لبنان يفرض تأشيرة مسبقة على الزوار السوريين ونظام كفالة على العمال

المديرية العامة للأمن العام: القرار يدخل حيز التنفيذ بدءا من يوم غد

سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)
سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)
TT

لبنان يفرض تأشيرة مسبقة على الزوار السوريين ونظام كفالة على العمال

سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)
سوري يحمل طفلا ويمشي في أحد شوارع حلب القديمة أمس بحثا عن مكان آمن إثر الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المدينة بين النظام السوري وفصائل المعارضة (رويترز)

فرضت السلطات اللبنانية على السوريين الحصول على تأشيرة دخول في خطوة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين سوريا ولبنان، الذي يستقبل حاليا أكثر من مليون لاجئ سوري.
وأعلنت المديرية العامة للأمن العام على موقعها الإلكتروني عن «وضع معايير جديدة تنظم دخول السوريين إلى لبنان والإقامة فيه» وتقوم على فرض السمة أو الإقامة، على أن تدخل هذه المعايير حيز التنفيذ بدءا من يوم غد (الاثنين). وكانت عملية التنقل بين البلدين اللذين يتشاركان حدودا تمتد بطول 330 كلم تتم من خلال إبراز الهوية الشخصية فقط، دون الحاجة إلى أي مستندات أخرى.
وتغيرت العلاقة «المميزة» التي تجمع بين لبنان وسوريا كثيرا منذ اندلاع الأزمة في «الشقيقة» الكبرى التي طالما هيمنت على «الشقيق الأصغر» سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ولا ينظر المراقبون للعلاقة بين البلدين إلى قرار فرض نوع من التأشيرة المسبقة على المواطنين السوريين الراغبين بدخول لبنان، على أنه مجرد قرار يتخذه لبنان لـ«الحد من عبء النزوح السوري إلى لبنان»، كما أبلغ أمس وزير الشؤون الاجتماعية اللبنانية رشيد درباس «الشرق الأوسط»، بل كواحد من أبرز الدلائل على انحلال القبضة السورية عن لبنان لأول مرة منذ دخول القوات السورية لبنان عام 1978، بذريعة وقف الحرب الأهلية، قبل أن تصبح هذه القوات جزءا من الحرب.
فمن حيث المبدأ، توافق طرفا الأزمة في لبنان (المعارض والمؤيد للنظام السوري)، على قرارات جريئة تمنع المزيد من التدفق للاجئين السوريين إلى الأراضي اللبنانية، بعدما بات لبنان يضم نحو مليون و600 ألف سوري على الأقل، أي ما يوازي تقريبا نصف عدد سكانه البالغ 4 ملايين نسمة، مما شكل ضغطا هائلا على البنية السياسية والاقتصادية للبنان المنقسم سياسيا بين فريقين؛ أحدهما يقوده «حزب الله» المنخرط في الحرب السورية ويسمى «8 آذار»، وثانيهما فريق «14 آذار» الذي يقوده تيار «المستقبل». وقد شكل تفاهم الفريقين على قيادة البلاد بالحد الأدنى من التوافق، عبر حكومة يرأسها الرئيس تمام سلام، إلى التوصل في الأشهر الأخيرة إلى قناعة بأن الوجود السوري يشكل خطرا على لبنان إذا ما استمر التدفق، فبدأت إجراءات عدة لمنع تدفق هؤلاء، بالإضافة إلى عراقيل غير معلنة تهدف إلى التقليل من دخول إلى لبنان.
ولأول مرة منذ دخول سوريا إلى لبنان، يمكن لزائر الحدود المشتركة بين البلدين أن يلحظ تغييرا لافتا في الصورة؛ فطوابير السوريين الطويلة يمكن ملاحظتها من بعيد، حيث يعمد عناصر الأمن العام اللبناني إلى التدقيق في كل حالة بحالها، حيث بات عدد الذين يعودون أدراجهم إلى سوريا أكبر من الذين يدخلون إلى لبنان، وحيث يشكو السوريون من «معاملة غير لائقة». وقد أدلى العديد من السوريين بتصريحات تشير إلى سوء المعاملة التي تلقوها من قبل الأمن اللبناني، في صورة معاكسة لما كان يحصل خلال الوجود السوري في لبنان.
وقد شكلت هذه الإجراءات مورد رزق لبعض «السماسرة» الذين باتوا يتقاضون أموالا من السوريين لمساعدتهم على عبور الحدود. ويشير أحد هؤلاء إلى أن أحدهم طلب منه 2000 دولار، لإدخال مجموعة مؤلفة من 4 أشخاص مُنعوا من دخول لبنان، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن المبلغ ارتفع لاحقا إلى 5 آلاف دولار، بعدما تبين وجود مذكرة لبنانية تمنع دخول أحد هؤلاء.
وأشار إلى أنه بالفعل تم إدخال هؤلاء في وقت لاحق، لكن الشخص المعني بقرار منع الدخول اضطر للعودة إلى دمشق لأسباب شخصية، ومع هذا أصر السمسار على حصوله على 5 آلاف دولار. وقد توقف لبنان عن استقبال اللاجئين في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعدما تجاوز عددهم مليونا ونصف المليون، ومنع اللاجئين الذين يغادرون الأراضي اللبنانية من العودة إليها، مما أسهم في خفض العدد بنحو 100 ألف لاجئ. وأكد مصدر أمني للوكالة نفسها أن الهدف من هذه الخطوة «ضبط الوضع اقتصاديا وأمنيا، ومتابعة أماكن وجودهم (السوريين) فوق الأراضي اللبنانية).
وفي هذا الإطار، أوضح وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس أن الإجراءات الأخيرة استكمال للتدابير التي سبق أن اتخذتها الحكومة للحد من عبء النزوح السوري.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الأمر من شأنه أن يسمح للسلطات اللبنانية التمييز بين اللاجئ وغير اللاجئ، مبديا في الوقت عينه استغرابه من تضخيم الموضوع، لا سيما أن هذه الإجراءات تنفذ بين أي دولتين.
وأوضح أنه ولتنفيذ الاستراتيجية الجديدة التي أعلنت عنها السلطات اللبنانية لا بد لها من تنظيم دخول السوريين وخروجهم، مؤكدا كذلك عدم إقدام الدولة اللبنانية على إغلاق الحدود أو ترحيل أي لاجئ سوري، مع التأكيد على أن من يقيم في لبنان بصفة غير لاجئ أو غير شرعية، عليه تسوية وضعه. وفي حين جدد درباس التأكيد على استعداد الحكومة اللبنانية للتنسيق مع الحكومة السورية بشأن إعادة اللاجئين إلى بلادهم، لا سيما في المناطق الآمنة، أشار إلى أن هذا المطلب لم يلقَ استجابة من الطرف المعني إلى الآن. واعتبر مدير المؤسسة الديمقراطية لحقوق الإنسان (لايف)، نبيل الحلبي، أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية أخيرا تُعد قانونية من حيث الشكل، بشرط أن يتم تطبيقها بطريقة لا تتعارض مع حقوق الإنسان.
وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المعايير التي أعلنت عنها السلطات اللبنانية غير واضحة إلى الآن، متخوفا من أن يتم تطبيقها انتقائيا.
ولفت إلى أنه، ومنذ أن اتخذت الحكومة اللبنانية قرار التوقف عن استقبال اللاجئين قبل 3 أشهر، لم تعمد إلى ترحيل عائلات لاجئة، لكنها وإن كانت لم تسلّم المعارضين السوريين إلى النظام، منعا لخرق قانون حقوق الإنسان، عمدت إلى ترحيلهم من لبنان وتركهم لمصيرهم.
وتشمل المعايير الجديدة المفروضة على السوريين أنواعا مختلفة من السمات والإقامة، هي السمة السياحية، والإقامة المؤقتة، وسمات أخرى للراغبين في الدراسة بلبنان، أو للسفر عبر مطاره أو أحد موانئه البحرية، أو للقادمين للعلاج أو لمراجعة سفارة أجنبية. ونصت المعايير الجديدة على حصر دخول السوريين بهذه الأسباب إلا «في حال وجود مواطن لبناني يضمن ويكفل دخوله، إقامته، سكنه ونشاطه، وذلك بموجب تعهد بالمسؤولية».
وسيكون على السوري الراغب في دخول لبنان للسياحة أن يقدم حجزا فندقيا، ومبلغا يوازي ألف دولار أميركي، وهوية أو جواز سفر، على أن يُمنح سمة «تتناسب مع مدة الحجز الفندقي قابلة للتجديد».
أما زيارة العمل، فقد أصبحت مشمولة بإقامة مؤقتة لمدة أقصاها شهر، على أن يقدم الراغب للحصول عليها «ما يثبت صفته كرجل أعمال، مستثمر، نقابي، موظف في القطاع العام السوري، رجل دين»، أو «تعهد إجمالي أو إفرادي بالمسؤولية من شركة كبيرة أو متوسطة أو مؤسسة عامة، لحضور اجتماع عمل أو للمشاركة في مؤتمر».
كما يُمنح القادم للعلاج سمة لمدة 72 ساعة فقط قابلة للتجديد لمرة واحدة، على أن يقدم «تقارير طبية أو إفادة متابعة علاج لدى أحد المستشفيات في لبنان، أو لدى أحد الأطباء، بعد التأكد من صحة ادعائه». أما من يرغب في متابعة دراسته في لبنان، فيحصل بداية على إقامة لمدة 7 أيام، وبعد إثبات تسجيله يُمنح إقامة دراسية.
وفرض القرار اللبناني أيضا نظام كفيل للعمال السوريين، الذين يعتمد عليهم لبنان بشكل أساسي في قطاعي البناء والزراعة، وإن كان هذا النظام غير مُعلَن؛ فمن لا تنطبق عليه أي من «الفئات» التي ذكرها القرار لا يُسمح له بالدخول إلا في حال وجود مواطن لبناني يضمن ويكفل دخوله، إقامته، سكنه ونشاطه، وذلك بموجب «تعهد بالمسؤولية». ويُمنح عندها سمة دخول وتجدّد مرتين لمدة 6 أشهر. وسيشكل هذا الإجراء عقبة جديدة أمام أرباب العمل اللبنانيين الذين يعتمدون على هؤلاء، كما يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط». ويشير فايق طنوس، صاحب متجر لبيع الخضراوات في جبل لبنان، إلى أنه منذ فترة يتعرض لأعباء مختلفة بشأن عدد عماله السوريين، لكنه أشاد بهذه القرارات «لأن لبنان يتحمل ضغط مليون ونصف مليون سوري يؤذي وجودهم الاقتصاد ويؤثر على الأمن، لكن هناك في المقابل عمال يؤثرون إيجابا على الاقتصاد اللبناني».
وإذ أشار إلى أن القرار ليس واضحا لجهة آلية تنفيذه، ومن المسؤول عن إصدار الكفالة وكيفية حصولها، فإنه رأى أنه من الخطوات المفيدة التي سوف تمنع المضايقات التي يتعرض لها العمال لدى دخولهم البلاد، حيث سيصبح دخولهم شرعيا ومنظما. وأضاف: «نقدم لعمالنا المأوى، ولا يريد أي منا أن يؤوي أشخاصا يضرون بأمن البلد، ولهذا نرحب بأي إجراء».
ويلاقي العمال السوريون في لبنان العديد من المضايقات، فبالإضافة إلى قرار منع هؤلاء من التجول ليلا، وعمليات التدقيق الأمني المستمرة بهم من قبل الأجهزة الأمنية، كان هؤلاء يتعرضون لمضايقات عند الحدود نتيجة عدم وجود «فئة خاصة» بهم، فيتم الخلط بينهم وبين اللاجئين، مما يحرمهم من الدخول.
وقد أدت هذه الإجراءات في وقت سابق إلى إرباكات، خصوصا أن ثمة جهات سياسية دخلت على خط معالجة الملف. ويشكو عمال سوريون من أن «المرضي عنهم» من قبل «حزب الله» كانوا يعبرون إلى الأراضي اللبنانية عبر المناطق الحدودية التي يسيطر عليها الحزب في منطقة القصير السورية التي ترتبط بلبنان بممر عسكري خاص للحزب لا توجد عليه أي قوى أمنية لبنانية.
وفي حين كانت مطالبات سياسية لبنانية قد ارتفعت منذ فترة مطالبة بالتنسيق مع النظام السوري لتأمين عودة النازحين إلى بعض المناطق، أيد السفير السوري لدى لبنان، علي عبد الكريم علي «الخطوات الأخيرة»، ورأى أن «فيها ملامح أفضل من الإجراءات السابقة، ونحن مع الحكومة اللبنانية»، معتبرا أن موضوع دخول السوريين وخروجهم يحتاج تنسيقا وتكاملا بين الجهات المعنية في البلدين.
وأضاف: «هذه الإجراءات معادلة لإيجاد عوامل تنظيمية نتيجة ضغوط كبيرة ربما أسهمت فيها سياسات سابقة، والأوضاع التي يعانيها لبنان، ونحن نقدرها ونتفهمها».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».