رُبع مليون وفاة تُدخل أوروبا في «مرحلة حرجة»

الطلب على الأوكسجين حول العالم تضاعف 13 مرة

مراكز الفحص في الدول الأوروبية تواجه ضغوطاً متصاعدة بسبب الموجة الثانية من الوباء (د.ب.أ)
مراكز الفحص في الدول الأوروبية تواجه ضغوطاً متصاعدة بسبب الموجة الثانية من الوباء (د.ب.أ)
TT

رُبع مليون وفاة تُدخل أوروبا في «مرحلة حرجة»

مراكز الفحص في الدول الأوروبية تواجه ضغوطاً متصاعدة بسبب الموجة الثانية من الوباء (د.ب.أ)
مراكز الفحص في الدول الأوروبية تواجه ضغوطاً متصاعدة بسبب الموجة الثانية من الوباء (د.ب.أ)

كشف إحصاء أن أوروبا أصبحت ثاني منطقة على مستوى العالم، بعد أميركا اللاتينية، تتجاوز 250 ألف وفاة بمرض «كوفيد-19». وذلك بجانب تسجيل أعداد قياسية من حالات الإصابة اليومية بالمرض على مدى الأسبوعين الماضيين. وسجلت أوروبا 200 ألف حالة إصابة لأول مرة يوم الخميس، إذ أعلنت عدة دول بجنوب القارة تسجيل أكبر أعداد إصابة يومية.
ووفقاً لإحصاء وكالة «رويترز»، تمثل أوروبا نحو 19 في المائة من إجمالي الوفيات، ونحو 22 في المائة من حالات الإصابة على مستوى العالم. وتسجل بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وروسيا وبلجيكا وإسبانيا نحو ثلثي الوفيات حتى الآن، من إجمالي إصابات بلغ نحو 8 ملايين حالة. وتحتل بريطانيا المركز الأول في عدد الوفيات، بتسجيل نحو 45 ألف وفاة، تليها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وروسيا.
وقال رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، إن بلاده لا يمكنها الاعتماد على لقاح وحسب، وتحتاج لاتخاذ مزيد من الإجراءات لإبطاء انتشار الوباء. وأظهر إحصاء «رويترز» أن أكثر من 42.17 مليون أصيبوا بفيروس كورونا على مستوى العالم.
وفي حين تجهد الحكومات الأوروبية للصمود بكل التدابير الممكنة أمام الضغط المتنامي لموجة الوباء الثانية التي تجاوزت أرقامها تلك التي شهدتها في المرحلة الأولى، رفعت منظمة الصحة العالمية من نبرة تحذيراتها وتوصياتها، وحضّت قادة الدول على الإسراع في اتخاذ ما يلزم من تدابير للحيلولة دون وقوع مزيد من الضحايا وإقفال المدارس ودفع المنظومات الصحية نحو الانهيار مرة أخرى.
- الطلب على الأوكسجين
وقال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن «جائحة (كوفيد-19) بلغت مرحلة حرجة للغاية، خاصة في أوروبا والنصف الغربي من الكرة الأرضية، والأشهر القليلة المقبلة ستكون قاسية جداً، لا سيّما في البلدان التي دخلت في مسار وبائي بالغ الخطورة».
ودعا تيدروس الدول التي نجحت في التحكّم بانتشار الوباء أن تسارع إلى مضاعفة الجهود لإبقاء الفيروس تحت السيطرة والانتشار في مستويات متدنيّة، وتعزيز جهود الاحتواء، وتحديد البؤر الجديدة والإسراع في عزلها. كما دعا الدول التي تواجه اليوم عودة شرسة للوباء إلى عدم تضييع الوقت في اتخاذ تدابير تجاوزها الوضع الوبائي، والتعجيل في إجراءات الاحتواء بكل الوسائل الممكنة.
وتوجّه مدير المنظمة الدولية إلى قادة الدول داعياً إلى مصارحة المواطنين حول الوضع الوبائي، وتوجيه توصيات واضحة لمواجهته، وتوفير الظروف والوسائل التي تتيح للناس الامتثال لها وتطبيقها، من غير تعقيدات أو عراقيل، مؤكداً أن «أسوأ التدابير هي التي لا تطبق لسبب أو لآخر».
وكانت منظمة الصحة قد أشارت، أمس، إلى أن مخزونات بعض البلدان الفقيرة من الأوكسيجين أشرفت على النفاد، وتعهدت بالعمل مع كل الحكومات والشركاء والقطاع الخاص لتعزيز الإمدادات بالأوكسيجين الذي ذكّرت بأنه من أهم المواد التي تساعد على إنقاذ الأرواح بين المصابين بالفيروس.
وأفاد خبراء المنظمة بأنه مع بلوغ الإصابات الجديدة في العالم معدلاً يومياً يتجاوز 400 ألف إصابة، تضاعف الطلب على الأوكسيجين 13 مرة، وأن بعض البلدان الفقيرة لا تملك أكثر من 5 في المائة إلى 20 في المائة من احتياجاتها.
وبعد أن ارتفعت مستويات انتشار الفيروس بسرعة وكثافة في أوروبا التي عادت لتصبح بؤرته الرئيسية في العالم، تحاول كل الحكومات الأوروبية ألا تكون التدابير التي تتخذها لاحتواء الوباء ومواجهة الموجة الثانية مدخلاً للانتقال من جائحة صحية إلى جائحة اقتصادية لم يعد أحد يشكّ في أن آثارها ستكون مدمّرة. وإذ تبدو التدابير التي تتخذها الحكومات الأوروبية منذ أسابيع وكأنها قرارات بالإقفال من غير تسميتها بالإقفال، يقول المعترضون على مبدأ العزل التام وشلّ الحركة الاقتصادية مجدداً أن الحق في العمل هو أيضاً من الحقوق الدستورية مثل الحق في الصحة، ويتوعدّون بالتمرّد على تدابير الإقفال، كما بدأ يظهر منذ أسابيع في كثير من العواصم والمدن الأوروبية التي فرضت حظر التجوّل وإقفال المقاهي والمطاعم.
- الأثر الاقتصادي
وفي حين يقف الفيروس حَكَماً بين الصحة والحرية، فارضاً على أوروبا المفاضلة بين الاحتماء منه أو التدهور الاقتصادي، طلبت عدة أقاليم إسبانية من الحكومة المركزية إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، بعد أن تجاوز مجموع الإصابات في إسبانيا عتبة المليون، فيما أكدت المصادر الرسمية، على لسان رئيس الحكومة بيدرو سانتشيز الموجود في روما، أن العدد الفعلي للإصابات يتجاوز 3 ملايين. وكانت الإصابات الجديدة في العاصمة الإسبانية التي ما زالت تحت تدابير العزل الجزئي، قد سجّلت رقماً قياسياً إجمالياً هذا الأسبوع في الموجة الجديدة التي بدأت منذ 3 أشهر. كما سجّل إقليم كاتالونيا، أمس (السبت)، رقماً قياسياً جديداً في عدد الإصابات اليومية التي تجاوزت 6 آلاف للمرة الأولى منذ بداية الجائحة.
وفي إيطاليا التي يقفز عداد إصاباتها بسرعة منذ أسبوعين، قال رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي، أمس (السبت)، إنه على استعداد للإعلان عن حزمة جديدة من التدابير التي لمح أنها قد تكون بمثابة «إقفال تام ناعم» يستثني المدارس والعمّال في الخدمات الأساسية.
وكان كونتي يرفض حتى الآن مجرّد ذكر الإقفال التام بالاسم، لكن أرقام الإصابات الأخيرة في جميع الأقاليم، خاصة في لومبارديّا الشمالية وكامبانيا الجنوبية، والضغط المتزايد الذي تتعرّض له المستشفيات مع ارتفاع في عدد الوفيّات والحالات التي تقتضي العلاج في العناية الفائقة، والمناشدات التي توالت من الأوساط العلمية، دفعته إلى إعادة النظر في موقفه الذي لم يكن يؤيده كل أعضاء الحكومة.
وللأسبوع الثالث على التوالي، استمرت معظم البلدان الأوروبية في تحطيم أرقامها القياسية في عدد الإصابات اليومية الجديدة، من فرنسا التي تجاوزت عتبة الأربعين ألف إصابة يومية إلى بلجيكا وسلوفاكيا والجمهورية التشيكية التي طلب رئيس حكومتها من وزير الصحة أن يستقيل بعد انتهاكه تدابير الوقاية، عندما شوهد يتناول طعام العشاء في أحد المطاعم، بعد أن كانت الحكومة قد سمحت فقط للمطاعم بإيصال المأكولات إلى المنازل.
وفي الولايات المتحدة التي ما زالت تتصدّر لائحة الترتيب الدولي بعدد الإصابات والوفياّت، قال رئيس المركز الوطني للأمراض السارية، أنطونيو فاوتشي، تعليقاً على الانتقادات التي وجهها إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «لا أعير أي اهتمام لمثل هذه التعليقات؛ إنها مجرد جعجعة، وأنا منصرف لواجباتي وعملي».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended