البكتيريا المسببة للعدوى.

وقالت مساعدة الطبيب الشرعي، سيان ريفز، إن العاملين في مستشفيات إبسوم وسانت هيليير الجامعية لم يلتزموا بالإرشادات الطبية المعتمدة فيما يتعلق بوصف المضادات الحيوية، كما لم تتم استشارة قسم الأحياء الدقيقة قبل اختيار العلاج المناسب.

وفي 13 أغسطس (آب) 2023 توجهت روتشستر إلى موعد طبي طارئ خارج ساعات العمل، حيث وُصف لها مضاد حيوي من عائلة البنسلين. وفي اليوم نفسه قصدت أيضاً قسم الطوارئ في مستشفى كرويدون الجامعي، حيث شُخِّصت حالتها على أنها عدوى في الجرح، وأُعيدت إلى منزلها، مع توصية بمواصلة العلاج.

لكن حالتها استمرت في التدهور، ما دفعها في مساء 14 أغسطس إلى التوجه إلى قسم الطوارئ في مستشفى سانت هيليير، حيث تلقت جرعة من مضاد حيوي عبر الوريد قبل أن يُسمح لها بالعودة إلى المنزل على أن تعود في اليوم التالي.

وأظهر التحقيق أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها في تلك المرحلة لم تكن متوافقة مع الإرشادات المعتمدة في المستشفى، كما لم تكن فعالة ضد نوع البكتيريا المرجح تسببه بالعدوى.

وفي 16 أغسطس تلقت علاجاً يتوافق مع الإرشادات الطبية، إلا أن حالتها كانت قد تدهورت بشكل كبير. وبحلول 17 أغسطس نُقلت إلى وحدة العناية المركزة بعد إصابتها بصدمة إنتانية حادة مصحوبة بفشل في عدة أعضاء حيوية. ورغم إدخالها على جهاز التنفس الصناعي، وتلقيها علاجاً مكثفاً بالمضادات الحيوية، استمرت حالتها في التدهور إلى أن تعرضت لتوقف في القلب في الساعات الأولى من صباح 19 أغسطس، ولم يتمكن الأطباء من إنعاشها.

وخلص التحقيق إلى أنه كان ينبغي وصف المضاد الحيوي المناسب لها في 15 أغسطس، ولو حدث ذلك في ذلك الوقت فمن المرجح أنها كانت ستنجو. وتركت روتشستر خلفها ابنها كزافييه، الذي يبلغ اليوم ثماني سنوات.

وقالت والدتها، لورنا، إن ابنتها كانت «محبة، وحنونة، ومليئة بالتعاطف»، مضيفةً أنها كانت أماً مخلصة، وكان حبها لابنها واضحاً في كل لحظة يقضيانها معاً.

وقد باشرت العائلة إجراءات قانونية على خلفية الحادثة.

من جهته، قال الدكتور ريتشارد جينينغز، المدير الطبي لمجموعة مستشفيات سانت جورج وإبسوم وسانت هيليير الجامعية، إن المستشفى يقر بوقوع تقصير في علاج المريضة.

وأضاف: «ندرك أننا أخفقنا في حق السيدة روتشستر بعدم إعطائها المضادات الحيوية الصحيحة، وكانت لذلك عواقب مأساوية. نعتذر بصدق لعائلتها».


القيادة والسيطرة: العقل التقني الذي يدير أمن العمرة والحشود في المسجد الحرام

التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)
التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)
TT

القيادة والسيطرة: العقل التقني الذي يدير أمن العمرة والحشود في المسجد الحرام

التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)
التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)

يبرز دور مركز القيادة والسيطرة لأمن العمرة في الحرم المكي الشريف، هذه الأيام وعلى مدار العام بوصفه غرفة العمليات الرئيسة التي تستند إليها قيادات قوات أمن العمرة في متابعة المشهد الميداني لحظة بلحظة، وذلك من خلال منظومة متكاملة تجمع بين البيانات والتحليل والتقنيات الحديثة.

ويسعى المركز من خلال هذه التقنيات إلى سرعة التفاعل والاستجابة بما يضمن اتخاذ القرار المناسب في مختلف المواقف، ويعزز من مستوى الجاهزية الأمنية لخدمة ضيوف الرحمن وتمكينهم من أداء مناسكهم بأمن وأمان وطمأنينة، حتى مغادرتهم مكة المكرمة متجهين إلى دولهم.

ويهدف مركز القيادة والسيطرة لأمن العمرة إلى توفير قاعدة بيانات موسعة تضم المعلومات والإحصاءات المتعلقة بالجوانب الأمنية، وتحليلها، والتعريف بالعوامل المؤثرة، واقتراح الأساليب الأمنية المناسبة.

يعتمد مركز القيادة على عناصر بشرية مؤهّلة تمتلك خبرات متعددة في إدارة أمن وسلامة الحشود (الشرق الأوسط)

وفي إطار الرعاية والسلامة، يتابع المركز ملايين الوافدين لمكة المكرمة لأغراض مختلفة، منها الصلاة وأداء العمرة؛ إذ تشير الأرقام المعلنة، الثلاثاء، من الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، أن إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين وصل إلى أكثر من 96 مليون قاصداً حتى 20 من رمضان، في حين استقبل المسجد الحرام أكثر من 57 مليون مصل أدوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليون معتمر.

استقبلت مكة المكرمة تدفق نحو 73 مليون معتمر ومصلٍ في منظومة متكاملة لرعايتهم (واس)

يقابل هذا التدفق الكبير من داخل السعودية وخارجها، تنظيم مدروس سهَّل من عملية التنقل في جميع الأوقات يلمسه الزائر والمعتمر ويدرك من خلاله أن هناك عملاً لا يهدأ خلف الكوليس؛ إذ يتولى المركز، بالتكامل مع عمليات المسجد الحرام، إدارة أحداث موسم العمرة خلال شهر رمضان المبارك، في المسجد الحرام وساحاته، والتوسعة السعودية الثالثة، والمنطقة المركزية بشكل كامل، إضافة إلى محطات النقل الواقعة في المنطقة المركزية ومداخل مكة المكرمة.

ويعتمد مركز القيادة، على عناصر بشرية مؤهلة تمتلك خبرات متعددة في إدارة أمن وسلامة الحشود، مدعومة باستخدام أحدث الكاميرات وأدق الإحصاءات المتعلقة بالمهام الواردة إلى المركز على مدار الساعة طوال فترة المهمة، كما يقوم المركز بالتنبؤ بالأخطار والحالات المحتملة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لمعالجتها، ونقل جميع الأحداث والمستجدات إلى القادة الميدانيين.

ويستقبل المركز الذي يحظى بمتابعة وإشراف لحظي من مدير الأمن العام، وقائد قوات أمن العمرة، جميع البلاغات الواردة عبر رقم الطوارئ (911)، ويتم ترحيلها إلى جهات الاختصاص لمعالجتها، مع المتابعة المستمرة حتى إغلاق البلاغ، كما يوجد تواصل وتنسيق مستمرين من قِبل المركز مع جميع الشركاء، والاستعانة بهم في مختلف المواقف حسب الحاجة.

كما يقوم المركز بمتابعة الحالة الأمنية والحالة المرورية في جميع المحاور، وتغذية الجهات الأمنية والشركاء من مختلف الجهات الحكومية والخدمية، وذلك من خلال الاستفادة من جميع الممكنات المتاحة، باستخدام آلاف الكاميرات الموزعة في جميع المواقع، كما يعمل المركز على توثيق رحلة العمرة، ابتداءً من قدوم المعتمرين إلى مدينة مكة المكرمة وحتى مغادرتهم لها.

تتيح منصة «بصير» الذكية معرفة أوقات الدخول وأوقات الذروة وأعلى وأقل مستويات الكثافة في صحن المطاف والمسعى (واس)

ويرتكز عمل مركز القيادة بشكل أساسي على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحديثها بصفة مستمرة، حيث جرى إنشاء قسم متخصص للذكاء الاصطناعي بالمركز، يضم عدداً من المنصات؛ لذا يُعدّ المركز القلب النابض لقيادات قوات أمن العمرة، لما له من دور محوري في المساعدة على سرعة اتخاذ القرارات المناسبة في مختلف المواقف؛ ما يمكّن المعتمرين والزوار من أداء مناسكهم بأمن وأمان وطمأنينة ويسر، وأن تكون رحلة العمرة رحلةً ممتعةً بعون الله.

ومن أبرز المنصات المستحدثة منصة «سواهر» التي تُستخدم لتحليل البيانات الواردة من الكاميرات عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تم تشغيلها على مداخل مدينة مكة المكرمة؛ لمعرفة كثافات الطرق وتوزيع الحركة المرورية آنياً على الطرق الأخرى السالكة. ويتوفر بالمركز نوعان من الكاميرات المستخدمة لهذا الغرض.

كما تقوم منصة «بصير» بدور حي في استكمال توظيف التقنيات والذكاء الاصطناعي، وتستخدم المنصة الذكية داخل المسجد الحرام، لمعرفة أوقات الدخول وأوقات الذروة، وأعلى وأقل مستويات الكثافة في صحن المطاف والمسعى (الصفا والمروة)، إضافة إلى قياس نسب الكثافة فيه؛ ما يسهم في إدارة وتنظيم الحشود بكفاءة عالية.


هل ينبغي أن يتقاضى الأجداد أجراً مقابل رعاية الأطفال؟

المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)
المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)
TT

هل ينبغي أن يتقاضى الأجداد أجراً مقابل رعاية الأطفال؟

المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)
المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)

في ظل التحديات الديموغرافية المتزايدة التي تواجهها دول كثيرة، وعلى رأسها انخفاض معدلات المواليد وارتفاع تكاليف المعيشة، بدأت الحكومات في البحث عن حلول مبتكرة لدعم الأسر الشابة وتخفيف أعباء رعاية الأطفال.

ومن بين هذه الحلول غير التقليدية فكرة تقديم دعم مالي للأجداد مقابل مساهمتهم في رعاية أحفادهم، وهو دور لطالما أدَّته الأسرة الممتدة بشكل طبيعي في كثير من المجتمعات.

وفي هذا السياق، بدأت بعض الحكومات المحلية في كوريا الجنوبية اختبار هذه الفكرة عملياً، في محاولة لتعزيز دعم الأسرة وتشجيع الإنجاب.

فقد بدأت جزيرة جيجو في كوريا الجنوبية صرف إعانة شهرية للأجداد تبلغ نحو مائتي دولار أميركي مقابل الوقت الذي يقضونه في رعاية أحفادهم، وذلك في إطار تجربة تسعى من خلالها الحكومات المحلية إلى ابتكار أساليب جديدة لدعم رعاية الأطفال ومواجهة الانخفاض السريع في معدل المواليد في البلاد، وفقاً لما ذكرته صحيفة «إندبندنت».

وحسب هيئة الإذاعة والتلفزيون الكورية (KBS)، سيبدأ تطبيق البرنامج في شهر مارس (آذار)؛ حيث سيُقدَّم الدعم المالي للأجداد الذين يتولون رعاية الأطفال الصغار بدلاً من الاعتماد على خدمات رعاية الأطفال الرسمية. وقد وافق مجلس مقاطعة جيجو على هذه المبادرة، بعد نجاح تجربة مماثلة في العاصمة سيول.

وأظهر استطلاع أجرته حكومة سيول في فبراير (شباط) أن 99.2 في المائة من الأجداد الذين يقدمون رعاية للأطفال أعربوا عن رضاهم عن البرنامج، في حين قال 99.5 في المائة منهم إنهم سيرشحونه للآخرين.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة كورية جنوبية، فقد استفاد 5466 شخصاً من برنامج إعانة رعاية الأحفاد في سيول بحلول نهاية عام 2025.

وكانت سيول قد أطلقت برنامج «إعانة رعاية الأحفاد» عام 2023؛ حيث تقدم للأسر مبلغ 300 ألف وون كوري (نحو 204 دولارات أميركية) شهرياً عندما يقوم الأجداد أو أقارب آخرون بتقديم ما لا يقل عن 40 ساعة من رعاية الأطفال شهرياً.

وللاستفادة من هذه السياسة، يجب أن يكون لدى الأسر أطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وثلاث سنوات، وألا يتجاوز دخل الأسرة 150 في المائة من متوسط الدخل الوطني. كما يُشترط أن تنتمي الأسر إلى الفئات التي تواجه صعوبات في الحصول على خدمات رعاية الأطفال، مثل الأسر ذات الدخل المزدوج، أو الأسر التي يعيلها والد واحد، أو الأسر التي لديها أكثر من طفل.

تعكس هذه المبادرة تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية؛ إذ إن ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أنماط العمل جعلا الأجداد مصدراً متزايد الأهمية للدعم بالنسبة للأسر الشابة.

وقال أحد الآباء، ويدعى جيونغ، لصحيفة «كوريا هيرالد»: «أرغب في منح والدَيَّ المال مقابل رعايتهما لأطفالي، ولكنني سعيد لأن المدينة تقدم هذا الدعم لهما نيابة عني».

ومع ازدياد شيوع الأسر ذات الدخل المزدوج وارتفاع تكاليف رعاية الأطفال، أصبح الأجداد يسدُّون بشكل متزايد الفجوة الناتجة عن محدودية مراكز رعاية الأطفال المتاحة.

وذكر الآباء أيضاً أسباباً عدة تدفعهم إلى الاعتماد على الأجداد في رعاية الأطفال؛ إذ قال 53.3 في المائة منهم إنهم لا يثقون تماماً بمقدمي خدمات رعاية الأطفال المحترفين، بينما أشار 46.4 في المائة إلى نقص خيارات رعاية الأطفال الطارئة، في حين ذكر 45.6 في المائة أن تدبير رعاية الأطفال بمفردهم يمثل مهمة صعبة.

وفي هذا السياق، أوضحت ما تشاي سوك، نائبة رئيس بلدية سيول لشؤون المرأة والأسرة، أن «مخصصات رعاية الأحفاد لا تقتصر على تخفيف الأعباء المالية عن الأسر فحسب؛ بل تسهم أيضاً في دعم النمو الصحي للأطفال وتطورهم، من خلال توفير الاستقرار النفسي الذي تمنحه الرعاية داخل الأسرة».

وتُعد هذه الإعانة جزءاً من برنامج أوسع لدعم رعاية الأطفال أطلقه عمدة سيول، أوه سي هون، عام 2023، ويتضمن مجموعة من السياسات الداعمة، مثل مدفوعات إجازة الوالدين، وخدمات رعاية الأطفال الطارئة، وإنشاء ملاعب داخلية تديرها المدينة تُعرف باسم «مقاهي الأطفال».

وقد أصبحت السياسات الرامية إلى تسهيل رعاية الأطفال أولوية متزايدة للحكومات في مختلف أنحاء شرق آسيا التي تواجه أزمة ديموغرافية حادة نتيجة الانخفاض المستمر في معدلات المواليد. وبعد ما يقرب من عقد من التراجع المطرد، سجلت كوريا الجنوبية ارتفاعاً في عدد المواليد خلال عام 2025.

ففي العام الماضي وُلد 254 ألفاً و500 طفل، بزيادة قدرها 6.8 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهي أكبر زيادة سنوية تُسجل منذ عام 2007.

ورغم أن المسؤولين يؤكدون صعوبة الجزم بالأسباب الدقيقة لهذا الارتفاع، فإنهم يرجحون أن الحوافز الحكومية وبرامج دعم الأسرة قد تكون قد أسهمت في هذا التحسن.