كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

يستعيدون بداياتهم في الكتابة ونشر نصوصهم في الصحف والمجلات الأدبية

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى
TT

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

مهما طال الشوط الذي قطعه الكاتب، وما قد بلغه من مكانة أدبية، وما حققه من إنجازات في مسيرته الكتابية، تبقى تلك اللحظة التي رأى فيها اسمه مطبوعاً في جريدة أو مجلة، ذات لذة وسحر خاصين في ذاكرته ووجدانه يستعيدهما بدفء وحميمية من وقت لآخر.
في هذا التحقيق يروي كتاب وشعراء ذكرياتهم مع تلك اللحظة الفارقة في حياتهم وإبداعهم.

مي التلمساني: مفاجأة مدهشة
عندما وجدت نصي الأول منشوراً في مجلة «أدب ونقد» الشهرية الرصينة، لم أصدق، فقد كان الأمر مفاجأة مدهشة. كان النص عبارة عن عدة نصوص قصصية قصيرة بتقديم من الناقد الراحل د. سيد البحراوي سنة 1991. كنت في ذلك الوقت مقيمة في باريس لعمل الماجستير، وكتبت عدداً من النصوص انتقيت منها خمسة نصوص قصيرة أرسلتها للبحراوي، فبادر بالكتابة عنها وتقديمها للقراء دون إنذار. كانت مفاجأة بديعة، فلم أكن أصدق أن لتلك النصوص أي قيمة أدبية حقيقية.
منذ عام 1985 نشرت لي ترجمات في صحف وجرائد مصرية وعربية قبل نشر القصص، وكنت أفخر بالإشارة إلى اسمي كمترجمة خاصة في مجلات مثل «الغد» في إصدار الثمانينات، وكذلك في سلسلة الأدب العالمي للناشئين التي كان يشرف عليها في الهيئة المصرية العامة للكتاب مختار السويفي. كما أجريت حوارات صحفية مع المخرج أحمد كامل مرسي والفنانة التشكيلية القديرة إنجي أفلاطون نشرت في «أدب ونقد» و«روزاليوسف»، لكن لا شيء يعادل فرحة نشر نص أدبي بتوقيعي.
ما زلت أستعيد أجواء تلك اللحظة الفارقة، شعرت بفخر شديد لأن زوجي الشاعر والناقد وليد الخشاب هو من شجعني على الكتابة والنشر، وهو من تواصل مع د. سيد البحراوي. وأذكر أنه في سياق أسرتي كانت مفاجأة متوقعة إلى حد ما، كنت أكتب القصص منذ سن صغيرة، وأنا في المرحلة الإعدادية، وكانت أمي، مدرسة اللغة العربية تقرأ بسعادة بالغة قصص ابنتها على تلاميذها في المدرسة.

محمود خير الله: طرت فرحاً
نُشرت أول قصيدة لي في سن العشرين، وكانت تنتمي إلى شعر التفعيلة، بعنوان: «راء... ياء... ميم... أنا كنتُ مُنتمياً للجحيم»، شتاء عام 1991، في «مجلة الشعر المصرية»، كانت «ريم» شعاراً لقصة حُب مُجهضة، عشتها وأنا طالب بالفرقة الثالثة قسم اللغة العربية، في كلية الآداب جامعة بنها، و«مجلة الشعر» كانت لا تزال تلك المجلة المصرية الرائدة، التي توقفت عن الصدور عام 2016، بعد استمرارها في سماء الثقافة المصرية كمجلة «فصلية» زهاء أربعين عاماً، صدرت خلالها بميزانية زهيدة عن «اتحاد الإذاعة والتلفزيون التابع لوزارة الإعلام»، في ذلك الوقت كان الروائي الراحل خيري شلبي رئيساً لتحريرها، يعاونه الشاعر ياسر الزيات. نشرت القصيدة في باب «أصوات»، المخصص لصغار السن، الذين يقدمون نصوصهم لأول مرة، ولم يكن النص يتضمن نشر صورة لي، وبالطبع لم يكن عندي ما أقدمه للمجلة سوى القصيدة، التي أرسلتها بالبريد العادي.
فيما بعد حققتُ أجمل أحلامي، نشرت في كبريات الصحف والمجلات في مصر والعالم العربي، وسافرت إلى مهرجان «سيت» في فرنسا، وألقيت شعري وسط كبار شعراء العالم عام 2015، لكن عبقرية «المرة الأولى» لا تتكرر أبداً، فحين اشتريت نسخة من «مجلة الشعر» من «مكتبة الأهرام» وأنا في مدينة شبين القناطر، فتحت العدد ووجدتُ اسمي طرتُ فرحاً بمعنى الكلمة في الشارع، ارتفعتُ عدة أمتار عن الأرض وبدأت أجري بسرعة، أزحتُ البيوت والسيارات والحيوانات والأشجار والعصافير من طريقي، لأصل سريعاً إلى البيت، كنتُ كأنني أحدس ما سوف يصنعه الشعر من أجلي، وما سوف تحققه لي هذه القصيدة بالذات من أحلام.
ما شغلني في تلك اللحظة كان رد فعل أبي، أستاذ اللغة العربية الذي رباني على حب القراءة، وفتح أمامي مكتبته الصغيرة، لكنها كانت حافلة بأعداد من مجلات عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين: «الرسالة» و«المجلة»، و«العربي» الكويتية، كان أزهرياً مثقفاً، يراسل الصحف بمقالاته، وتصادف أنه حاول في شبابه كتابة الشعر العمودي ولم يوفّق، لكنه فرح جداً حين علم أن ابنه يكتب الشعر، وكان يردد له دائماً بيت الحُطيئة الشهير: «الشعرُ صعبٌ طويلٌ سُلّمه... إذا ارتَقى فيه الَّذي لا يعلَمُه».

سمير الفيل: قرد على ربطة عنق
كنت شاعراً شاباً، أتجول مع الأصدقاء في قرى محافظتي دمياط، ألقي قصيدة اشتهرت وقتها، عنوانها «المطبعة»، وقد قدمني الشاعر عبد الرحمن الأبنودي لألقي تلك القصيدة، كما قدمني قبلها بأسبوع الشاعر الكبير محمد النبوي سلامة، وصنفت شاعراً، لكن في سنة 1974 أقيمت أول مسابقة قومية عن حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، أقامتها مجلة «صباح الخير»، بالتعاون مع منظمة الشباب. وقد جاء فوزي بالمركز الأول مفاجأة لمن يعرفني، إذ انتقلت من دائرة الشعر إلى منظومة القص. وكانت المرة الأولى التي ينشر لي عمل في تلك المجلة المرموقة، والنص عنوانه: «في البدء كانت طيبة»، ووزع الجوائز وزير الثقافة وقتها الكاتب يوسف السباعي في حديقة بقصر الأمير عمر طوسون المجاور لاتحاد الكتاب الحالي بحي الزمالك.
كنت صغير السن، لكن بعض الجنون تلبسني رغبة في لفت الأنظار، حيث حرصت على ارتداء قميص فاتح مع ربطة عنق عليها لوحة لقرد يتسلق شجرة جوز الهند. بعدها استضافني عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية مثل برنامج «على الناصية» الشهير، كما استضافتني المذيعة درية شرف الدين وزميلها الكاتب الصحفي منير عامر في برنامج «تحت العشرين»، لأتحدث عن قصتي الفائزة، وخصص لي الشاعر سيد حجاب نصف صفحة في مجلة «الشباب» التي كان يشرف على القسم الأدبي بها.

وليد علاء الدين: مصادفة لا تتكرر
أول نص إبداعي لي كان قصيدة اسمها «اخرج من ذاتك» نشرت في مجلة «الشعر». كنت طالباً في الصف الأول الجامعي عام 1990. أرسلت القصيدة على عنوان المجلة بالبريد ونسيت أمرها، ظناً أن الأمر سيستغرق زمناً، ولكني فوجئت بها منشورة في أول عدد صدر بعد ذلك. لكن المرة الأولى التي أرى اسمي منشوراً بصحبة عمل لي، كانت وأنا طالب في المرحلة الإعدادية وأحاول تقليد والدي في التشكيل بالخط، فكتبت آية قرآنية على هيئة رجل يصلي وأرسلتها لمجلة الإذاعة والتليفزيون، وفِي مصادفة لا أظنها لا تتكرر كثيراً، كنت أشتري «قرطاس لب» من محل لبيع التسالي (المقلة)، فإذا بي أفاجأ برسمتي منشورة في بريد قراء المجلة في هذه الورقة الملفوف فيها القرطاس، قرأت اسمي مصحوباً بشكر ووصف لي بالفنان! كان شعوراً خليطاً غريباً من الدهشة بسهولة النشر الذي كنت أظنه مستحيلاً، وكذلك بالمصادفة التي وصلت فيها إلى ورقة المجلة!
اعتقد إخوتي أنني شخص محظوظ، بينما اعتقدتُ أن النشر سببه أنني مجتهد أو مبادر، والفكرة هنا أننا ثلاثة إخوة، كل منا يمتلك مهارات فنية وأدبية سَرت فينا عن والدنا الذي كان كاتباً ماهراً ورساماً مميزاً. ولكن أنا من بينهم من رأى في الفن طريقة وطريقاً يمكن العيش بها ولها. لذلك ارتبطت الفكرة عندي بالاجتهاد والعمل. أما نشر القصيدة الأولى فأظنها منحت اهتمامي بالأدب والشعر بعض الشرعية التي يخشى الأهل منحها لأصحاب الموهبة من أبنائهم خوفاً من تأثيرها على الدراسة والتحصيل.
كنت طالباً يعيش في إحدى مدن الأقاليم، يرسل أعماله بالبريد إلى صحف العاصمة وينساها، فلا محل للحديث عن أي واسطة أو دعم. وهو الأمر الذي استمر معي. بعد ذلك، كنت أمر مصادفة على مقر جريدة «أخبار الأدب»، وأترك مقالة نقدية فأجدها منشورة، أو أترك قصة للمشاركة في مسابقة أدب الحرب فأجد خطاباً يبشرني بالفوز ويدعوني لتسلم الجائزة. وهي الأحداث التي أكدت بداخلي فكرة المبادرة والإصرار.

محمد الكفراوي: صرعة العصر
أول قصيدة تنشر لي كانت في مجلة «إبداع» حين كان يرأس تحريرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بينما كان الشاعر حسن طلب مديراً للتحرير. لم أكن أعرف أياً منهما بشكل شخصي، فأرسلت القصيدة في البريد وفوجئت بأنها منشورة في بريد القراء. كان هذا في عامي الأول في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. كانت القصيدة بعنوان «إليها» وهي طبعاً من الشعر التفعيلي، فلم أكن بدأت في كتابة قصيدة النثر. الغريب والمدهش أنني لم أعرف أن القصيدة نشرت في المجلة إلا بعدها بسنوات.
النشر الأول «الآخر» الذي فرحت به جداً كان في مجلة الثقافة العربية الليبية. طلبها مني وقام بنشرها هناك الشاعر سامي الغباشي. كان ذلك في نهاية التسعينات. فرحت جداً بهذا النشر وما زالت ذكراه حية في ذهني حتى اليوم . بعدها نشرت مجموعة قصائد في مجلة «تكوين 2000» التي أسسها سامي الغباشي في ذلك الوقت. وكانت المجلات الأدبية المستقلة هي صرعة العصر، حيث تقدم إبداعاً حقيقياً ومختلفاً مثل «الكتابة الأخرى» و«الجراد».

مروة نبيل: تحقيق الذات
نشر نصي الأول قبل نحو تسع سنوات في مجلة «المجلة»، وبالتزامن مع نشر نص آخر بموقع «آسيا إن»، وبرغم بساطة الحدث فإنه أشعرني بالسعادة والزهو، فقد كان النشر تجسيداً لمعنى «تحقيق الذات» وممارسة للحرية الحقة؛ تلك الحرية التي يشوبها الشعور بالاستقلال وتحمل المسؤولية.
فضلت الإبقاء على اسم أبي دون اسم العائلة؛ فقد كان أول من عرفت من الفنانين؛ حيث كان صاحب موهبة نادرة في الرسم والنحت، بالإضافة إلى أنه كان يكن تقديراً عميقاً لشتى أنواع الفنون.
ربما لو كان أبي على قيد الحياة حينئذ ورأى نصوصي الشعرية منشورة لاشترى عشرات النسخ من المجلة وأهداها لأصدقائه المقربين، لكن من هم دون أبي من المحيطين بي لم يكترثوا لأمر النشر للأسف، فهم مثل كثيرين يتوجسون من قصيدة النثر؛ بل غير متأكدين من انتماء هذه القصيدة للشعر بالمعنى الذي يعرفونه؛ لذلك تراوحت ردود أفعالهم بين السخرية والتجاهل!



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.