من ريغان إلى ترمب... تسييس الدين ضخّم تأثيره في السياسة الأميركية

الانتماءات العرقية والدينية تلعب دوراً رئيسياً في الاستقطابات الحزبية

من ريغان إلى ترمب... تسييس الدين ضخّم تأثيره في السياسة الأميركية
TT

من ريغان إلى ترمب... تسييس الدين ضخّم تأثيره في السياسة الأميركية

من ريغان إلى ترمب... تسييس الدين ضخّم تأثيره في السياسة الأميركية

تُجمع كل الدراسات والأبحاث على أن الدين يلعب دوراً كبيراً في السياسة الأميركية، الأمر الذي يضع الولايات المتحدة في المرتبة الأولى لناحية حضور الدين في الحياة السياسية، مقارنة مع أي دولة غنية أخرى في العالم.
ورغم أن التعديل الدستوري الأول يمنع تشكيل أي حكومة أميركية على أساس ديني، فإنه يضمن حرية ممارسة الدين. كذلك فإن الدين لا يزال يشكل عنصر الاستقطاب الرئيسي لدى الحزبين الكبيرين، في حين يعلن الأميركيون بلا تردد أنهم متدينون. وبحسب إحصاءات أخيرة، فقد أعلن 55 في المائة من الأميركيين أنهم «يصلّون» بانتظام، مقارنة بنحو 10 في المائة في فرنسا و6 في المائة في بريطانيا. كذلك يقول 87 في المائة إنهم يؤمنون بالله، و56 في المائة يقولون إنهم يؤمنون بالله «تماماً كما هو موصوف في الكتاب المقدّس».

تاريخياً، خلال القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، استقطب الحزبان الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية أنصارهما على أسس عرقية ودينية. وعموماً، في الشمال كان معظم البروتستانت من الجمهوريين، في حين أن معظم الكاثوليك كانوا من الديمقراطيين. أما في الجنوب ومنذ ستينات القرن 19 إلى ثمانينات القرن الماضي، كان معظم البيض ديمقراطيين (بعد عام 1865) وكان معظم السود جمهوريين، قبل أن تتغير الحال في العقود الأربعة الأخيرة.
أيضاً، كثيراً ما يناقش السياسيون دينهم أثناء الحملات الانتخابية، فيما العديد من الكنائس والشخصيات الدينية نشطة سياسياً. ورغم ذلك كان توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، هو أول مَن شق الطريق للفوز بمنصب الرئاسة عبر أفكار مثيرة للجدل حول الدين، معلناً «لا دينيته»، بعدما تمكّن من تغيير العلاقة بين الفوز في الانتخابات على أساس الدين إلى إعلان تسامحه مع الحرية الدينية.
ولعل من بين جميع السياسيين الذين ترشحوا للرئاسة الأميركية خلال العقود الأخيرة، فإن بيرني ساندرز الأقل تديناً؛ فهو يعرّف نفسه على أنه يهودي علماني ويربط المعتقدات الدينية بالعدالة الاجتماعية، ولا يشارك في أي دين، ويدافع عن الفصل بين الكنيسة والدولة. لكن ظهور سياسات الهوية ونجاحها يشير إلى أن العرق أو الدين قد تكون لهما أهمية أكبر من العدالة الاقتصادية.
مع ذلك وبغية حفاظ الجمعيات الدينية والكنائس على وضعها كمؤسسات ومبرّات معفاة من الضرائب، فقد منعها الدستور الأميركي من اعتماد مرشح رئاسي رسمي. فالمسيحيون المتدينون موجودون في كل من الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. لكن المسيحيين الإنجيليين المتشددين (أو «المولودين من جديد») يميلون إلى دعم الحزب الجمهوري، بينما يميل المسيحيون الأكثر ليبرالية والكاثوليك والعلمانيون إلى دعم الحزب الديمقراطي. ولقد وجد استطلاع أجراه مركز «بيو للأبحاث» عام 2019 أن 54 في المائة من البالغين يعتقدون أن الحزب الجمهوري «ودود» تجاه الدين، بينما قال 19 في المائة فقط من الشريحة المستطلعة الشيء نفسه عن الحزب الديمقراطي.
من ناحية ثانية، يعرّف غالبية الأميركيين أنفسهم بأنهم مسيحيون بنسبة 71 في المائة، بينما الأديان غير المسيحية (بما في ذلك الإسلام واليهودية والهندوسية وغيرها) تشكل مجتمِعةً نحو 6 في المائة من السكان البالغين. وأعلن 23 في المائة من السكان البالغين أن ليس لديهم انتماء ديني. ووفقاً لمسح الهوية الدينية لدى الأميركيين، يختلف المعتقد الديني بشكل كبير في جميع أنحاء البلاد، حيث يقول 59 في المائة من الأميركيين الذين يعيشون في الولايات الغربية إنهم يؤمنون بالله، لترتفع هذه النسبة إلى 86 في المائة في الجنوب.

إعادة تعريف الانتماء
عندما أسّست الولايات المتحدة، كانت تُسمّى بـ«الأمة البروتستانتية»، لكن «البروتستانتية» اكتسبت في الآونة الأخيرة تعريفاً أضيق. إذ بات يعني المتشددين أو البروتستانت «الإنجيليين» الذين يؤمنون بضرورة «الولادة من جديد»، ويؤكدون على أهمية الكرازة وعلى التعاليم البروتستانتية التقليدية حول سلطة الكتاب المقدس وتاريخيته. وفق هذا التعريف الضيق، يمكن القول إنهم ما عادوا يشكلون غالبية، بحسب مصادر متعددة. ووفق هذه المصادر، فإنهم يشكلون اليوم ما يقرب من ربع سكان الولايات المتحدة، وهم يأتون من مجموعات مأخوذة من خلفيات طائفية متنوعة، بما في ذلك الكنائس المعمدانية والنظامية (الميثودية) والإصلاحية وغير الطائفية.
«الإنجيلية» لعبت دوراً مهماً في تشكيل الدين والثقافة الأميركية، وشكلت «صحوتهم» الأولى الكبرى في القرن الـ18، بمثابة ظهور «الدين الإنجيلي» في أميركا الكولونيالية. ووحّدت هذه «الانجيلية» الأميركيين في جميع أنحاء المستعمرات 13 الأولى (التي أصبحت الولايات التي أسس اتحادها نواة الولايات المتحدة الـ50 حالياً) حول إيمان مشترك. ولاحقاً، أدت «الصحوة» الكبرى الثانية في القرن 19 إلى ما أطلق عليه المؤرخ مارتن مارتي «الإمبراطورية الإنجيلية»، وهي الفترة التي سيطر فيها «الإنجيليون» على المؤسسات الثقافية الأميركية، بما في ذلك المدارس والجامعات.
كان «الإنجيليون» في شمال الولايات المتحدة من دعاة الإصلاح بقوة، وشاركوا في حركة الاعتدال، ودعموا إلغاء الرق (العبودية)، بالإضافة إلى العمل من أجل إصلاح التعليم والعدالة الجنائية. في حين انفصل «إنجيليو» الجنوب عن نظرائهم الشماليين بشأن قضية الرق، وأسسوا طوائف جديدة لم تطالب بإلغائه. ويجمع المحللون على أن العامل الرئيسي الذي يقف وراء الدعوة لإلغاء الرق، تعود أسبابه إلى عوامل اقتصادية بحتة. ففي أواخر أربعينات القرن 19 كان للهجرة الكثيفة والتدفق المفاجئ وغير المسبوق للمهاجرين الألمان والآيرلنديين على الولايات المتحدة، أبلغ الأثر على الانخفاض السريع والحاد في أجور اليد العاملة، الأمر الذي هدّد بخفض عدد «الرجال الأحرار البيض» لمصلحة العبيد، وذلك لدى إقدام الأثرياء البيض بزيادة عدد العبيد لاستثمار الأرض. وبسبب هذا الخوف من أن الرق سيدمر الآفاق الاقتصادية للعائلات العاملة البيضاء، نما وتوسع حزب لم يعمر طويلاً كان يسمى «لا نعلم شيئاً»، أو «نو نوثينغ»، لكنه شكل الأرضية لتعزيز قوة الحزب الجمهوري الذي دعم ترشح أبراهام لينكولن وقاد الحرب لإلغاء الرق.

مشهد ديني متغير
حضور الدين في الخطاب السياسي الأميركي تزايد بعد «تسييسه»، لا سيما بين «الإنجيليين» البيض منذ سبعينات القرن الماضي، وسلّط هذا التسييس الضوء على الانقسام العنصري الموجود في الولايات المتحدة. وبحسب «المعهد العام لأبحاث الدين» وهي منظمة غير ربحية وغير حزبية، «لا توجد اليوم جماعة دينية أكثر ارتباطاً بالحزب الجمهوري من البروتستانت الإنجيليين البيض». ومع ذلك، فإن تسمية «إنجيلية» قضية معقدة؛ فهي حركة عابرة للطوائف في الغالب داخل المسيحية البروتستانتية على أساس مجموعة من المعتقدات الأساسية الشخصية: الكتاب المقدس هو مركز الإيمان، والتكفير عن الخطايا بصلب المسيح، والاهتداء الشخصي والخلاص، والمشاركة في الإنجيل الذي منه أخذت هذه الحركة اسمها.
لكن ليس كل «الإنجيليين» اليوم هم من البيض والمحافظين. بل هناك نسبة صغيرة من «الإنجيليين» غير البيض (نحو 25 في المائة) بالإضافة إلى بعض «الإنجيليين» البيض التقدميين (نحو 15 في المائة) يميلون إلى التصويت للديمقراطيين. ومع ذلك، تظهر الإحصائيات تآكلاً بطيئاً في عدد الأميركيين الذين يُعرّفون بأنهم بروتستانت «إنجيليون» منذ تسعينات القرن الماضي، وخاصة لدى الأجيال الشابة. أيضاً، انخفض عدد الكاثوليك ببطء، في حين انهار عدد البروتستانت التاريخيين.
بعض الأكاديميين يناقشون أن هناك زيادة ملحوظة في عدد الأميركيين الذين لا ينتمون إلى أي دين، وهؤلاء باتوا يساوون عدد «الإنجيليين» إن لم يكونوا أكثر عدداً. لكن باحثين آخرين، مثل لوريك هينيتون، يقولون إنه لا يوجد شيء مشترك سوى أنهم لا يريدون أن يُحسبوا على أنهم ينتمون إلى مجموعة دينية أو لتقاليد راسخة. وأظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» عام 2014 أن الملحدين و«اللاأدريين» Agnostics آخذون في الازدياد، لكنهم ما زالوا يمثلون أقل من ثلث اللامنتمين، مما لا يثير الدهشة أن بيرني ساندرز هو المفضل عندهم.
من ناحية أخرى، تظهر بعض الدراسات أن الأجيال الشابة لا تنتسب بشكل متزايد إلى دين أو كنيسة، لكنهم أيضاً من أقل الأجيال إقبالاً على التصويت، ما يقلل من تأثيرهم على الانتخابات. بل حتى لو تزايدت نسبة تصويتهم، كما جرى في الانتخابات النصفية عام 2018، فإن النظام الانتخابي والتقسيم السياسي لأميركا يضخّم قوة الناخبين البيض والريفيين والمسيحيين المحافظين، عبر تقسيمات إدارية للمقاطعات تمكن الأقلية في الولايات القليلة السكان من التحكّم بنتائج الانتخابات. ومن ثم، يُرجّح أن يستمر الدين في لعب دور رئيسي في الانتخابات الأميركية لسنوات مقبلة، وأن ستستمر «الآلة القومية المسيحية» في دفع دونالد ترمب لجعل الهوية الدينية عنصراً أساسياً في حملته، على حد قول الباحثة كاثرين ستيوارت، وفي المقابل، يسمح لمنافسه جو بايدن باستخدام «تسامحه الديني» لاستقطاب القاعدة المؤمنة.

مرحلة رونالد ريغان
خلال العقود الأخيرة أصبح التديّن أكثر وضوحاً في البيت الأبيض. لقد كان رؤساء الولايات المتحدة يتذرّعون بالإيمان والله منذ أن أعرب جورج واشنطن عن «توسلاته الحارة لهذا القدير الذي يحكم الكون» في خطابه عام 1789. غير أن استخدام اللغة الدينية وحتى الإشارات الصريحة إلى الله قد ازدادت في الخطاب الرئاسي منذ الثمانينات. ويرى باحثون أن عبارة «بارك الله في أميركا»، وهي العبارة الأكثر وضوحاً التي تربط بين الله والوطن، تزايدت بشكل كبير، وباتت متوقعة في جميع الخطابات الرئيسية، بينما كانت شبه غائبة قبل رونالد ريغان. وبحسب دراسة حديثة أجراها الباحث سيري هيوز، يبدو أن هذا الاتجاه أكثر وضوحاً مع دونالد ترمب... الذي رغم ادعائه الانتماء إلى الطائفة البروتستانتية المشيخية، هناك أدلة كثيرة تشير إلى أنه أقل الرؤساء التزاماً دينياً في العصر الحديث. وفي هذا السياق، فإنه يستدعي الدين أكثر من غيره، في استراتيجية استخدمها بشكل ناجح عام 2016؛ فقد صوّت 81 في المائة من «الإنجيليين» البيض لصالح ترمب، ووعد بالدفاع عنهم في الحروب الثقافية، لا سيما في مواضيع الإجهاض وحقوق مجتمع المثليين والصلاة المدرسية.
وبخلاف ترمب، حدد جميع رؤساء العصر الحديث أنهم «مسيحيون بروتستانت»، باستثناء جون كينيدي (الرئيس الكاثوليكي الوحيد) الذي ظهر أن «كاثوليكيته» كانت قضية حملته الانتخابية. من ناحية أخرى، لم ينل أي شخص يهودي ترشيحاً رئاسياً من أي حزب كبير (فقط حصل جوزيف ليبرمان على ترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس في عام 2000)، في حين لم يخلُ من جدل انتماء ميت رومني المرشح الجمهوري في عام 2008 إلى طائفة المورمون.
في أي حال، ولئن كان لا يزال هناك تشكيك في أهمية الدين والدور الذي يلعبه في السياسة الأميركية، فإن تركيبة الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، تعطي صورة واضحة عن هذا الدور. ومع أن الكونغرس الحالي الـ116 يُعتبر الأكثر تنوّعاً على المستوى الديني، فإنه يظل مسيحياً بأغلبية ساحقة قياساً حتى لعدد سكان الولايات المتحدة؛ فهناك 88 في المائة من أعضائه من المسيحيين، مقابل 71 في المائة من السكان الأميركيين البالغين. وهناك مشرّع واحد منتخب فقط في مجلس الشيوخ: السيناتورة كيرستن سينيما (ديمقراطية من ولاية أريزونا)، تعلن أنها لا دينية، في حين لا يوجد أي مشرّع يصف نفسه بالملحد. وحتى النائبة اليسارية النيويوركية إلكساندريا أوكاسيو كورتيز دائماً ما تذكّر بإيمانها الكاثوليكي وتقتبس تعابير من الإنجيل وتنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.

المتدينون أنشط اقتراعاً
وإذا كان من الصعب معرفة اتجاهات التصويت لدى المتدينين الأصوليين، خصوصاً من «الإنجيليين»، وهو ما لعب دوراً كبيراً في فشل استطلاعات الرأي التي توقعت فوز هيلاري كلينتون على ترمب عام 2016، فإنهم «يميلون إلى الانخراط في النشاط السياسي بمعدلات أعلى من متوسط الأميركيين».
كذلك، رغم أن الاعتقاد السائد بأن الناخبين المتدينين يصوتون دائماً للجمهوريين، فهذا لا يصح دائماً. فالتصويت لمصلحة هذا الحزب أو ذاك يعتمد بشكل ملحوظ على الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وبالنسبة للأشخاص المتدينين ذوي الدخل المنخفض، لا يوجد تقريباً أي ارتباط بين معتقداتهم الدينية وقرارهم في التصويت. إذ حقق جورج بوش الأبن (الطائفة النظامية) فوزا ضئيلاً جداً على منافسه جون كيري، حين لم يلعب الاستشهاد «بالقيم الأخلاقية» دوراً كبيراً في حض القاعدة الانتخابية المتدينة على التصويت بكثافة لبوش. ونسب فوزه مباشرة إلى الجماعات الأصولية المسيحية الذين أطلق عليهم تسمية «المحافظون الجدد»، وليس للمتدينين عموماً. من جهة أخرى، أشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» عام 2019. إلى أن 60 في المائة من الأميركيين على استعداد للتصويت لرئيس ملحد. في حين أن أبحاثاً كثيرة تظهر أن الأميركيين ينظرون للمرشحين الذين يُعتبرون متدينين بأنهم جديرون أكثر بالثقة.

الواقعان السياسيان لليهود... والمسلمين

> يشكل تعداد اليهود في الولايات المتحدة ما يصل إلى 2.1 في المائة من السكان. ولقد سجل هذا التعداد انخفاضاً كبيراً من أكثر من 3 في المائة في الخمسينات، ويرجع السبب أساساً إلى انخفاض معدل المواليد نسبياً بين اليهود الأميركيين وارتفاع معدلات الزواج المختلط من غير اليهود.
مع هذا، ما زال اليهود يلعبون دوراً مؤثراً في الحياة السياسية الأميركية لأسباب عدة متشعبة، يتداخل فيها العامل الآيديولوجي مع السياسي والاقتصادي. وبينما كان المهاجرون اليهود الأوائل من ألمانيا يميلون إلى أن يكونوا محافظين سياسياً، كانت موجة يهود أوروبا الشرقية التي بدأت في أوائل ثمانينيات القرن 19 أكثر ليبرالية أو يسارية بشكل عام، وأصبحت الغالبية السياسية. لقد جاء العديد من هؤلاء إلى أميركا من ذوي الخبرة في الحركات الاشتراكية والفوضوية والشيوعية بالإضافة إلى حزب العمال، المنبثق من أوروبا الشرقية. وصعد العديد من اليهود إلى مناصب قيادية في الحركة العمالية الأميركية في أوائل القرن العشرين وساعدوا في تأسيس نقابات لعبت دوراً رئيسياً في سياسة اليسار ثم بعد عام 1936، في سياسات الحزب الديمقراطي.
بعد تلك الفترة كانت الغالبية العظمى من اليهود في الولايات المتحدة متحالفة مع الحزب الديمقراطي. وقبيل نهاية القرن 20 وبداية القرن 21. أطلق الجمهوريون مبادرات بدأت تؤتي ثمارها لجذب اليهود الأميركيين بعيداً عن الحزب الديمقراطي. ولعل العلاقة الخاصة التي باتت تربط ترمب بإسرائيل وسلسلة القرارات السياسية المهمة التي اتخذها سواء في ملف السلام أو في قضية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقله السفارة الأميركية إليها واعترافه بحقها في ضم أراضي الجولان السورية المحتلة، شكلت كلها علامات فارقة، كان بالإمكان رؤية تأثيرها في الخطابات التي ألقيت في الاجتماعات السنوية للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك».

ماذا عن المسلمين؟

أما عن المسلمين، ففي عام 2006. أصبح كيث إليسون أول مسلم ينتخب في مجلس النواب الأميركي، كممثل عن الدائرة الخامسة في ولاية مينيسوتا، وأصبح لاحقاً رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي. وعند إعادة تصوير أدائه اليمين استخدم نسخة من القرآن كان يملكها الرئيس توماس جيفرسون.
بعدها، أدت انتخابات مجلس النواب عام 2018 إلى دخول نائبتين مسلمتين مجلس النواب هما إلهان عمر (من أصل صومالي) ورشيدة طليب (من أصل فلسطيني). ولكن حتى الساعة لا يمكن الحديث عن دور كبير يلعبه المسلمون في الحياة السياسية الأميركية، خاصة، أنهم يشكلون أقلية لا تزيد نسبتها على 2 في المائة، سوادهم الأعظم من المهاجرين وأطفال المهاجرين. من ناحية ثانية، معظم منظماتهم التي تشكلت في العقود الأخيرة، وهي لا تزال تسعى إلى الموازنة بين لعب دور سياسي من ناحية، ورفع صفة الإرهاب عنهم من ناحية ثانية. وراهناً توجد عدة منظمات إسلامية أميركية متعددة التوجهات، بعضها يوصف بالمعتدل وبعضها الآخر يتهم بالتشدد والارتباط بقوى سياسية في العالم الإسلامي.


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».