كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

يستعيدون بداياتهم في الكتابة ونشر نصوصهم في الصحف والمجلات الأدبية

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى
TT

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

مهما طال الشوط الذي قطعه الكاتب، وما قد بلغه من مكانة أدبية، وما حققه من إنجازات في مسيرته الكتابية، تبقى تلك اللحظة التي رأى فيها اسمه مطبوعاً في جريدة أو مجلة، ذات لذة وسحر خاصين في ذاكرته ووجدانه يستعيدهما بدفء وحميمية من وقت لآخر.
في هذا التحقيق يروي كتاب وشعراء ذكرياتهم مع تلك اللحظة الفارقة في حياتهم وإبداعهم.

مي التلمساني: مفاجأة مدهشة
عندما وجدت نصي الأول منشوراً في مجلة «أدب ونقد» الشهرية الرصينة، لم أصدق، فقد كان الأمر مفاجأة مدهشة. كان النص عبارة عن عدة نصوص قصصية قصيرة بتقديم من الناقد الراحل د. سيد البحراوي سنة 1991. كنت في ذلك الوقت مقيمة في باريس لعمل الماجستير، وكتبت عدداً من النصوص انتقيت منها خمسة نصوص قصيرة أرسلتها للبحراوي، فبادر بالكتابة عنها وتقديمها للقراء دون إنذار. كانت مفاجأة بديعة، فلم أكن أصدق أن لتلك النصوص أي قيمة أدبية حقيقية.
منذ عام 1985 نشرت لي ترجمات في صحف وجرائد مصرية وعربية قبل نشر القصص، وكنت أفخر بالإشارة إلى اسمي كمترجمة خاصة في مجلات مثل «الغد» في إصدار الثمانينات، وكذلك في سلسلة الأدب العالمي للناشئين التي كان يشرف عليها في الهيئة المصرية العامة للكتاب مختار السويفي. كما أجريت حوارات صحفية مع المخرج أحمد كامل مرسي والفنانة التشكيلية القديرة إنجي أفلاطون نشرت في «أدب ونقد» و«روزاليوسف»، لكن لا شيء يعادل فرحة نشر نص أدبي بتوقيعي.
ما زلت أستعيد أجواء تلك اللحظة الفارقة، شعرت بفخر شديد لأن زوجي الشاعر والناقد وليد الخشاب هو من شجعني على الكتابة والنشر، وهو من تواصل مع د. سيد البحراوي. وأذكر أنه في سياق أسرتي كانت مفاجأة متوقعة إلى حد ما، كنت أكتب القصص منذ سن صغيرة، وأنا في المرحلة الإعدادية، وكانت أمي، مدرسة اللغة العربية تقرأ بسعادة بالغة قصص ابنتها على تلاميذها في المدرسة.

محمود خير الله: طرت فرحاً
نُشرت أول قصيدة لي في سن العشرين، وكانت تنتمي إلى شعر التفعيلة، بعنوان: «راء... ياء... ميم... أنا كنتُ مُنتمياً للجحيم»، شتاء عام 1991، في «مجلة الشعر المصرية»، كانت «ريم» شعاراً لقصة حُب مُجهضة، عشتها وأنا طالب بالفرقة الثالثة قسم اللغة العربية، في كلية الآداب جامعة بنها، و«مجلة الشعر» كانت لا تزال تلك المجلة المصرية الرائدة، التي توقفت عن الصدور عام 2016، بعد استمرارها في سماء الثقافة المصرية كمجلة «فصلية» زهاء أربعين عاماً، صدرت خلالها بميزانية زهيدة عن «اتحاد الإذاعة والتلفزيون التابع لوزارة الإعلام»، في ذلك الوقت كان الروائي الراحل خيري شلبي رئيساً لتحريرها، يعاونه الشاعر ياسر الزيات. نشرت القصيدة في باب «أصوات»، المخصص لصغار السن، الذين يقدمون نصوصهم لأول مرة، ولم يكن النص يتضمن نشر صورة لي، وبالطبع لم يكن عندي ما أقدمه للمجلة سوى القصيدة، التي أرسلتها بالبريد العادي.
فيما بعد حققتُ أجمل أحلامي، نشرت في كبريات الصحف والمجلات في مصر والعالم العربي، وسافرت إلى مهرجان «سيت» في فرنسا، وألقيت شعري وسط كبار شعراء العالم عام 2015، لكن عبقرية «المرة الأولى» لا تتكرر أبداً، فحين اشتريت نسخة من «مجلة الشعر» من «مكتبة الأهرام» وأنا في مدينة شبين القناطر، فتحت العدد ووجدتُ اسمي طرتُ فرحاً بمعنى الكلمة في الشارع، ارتفعتُ عدة أمتار عن الأرض وبدأت أجري بسرعة، أزحتُ البيوت والسيارات والحيوانات والأشجار والعصافير من طريقي، لأصل سريعاً إلى البيت، كنتُ كأنني أحدس ما سوف يصنعه الشعر من أجلي، وما سوف تحققه لي هذه القصيدة بالذات من أحلام.
ما شغلني في تلك اللحظة كان رد فعل أبي، أستاذ اللغة العربية الذي رباني على حب القراءة، وفتح أمامي مكتبته الصغيرة، لكنها كانت حافلة بأعداد من مجلات عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين: «الرسالة» و«المجلة»، و«العربي» الكويتية، كان أزهرياً مثقفاً، يراسل الصحف بمقالاته، وتصادف أنه حاول في شبابه كتابة الشعر العمودي ولم يوفّق، لكنه فرح جداً حين علم أن ابنه يكتب الشعر، وكان يردد له دائماً بيت الحُطيئة الشهير: «الشعرُ صعبٌ طويلٌ سُلّمه... إذا ارتَقى فيه الَّذي لا يعلَمُه».

سمير الفيل: قرد على ربطة عنق
كنت شاعراً شاباً، أتجول مع الأصدقاء في قرى محافظتي دمياط، ألقي قصيدة اشتهرت وقتها، عنوانها «المطبعة»، وقد قدمني الشاعر عبد الرحمن الأبنودي لألقي تلك القصيدة، كما قدمني قبلها بأسبوع الشاعر الكبير محمد النبوي سلامة، وصنفت شاعراً، لكن في سنة 1974 أقيمت أول مسابقة قومية عن حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، أقامتها مجلة «صباح الخير»، بالتعاون مع منظمة الشباب. وقد جاء فوزي بالمركز الأول مفاجأة لمن يعرفني، إذ انتقلت من دائرة الشعر إلى منظومة القص. وكانت المرة الأولى التي ينشر لي عمل في تلك المجلة المرموقة، والنص عنوانه: «في البدء كانت طيبة»، ووزع الجوائز وزير الثقافة وقتها الكاتب يوسف السباعي في حديقة بقصر الأمير عمر طوسون المجاور لاتحاد الكتاب الحالي بحي الزمالك.
كنت صغير السن، لكن بعض الجنون تلبسني رغبة في لفت الأنظار، حيث حرصت على ارتداء قميص فاتح مع ربطة عنق عليها لوحة لقرد يتسلق شجرة جوز الهند. بعدها استضافني عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية مثل برنامج «على الناصية» الشهير، كما استضافتني المذيعة درية شرف الدين وزميلها الكاتب الصحفي منير عامر في برنامج «تحت العشرين»، لأتحدث عن قصتي الفائزة، وخصص لي الشاعر سيد حجاب نصف صفحة في مجلة «الشباب» التي كان يشرف على القسم الأدبي بها.

وليد علاء الدين: مصادفة لا تتكرر
أول نص إبداعي لي كان قصيدة اسمها «اخرج من ذاتك» نشرت في مجلة «الشعر». كنت طالباً في الصف الأول الجامعي عام 1990. أرسلت القصيدة على عنوان المجلة بالبريد ونسيت أمرها، ظناً أن الأمر سيستغرق زمناً، ولكني فوجئت بها منشورة في أول عدد صدر بعد ذلك. لكن المرة الأولى التي أرى اسمي منشوراً بصحبة عمل لي، كانت وأنا طالب في المرحلة الإعدادية وأحاول تقليد والدي في التشكيل بالخط، فكتبت آية قرآنية على هيئة رجل يصلي وأرسلتها لمجلة الإذاعة والتليفزيون، وفِي مصادفة لا أظنها لا تتكرر كثيراً، كنت أشتري «قرطاس لب» من محل لبيع التسالي (المقلة)، فإذا بي أفاجأ برسمتي منشورة في بريد قراء المجلة في هذه الورقة الملفوف فيها القرطاس، قرأت اسمي مصحوباً بشكر ووصف لي بالفنان! كان شعوراً خليطاً غريباً من الدهشة بسهولة النشر الذي كنت أظنه مستحيلاً، وكذلك بالمصادفة التي وصلت فيها إلى ورقة المجلة!
اعتقد إخوتي أنني شخص محظوظ، بينما اعتقدتُ أن النشر سببه أنني مجتهد أو مبادر، والفكرة هنا أننا ثلاثة إخوة، كل منا يمتلك مهارات فنية وأدبية سَرت فينا عن والدنا الذي كان كاتباً ماهراً ورساماً مميزاً. ولكن أنا من بينهم من رأى في الفن طريقة وطريقاً يمكن العيش بها ولها. لذلك ارتبطت الفكرة عندي بالاجتهاد والعمل. أما نشر القصيدة الأولى فأظنها منحت اهتمامي بالأدب والشعر بعض الشرعية التي يخشى الأهل منحها لأصحاب الموهبة من أبنائهم خوفاً من تأثيرها على الدراسة والتحصيل.
كنت طالباً يعيش في إحدى مدن الأقاليم، يرسل أعماله بالبريد إلى صحف العاصمة وينساها، فلا محل للحديث عن أي واسطة أو دعم. وهو الأمر الذي استمر معي. بعد ذلك، كنت أمر مصادفة على مقر جريدة «أخبار الأدب»، وأترك مقالة نقدية فأجدها منشورة، أو أترك قصة للمشاركة في مسابقة أدب الحرب فأجد خطاباً يبشرني بالفوز ويدعوني لتسلم الجائزة. وهي الأحداث التي أكدت بداخلي فكرة المبادرة والإصرار.

محمد الكفراوي: صرعة العصر
أول قصيدة تنشر لي كانت في مجلة «إبداع» حين كان يرأس تحريرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بينما كان الشاعر حسن طلب مديراً للتحرير. لم أكن أعرف أياً منهما بشكل شخصي، فأرسلت القصيدة في البريد وفوجئت بأنها منشورة في بريد القراء. كان هذا في عامي الأول في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. كانت القصيدة بعنوان «إليها» وهي طبعاً من الشعر التفعيلي، فلم أكن بدأت في كتابة قصيدة النثر. الغريب والمدهش أنني لم أعرف أن القصيدة نشرت في المجلة إلا بعدها بسنوات.
النشر الأول «الآخر» الذي فرحت به جداً كان في مجلة الثقافة العربية الليبية. طلبها مني وقام بنشرها هناك الشاعر سامي الغباشي. كان ذلك في نهاية التسعينات. فرحت جداً بهذا النشر وما زالت ذكراه حية في ذهني حتى اليوم . بعدها نشرت مجموعة قصائد في مجلة «تكوين 2000» التي أسسها سامي الغباشي في ذلك الوقت. وكانت المجلات الأدبية المستقلة هي صرعة العصر، حيث تقدم إبداعاً حقيقياً ومختلفاً مثل «الكتابة الأخرى» و«الجراد».

مروة نبيل: تحقيق الذات
نشر نصي الأول قبل نحو تسع سنوات في مجلة «المجلة»، وبالتزامن مع نشر نص آخر بموقع «آسيا إن»، وبرغم بساطة الحدث فإنه أشعرني بالسعادة والزهو، فقد كان النشر تجسيداً لمعنى «تحقيق الذات» وممارسة للحرية الحقة؛ تلك الحرية التي يشوبها الشعور بالاستقلال وتحمل المسؤولية.
فضلت الإبقاء على اسم أبي دون اسم العائلة؛ فقد كان أول من عرفت من الفنانين؛ حيث كان صاحب موهبة نادرة في الرسم والنحت، بالإضافة إلى أنه كان يكن تقديراً عميقاً لشتى أنواع الفنون.
ربما لو كان أبي على قيد الحياة حينئذ ورأى نصوصي الشعرية منشورة لاشترى عشرات النسخ من المجلة وأهداها لأصدقائه المقربين، لكن من هم دون أبي من المحيطين بي لم يكترثوا لأمر النشر للأسف، فهم مثل كثيرين يتوجسون من قصيدة النثر؛ بل غير متأكدين من انتماء هذه القصيدة للشعر بالمعنى الذي يعرفونه؛ لذلك تراوحت ردود أفعالهم بين السخرية والتجاهل!



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».