كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

يستعيدون بداياتهم في الكتابة ونشر نصوصهم في الصحف والمجلات الأدبية

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى
TT

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

كتّاب مصريون: لا شيء يعادل فرحة رؤية أسمائنا مطبوعة للمرة الأولى

مهما طال الشوط الذي قطعه الكاتب، وما قد بلغه من مكانة أدبية، وما حققه من إنجازات في مسيرته الكتابية، تبقى تلك اللحظة التي رأى فيها اسمه مطبوعاً في جريدة أو مجلة، ذات لذة وسحر خاصين في ذاكرته ووجدانه يستعيدهما بدفء وحميمية من وقت لآخر.
في هذا التحقيق يروي كتاب وشعراء ذكرياتهم مع تلك اللحظة الفارقة في حياتهم وإبداعهم.

مي التلمساني: مفاجأة مدهشة
عندما وجدت نصي الأول منشوراً في مجلة «أدب ونقد» الشهرية الرصينة، لم أصدق، فقد كان الأمر مفاجأة مدهشة. كان النص عبارة عن عدة نصوص قصصية قصيرة بتقديم من الناقد الراحل د. سيد البحراوي سنة 1991. كنت في ذلك الوقت مقيمة في باريس لعمل الماجستير، وكتبت عدداً من النصوص انتقيت منها خمسة نصوص قصيرة أرسلتها للبحراوي، فبادر بالكتابة عنها وتقديمها للقراء دون إنذار. كانت مفاجأة بديعة، فلم أكن أصدق أن لتلك النصوص أي قيمة أدبية حقيقية.
منذ عام 1985 نشرت لي ترجمات في صحف وجرائد مصرية وعربية قبل نشر القصص، وكنت أفخر بالإشارة إلى اسمي كمترجمة خاصة في مجلات مثل «الغد» في إصدار الثمانينات، وكذلك في سلسلة الأدب العالمي للناشئين التي كان يشرف عليها في الهيئة المصرية العامة للكتاب مختار السويفي. كما أجريت حوارات صحفية مع المخرج أحمد كامل مرسي والفنانة التشكيلية القديرة إنجي أفلاطون نشرت في «أدب ونقد» و«روزاليوسف»، لكن لا شيء يعادل فرحة نشر نص أدبي بتوقيعي.
ما زلت أستعيد أجواء تلك اللحظة الفارقة، شعرت بفخر شديد لأن زوجي الشاعر والناقد وليد الخشاب هو من شجعني على الكتابة والنشر، وهو من تواصل مع د. سيد البحراوي. وأذكر أنه في سياق أسرتي كانت مفاجأة متوقعة إلى حد ما، كنت أكتب القصص منذ سن صغيرة، وأنا في المرحلة الإعدادية، وكانت أمي، مدرسة اللغة العربية تقرأ بسعادة بالغة قصص ابنتها على تلاميذها في المدرسة.

محمود خير الله: طرت فرحاً
نُشرت أول قصيدة لي في سن العشرين، وكانت تنتمي إلى شعر التفعيلة، بعنوان: «راء... ياء... ميم... أنا كنتُ مُنتمياً للجحيم»، شتاء عام 1991، في «مجلة الشعر المصرية»، كانت «ريم» شعاراً لقصة حُب مُجهضة، عشتها وأنا طالب بالفرقة الثالثة قسم اللغة العربية، في كلية الآداب جامعة بنها، و«مجلة الشعر» كانت لا تزال تلك المجلة المصرية الرائدة، التي توقفت عن الصدور عام 2016، بعد استمرارها في سماء الثقافة المصرية كمجلة «فصلية» زهاء أربعين عاماً، صدرت خلالها بميزانية زهيدة عن «اتحاد الإذاعة والتلفزيون التابع لوزارة الإعلام»، في ذلك الوقت كان الروائي الراحل خيري شلبي رئيساً لتحريرها، يعاونه الشاعر ياسر الزيات. نشرت القصيدة في باب «أصوات»، المخصص لصغار السن، الذين يقدمون نصوصهم لأول مرة، ولم يكن النص يتضمن نشر صورة لي، وبالطبع لم يكن عندي ما أقدمه للمجلة سوى القصيدة، التي أرسلتها بالبريد العادي.
فيما بعد حققتُ أجمل أحلامي، نشرت في كبريات الصحف والمجلات في مصر والعالم العربي، وسافرت إلى مهرجان «سيت» في فرنسا، وألقيت شعري وسط كبار شعراء العالم عام 2015، لكن عبقرية «المرة الأولى» لا تتكرر أبداً، فحين اشتريت نسخة من «مجلة الشعر» من «مكتبة الأهرام» وأنا في مدينة شبين القناطر، فتحت العدد ووجدتُ اسمي طرتُ فرحاً بمعنى الكلمة في الشارع، ارتفعتُ عدة أمتار عن الأرض وبدأت أجري بسرعة، أزحتُ البيوت والسيارات والحيوانات والأشجار والعصافير من طريقي، لأصل سريعاً إلى البيت، كنتُ كأنني أحدس ما سوف يصنعه الشعر من أجلي، وما سوف تحققه لي هذه القصيدة بالذات من أحلام.
ما شغلني في تلك اللحظة كان رد فعل أبي، أستاذ اللغة العربية الذي رباني على حب القراءة، وفتح أمامي مكتبته الصغيرة، لكنها كانت حافلة بأعداد من مجلات عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين: «الرسالة» و«المجلة»، و«العربي» الكويتية، كان أزهرياً مثقفاً، يراسل الصحف بمقالاته، وتصادف أنه حاول في شبابه كتابة الشعر العمودي ولم يوفّق، لكنه فرح جداً حين علم أن ابنه يكتب الشعر، وكان يردد له دائماً بيت الحُطيئة الشهير: «الشعرُ صعبٌ طويلٌ سُلّمه... إذا ارتَقى فيه الَّذي لا يعلَمُه».

سمير الفيل: قرد على ربطة عنق
كنت شاعراً شاباً، أتجول مع الأصدقاء في قرى محافظتي دمياط، ألقي قصيدة اشتهرت وقتها، عنوانها «المطبعة»، وقد قدمني الشاعر عبد الرحمن الأبنودي لألقي تلك القصيدة، كما قدمني قبلها بأسبوع الشاعر الكبير محمد النبوي سلامة، وصنفت شاعراً، لكن في سنة 1974 أقيمت أول مسابقة قومية عن حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، أقامتها مجلة «صباح الخير»، بالتعاون مع منظمة الشباب. وقد جاء فوزي بالمركز الأول مفاجأة لمن يعرفني، إذ انتقلت من دائرة الشعر إلى منظومة القص. وكانت المرة الأولى التي ينشر لي عمل في تلك المجلة المرموقة، والنص عنوانه: «في البدء كانت طيبة»، ووزع الجوائز وزير الثقافة وقتها الكاتب يوسف السباعي في حديقة بقصر الأمير عمر طوسون المجاور لاتحاد الكتاب الحالي بحي الزمالك.
كنت صغير السن، لكن بعض الجنون تلبسني رغبة في لفت الأنظار، حيث حرصت على ارتداء قميص فاتح مع ربطة عنق عليها لوحة لقرد يتسلق شجرة جوز الهند. بعدها استضافني عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية مثل برنامج «على الناصية» الشهير، كما استضافتني المذيعة درية شرف الدين وزميلها الكاتب الصحفي منير عامر في برنامج «تحت العشرين»، لأتحدث عن قصتي الفائزة، وخصص لي الشاعر سيد حجاب نصف صفحة في مجلة «الشباب» التي كان يشرف على القسم الأدبي بها.

وليد علاء الدين: مصادفة لا تتكرر
أول نص إبداعي لي كان قصيدة اسمها «اخرج من ذاتك» نشرت في مجلة «الشعر». كنت طالباً في الصف الأول الجامعي عام 1990. أرسلت القصيدة على عنوان المجلة بالبريد ونسيت أمرها، ظناً أن الأمر سيستغرق زمناً، ولكني فوجئت بها منشورة في أول عدد صدر بعد ذلك. لكن المرة الأولى التي أرى اسمي منشوراً بصحبة عمل لي، كانت وأنا طالب في المرحلة الإعدادية وأحاول تقليد والدي في التشكيل بالخط، فكتبت آية قرآنية على هيئة رجل يصلي وأرسلتها لمجلة الإذاعة والتليفزيون، وفِي مصادفة لا أظنها لا تتكرر كثيراً، كنت أشتري «قرطاس لب» من محل لبيع التسالي (المقلة)، فإذا بي أفاجأ برسمتي منشورة في بريد قراء المجلة في هذه الورقة الملفوف فيها القرطاس، قرأت اسمي مصحوباً بشكر ووصف لي بالفنان! كان شعوراً خليطاً غريباً من الدهشة بسهولة النشر الذي كنت أظنه مستحيلاً، وكذلك بالمصادفة التي وصلت فيها إلى ورقة المجلة!
اعتقد إخوتي أنني شخص محظوظ، بينما اعتقدتُ أن النشر سببه أنني مجتهد أو مبادر، والفكرة هنا أننا ثلاثة إخوة، كل منا يمتلك مهارات فنية وأدبية سَرت فينا عن والدنا الذي كان كاتباً ماهراً ورساماً مميزاً. ولكن أنا من بينهم من رأى في الفن طريقة وطريقاً يمكن العيش بها ولها. لذلك ارتبطت الفكرة عندي بالاجتهاد والعمل. أما نشر القصيدة الأولى فأظنها منحت اهتمامي بالأدب والشعر بعض الشرعية التي يخشى الأهل منحها لأصحاب الموهبة من أبنائهم خوفاً من تأثيرها على الدراسة والتحصيل.
كنت طالباً يعيش في إحدى مدن الأقاليم، يرسل أعماله بالبريد إلى صحف العاصمة وينساها، فلا محل للحديث عن أي واسطة أو دعم. وهو الأمر الذي استمر معي. بعد ذلك، كنت أمر مصادفة على مقر جريدة «أخبار الأدب»، وأترك مقالة نقدية فأجدها منشورة، أو أترك قصة للمشاركة في مسابقة أدب الحرب فأجد خطاباً يبشرني بالفوز ويدعوني لتسلم الجائزة. وهي الأحداث التي أكدت بداخلي فكرة المبادرة والإصرار.

محمد الكفراوي: صرعة العصر
أول قصيدة تنشر لي كانت في مجلة «إبداع» حين كان يرأس تحريرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بينما كان الشاعر حسن طلب مديراً للتحرير. لم أكن أعرف أياً منهما بشكل شخصي، فأرسلت القصيدة في البريد وفوجئت بأنها منشورة في بريد القراء. كان هذا في عامي الأول في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. كانت القصيدة بعنوان «إليها» وهي طبعاً من الشعر التفعيلي، فلم أكن بدأت في كتابة قصيدة النثر. الغريب والمدهش أنني لم أعرف أن القصيدة نشرت في المجلة إلا بعدها بسنوات.
النشر الأول «الآخر» الذي فرحت به جداً كان في مجلة الثقافة العربية الليبية. طلبها مني وقام بنشرها هناك الشاعر سامي الغباشي. كان ذلك في نهاية التسعينات. فرحت جداً بهذا النشر وما زالت ذكراه حية في ذهني حتى اليوم . بعدها نشرت مجموعة قصائد في مجلة «تكوين 2000» التي أسسها سامي الغباشي في ذلك الوقت. وكانت المجلات الأدبية المستقلة هي صرعة العصر، حيث تقدم إبداعاً حقيقياً ومختلفاً مثل «الكتابة الأخرى» و«الجراد».

مروة نبيل: تحقيق الذات
نشر نصي الأول قبل نحو تسع سنوات في مجلة «المجلة»، وبالتزامن مع نشر نص آخر بموقع «آسيا إن»، وبرغم بساطة الحدث فإنه أشعرني بالسعادة والزهو، فقد كان النشر تجسيداً لمعنى «تحقيق الذات» وممارسة للحرية الحقة؛ تلك الحرية التي يشوبها الشعور بالاستقلال وتحمل المسؤولية.
فضلت الإبقاء على اسم أبي دون اسم العائلة؛ فقد كان أول من عرفت من الفنانين؛ حيث كان صاحب موهبة نادرة في الرسم والنحت، بالإضافة إلى أنه كان يكن تقديراً عميقاً لشتى أنواع الفنون.
ربما لو كان أبي على قيد الحياة حينئذ ورأى نصوصي الشعرية منشورة لاشترى عشرات النسخ من المجلة وأهداها لأصدقائه المقربين، لكن من هم دون أبي من المحيطين بي لم يكترثوا لأمر النشر للأسف، فهم مثل كثيرين يتوجسون من قصيدة النثر؛ بل غير متأكدين من انتماء هذه القصيدة للشعر بالمعنى الذي يعرفونه؛ لذلك تراوحت ردود أفعالهم بين السخرية والتجاهل!



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».