كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

يستعيدون بداياتهم في الكتابة ونشر نصوصهم في الصحف والمجلات الأدبية

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى
TT

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

مهما طال الشوط الذي قطعه الكاتب، وما قد بلغه من مكانة أدبية، وما حققه من إنجازات في مسيرته الكتابية، تبقى تلك اللحظة التي رأى فيها اسمه مطبوعاً في جريدة أو مجلة، ذات لذة وسحر خاصين في ذاكرته ووجدانه يستعيدهما بدفء وحميمية من وقت لآخر.
في هذا التحقيق يروي كتاب وشعراء ذكرياتهم مع تلك اللحظة الفارقة في حياتهم وإبداعهم.

مي التلمساني: مفاجأة مدهشة
عندما وجدت نصي الأول منشوراً في مجلة «أدب ونقد» الشهرية الرصينة، لم أصدق، فقد كان الأمر مفاجأة مدهشة. كان النص عبارة عن عدة نصوص قصصية قصيرة بتقديم من الناقد الراحل د. سيد البحراوي سنة 1991. كنت في ذلك الوقت مقيمة في باريس لعمل الماجستير، وكتبت عدداً من النصوص انتقيت منها خمسة نصوص قصيرة أرسلتها للبحراوي، فبادر بالكتابة عنها وتقديمها للقراء دون إنذار. كانت مفاجأة بديعة، فلم أكن أصدق أن لتلك النصوص أي قيمة أدبية حقيقية.
منذ عام 1985 نشرت لي ترجمات في صحف وجرائد مصرية وعربية قبل نشر القصص، وكنت أفخر بالإشارة إلى اسمي كمترجمة خاصة في مجلات مثل «الغد» في إصدار الثمانينات، وكذلك في سلسلة الأدب العالمي للناشئين التي كان يشرف عليها في الهيئة المصرية العامة للكتاب مختار السويفي. كما أجريت حوارات صحفية مع المخرج أحمد كامل مرسي والفنانة التشكيلية القديرة إنجي أفلاطون نشرت في «أدب ونقد» و«روزاليوسف»، لكن لا شيء يعادل فرحة نشر نص أدبي بتوقيعي.
ما زلت أستعيد أجواء تلك اللحظة الفارقة، شعرت بفخر شديد لأن زوجي الشاعر والناقد وليد الخشاب هو من شجعني على الكتابة والنشر، وهو من تواصل مع د. سيد البحراوي. وأذكر أنه في سياق أسرتي كانت مفاجأة متوقعة إلى حد ما، كنت أكتب القصص منذ سن صغيرة، وأنا في المرحلة الإعدادية، وكانت أمي، مدرسة اللغة العربية تقرأ بسعادة بالغة قصص ابنتها على تلاميذها في المدرسة.

محمود خير الله: طرت فرحاً
نُشرت أول قصيدة لي في سن العشرين، وكانت تنتمي إلى شعر التفعيلة، بعنوان: «راء... ياء... ميم... أنا كنتُ مُنتمياً للجحيم»، شتاء عام 1991، في «مجلة الشعر المصرية»، كانت «ريم» شعاراً لقصة حُب مُجهضة، عشتها وأنا طالب بالفرقة الثالثة قسم اللغة العربية، في كلية الآداب جامعة بنها، و«مجلة الشعر» كانت لا تزال تلك المجلة المصرية الرائدة، التي توقفت عن الصدور عام 2016، بعد استمرارها في سماء الثقافة المصرية كمجلة «فصلية» زهاء أربعين عاماً، صدرت خلالها بميزانية زهيدة عن «اتحاد الإذاعة والتلفزيون التابع لوزارة الإعلام»، في ذلك الوقت كان الروائي الراحل خيري شلبي رئيساً لتحريرها، يعاونه الشاعر ياسر الزيات. نشرت القصيدة في باب «أصوات»، المخصص لصغار السن، الذين يقدمون نصوصهم لأول مرة، ولم يكن النص يتضمن نشر صورة لي، وبالطبع لم يكن عندي ما أقدمه للمجلة سوى القصيدة، التي أرسلتها بالبريد العادي.
فيما بعد حققتُ أجمل أحلامي، نشرت في كبريات الصحف والمجلات في مصر والعالم العربي، وسافرت إلى مهرجان «سيت» في فرنسا، وألقيت شعري وسط كبار شعراء العالم عام 2015، لكن عبقرية «المرة الأولى» لا تتكرر أبداً، فحين اشتريت نسخة من «مجلة الشعر» من «مكتبة الأهرام» وأنا في مدينة شبين القناطر، فتحت العدد ووجدتُ اسمي طرتُ فرحاً بمعنى الكلمة في الشارع، ارتفعتُ عدة أمتار عن الأرض وبدأت أجري بسرعة، أزحتُ البيوت والسيارات والحيوانات والأشجار والعصافير من طريقي، لأصل سريعاً إلى البيت، كنتُ كأنني أحدس ما سوف يصنعه الشعر من أجلي، وما سوف تحققه لي هذه القصيدة بالذات من أحلام.
ما شغلني في تلك اللحظة كان رد فعل أبي، أستاذ اللغة العربية الذي رباني على حب القراءة، وفتح أمامي مكتبته الصغيرة، لكنها كانت حافلة بأعداد من مجلات عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين: «الرسالة» و«المجلة»، و«العربي» الكويتية، كان أزهرياً مثقفاً، يراسل الصحف بمقالاته، وتصادف أنه حاول في شبابه كتابة الشعر العمودي ولم يوفّق، لكنه فرح جداً حين علم أن ابنه يكتب الشعر، وكان يردد له دائماً بيت الحُطيئة الشهير: «الشعرُ صعبٌ طويلٌ سُلّمه... إذا ارتَقى فيه الَّذي لا يعلَمُه».

سمير الفيل: قرد على ربطة عنق
كنت شاعراً شاباً، أتجول مع الأصدقاء في قرى محافظتي دمياط، ألقي قصيدة اشتهرت وقتها، عنوانها «المطبعة»، وقد قدمني الشاعر عبد الرحمن الأبنودي لألقي تلك القصيدة، كما قدمني قبلها بأسبوع الشاعر الكبير محمد النبوي سلامة، وصنفت شاعراً، لكن في سنة 1974 أقيمت أول مسابقة قومية عن حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، أقامتها مجلة «صباح الخير»، بالتعاون مع منظمة الشباب. وقد جاء فوزي بالمركز الأول مفاجأة لمن يعرفني، إذ انتقلت من دائرة الشعر إلى منظومة القص. وكانت المرة الأولى التي ينشر لي عمل في تلك المجلة المرموقة، والنص عنوانه: «في البدء كانت طيبة»، ووزع الجوائز وزير الثقافة وقتها الكاتب يوسف السباعي في حديقة بقصر الأمير عمر طوسون المجاور لاتحاد الكتاب الحالي بحي الزمالك.
كنت صغير السن، لكن بعض الجنون تلبسني رغبة في لفت الأنظار، حيث حرصت على ارتداء قميص فاتح مع ربطة عنق عليها لوحة لقرد يتسلق شجرة جوز الهند. بعدها استضافني عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية مثل برنامج «على الناصية» الشهير، كما استضافتني المذيعة درية شرف الدين وزميلها الكاتب الصحفي منير عامر في برنامج «تحت العشرين»، لأتحدث عن قصتي الفائزة، وخصص لي الشاعر سيد حجاب نصف صفحة في مجلة «الشباب» التي كان يشرف على القسم الأدبي بها.

وليد علاء الدين: مصادفة لا تتكرر
أول نص إبداعي لي كان قصيدة اسمها «اخرج من ذاتك» نشرت في مجلة «الشعر». كنت طالباً في الصف الأول الجامعي عام 1990. أرسلت القصيدة على عنوان المجلة بالبريد ونسيت أمرها، ظناً أن الأمر سيستغرق زمناً، ولكني فوجئت بها منشورة في أول عدد صدر بعد ذلك. لكن المرة الأولى التي أرى اسمي منشوراً بصحبة عمل لي، كانت وأنا طالب في المرحلة الإعدادية وأحاول تقليد والدي في التشكيل بالخط، فكتبت آية قرآنية على هيئة رجل يصلي وأرسلتها لمجلة الإذاعة والتليفزيون، وفِي مصادفة لا أظنها لا تتكرر كثيراً، كنت أشتري «قرطاس لب» من محل لبيع التسالي (المقلة)، فإذا بي أفاجأ برسمتي منشورة في بريد قراء المجلة في هذه الورقة الملفوف فيها القرطاس، قرأت اسمي مصحوباً بشكر ووصف لي بالفنان! كان شعوراً خليطاً غريباً من الدهشة بسهولة النشر الذي كنت أظنه مستحيلاً، وكذلك بالمصادفة التي وصلت فيها إلى ورقة المجلة!
اعتقد إخوتي أنني شخص محظوظ، بينما اعتقدتُ أن النشر سببه أنني مجتهد أو مبادر، والفكرة هنا أننا ثلاثة إخوة، كل منا يمتلك مهارات فنية وأدبية سَرت فينا عن والدنا الذي كان كاتباً ماهراً ورساماً مميزاً. ولكن أنا من بينهم من رأى في الفن طريقة وطريقاً يمكن العيش بها ولها. لذلك ارتبطت الفكرة عندي بالاجتهاد والعمل. أما نشر القصيدة الأولى فأظنها منحت اهتمامي بالأدب والشعر بعض الشرعية التي يخشى الأهل منحها لأصحاب الموهبة من أبنائهم خوفاً من تأثيرها على الدراسة والتحصيل.
كنت طالباً يعيش في إحدى مدن الأقاليم، يرسل أعماله بالبريد إلى صحف العاصمة وينساها، فلا محل للحديث عن أي واسطة أو دعم. وهو الأمر الذي استمر معي. بعد ذلك، كنت أمر مصادفة على مقر جريدة «أخبار الأدب»، وأترك مقالة نقدية فأجدها منشورة، أو أترك قصة للمشاركة في مسابقة أدب الحرب فأجد خطاباً يبشرني بالفوز ويدعوني لتسلم الجائزة. وهي الأحداث التي أكدت بداخلي فكرة المبادرة والإصرار.

محمد الكفراوي: صرعة العصر
أول قصيدة تنشر لي كانت في مجلة «إبداع» حين كان يرأس تحريرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بينما كان الشاعر حسن طلب مديراً للتحرير. لم أكن أعرف أياً منهما بشكل شخصي، فأرسلت القصيدة في البريد وفوجئت بأنها منشورة في بريد القراء. كان هذا في عامي الأول في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. كانت القصيدة بعنوان «إليها» وهي طبعاً من الشعر التفعيلي، فلم أكن بدأت في كتابة قصيدة النثر. الغريب والمدهش أنني لم أعرف أن القصيدة نشرت في المجلة إلا بعدها بسنوات.
النشر الأول «الآخر» الذي فرحت به جداً كان في مجلة الثقافة العربية الليبية. طلبها مني وقام بنشرها هناك الشاعر سامي الغباشي. كان ذلك في نهاية التسعينات. فرحت جداً بهذا النشر وما زالت ذكراه حية في ذهني حتى اليوم . بعدها نشرت مجموعة قصائد في مجلة «تكوين 2000» التي أسسها سامي الغباشي في ذلك الوقت. وكانت المجلات الأدبية المستقلة هي صرعة العصر، حيث تقدم إبداعاً حقيقياً ومختلفاً مثل «الكتابة الأخرى» و«الجراد».

مروة نبيل: تحقيق الذات
نشر نصي الأول قبل نحو تسع سنوات في مجلة «المجلة»، وبالتزامن مع نشر نص آخر بموقع «آسيا إن»، وبرغم بساطة الحدث فإنه أشعرني بالسعادة والزهو، فقد كان النشر تجسيداً لمعنى «تحقيق الذات» وممارسة للحرية الحقة؛ تلك الحرية التي يشوبها الشعور بالاستقلال وتحمل المسؤولية.
فضلت الإبقاء على اسم أبي دون اسم العائلة؛ فقد كان أول من عرفت من الفنانين؛ حيث كان صاحب موهبة نادرة في الرسم والنحت، بالإضافة إلى أنه كان يكن تقديراً عميقاً لشتى أنواع الفنون.
ربما لو كان أبي على قيد الحياة حينئذ ورأى نصوصي الشعرية منشورة لاشترى عشرات النسخ من المجلة وأهداها لأصدقائه المقربين، لكن من هم دون أبي من المحيطين بي لم يكترثوا لأمر النشر للأسف، فهم مثل كثيرين يتوجسون من قصيدة النثر؛ بل غير متأكدين من انتماء هذه القصيدة للشعر بالمعنى الذي يعرفونه؛ لذلك تراوحت ردود أفعالهم بين السخرية والتجاهل!



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.