أصحاب القصيدة الواحدة في الشعر العربي

فرائد «يتيمة» أنقذت أصحابها من غائلة النسيان

الممثل ياسر المصري في دور مالك بن الريب في مسلسل تلفزيوني يستلهم سيرته
الممثل ياسر المصري في دور مالك بن الريب في مسلسل تلفزيوني يستلهم سيرته
TT

أصحاب القصيدة الواحدة في الشعر العربي

الممثل ياسر المصري في دور مالك بن الريب في مسلسل تلفزيوني يستلهم سيرته
الممثل ياسر المصري في دور مالك بن الريب في مسلسل تلفزيوني يستلهم سيرته

لم يكن الشعر في يوم من الأيام فن السهولة والهذر والشروح المملة، بل هو في جوهره فن الإيماء والإضمار واللغة الموجزة والمكثفة. وهذا التوصيف للشعر ليس بجديد على النقاد العرب القدماء، ولا على الشعراء أنفسهم في الوقت ذاته. فجرول بن أوس المعروف بالحطيئة يشير إلى صعوبة هذا الفن وإلى استعصائه على الجهلة وغير الموهوبين، فيقول في وصيته «الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمهْ \ إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه \ زلّت به إلى الحضيض قدَمُه \ يريد أن يُعْربه فيعْجمه». وكما نفى الحطيئة عن الشعر صفة السهولة، فقد نفى عنه البحتري كل ما هو من سمات النثر كالشروح والتفاسير والمحاججات الفلسفية والمنطقية. وهو ما يلخصه قوله «والشعر لمْحٌ تكفي إشارتهُ \ وليس بالهذر طُوّلتْ خطَبُهْ». على أن المتتبع للشعر العربي، قديمه وحديثه، لا بد أن يلحظ وقوع الكثير من الشعراء العرب في شرك الإطالة والغزارة الفائضين عن الحاجة.
لقد بدا نزوع بعض الشعراء العرب إلى الإطالة في القصائد نوعاً من النسج على منوال المعلقات السبع، بوصفها النصوص المؤسسة للشعرية العربية، والتي وجب على كل ذي طموح أن يقلدها ويحذو حذوها، إذا ما أراد أن ينتزع لنفسه صفة الفحولة والفرادة والسبق على الآخرين. هكذا باتت القصيدة أقرب إلى «الكشكول» الذي يتسع لكل الموضوعات والأغراض، كما لو أن على الشاعر المسكون بهاجس الموت أن يقول كل شيء دفعة واحدة، وقبل فوات الأوان. أما الغزارة في الكتابة، فتبدو من بعض جوانبها استمراءً للعبة الكلام نفسها، بما هي ترسيخ رمزي لأنا الشاعر الخائفة من الصمت والإمحاء. وتبدو من جوانب أخرى تعبيراً عن استسلام الشاعر لإغواء اللغة في سيلانها الجارف، وإحجاماً متعمداً أو غير متعمد عن كبحها وترويضها. وسواء وقع الكثير من الشعراء تحت وطأة التوشية الأسلوبية والترصيع البياني، أو تحت وطأة الإنشاء الغنائي والانفعال العابر، فقد أدى الأمر في الحالتين إلى النتائج نفسها، حيث لم تكف المطابع عن رفد المكتبات العربية بطوفان لا يتوقف من الإصدارات الشعرية ذات المستويات المتباينة، تميزاً وغثاثة.
على أن نظرة متأنية إلى أعمال الشعراء العرب، تكشف عن أن الأحجام الفعلية للشعراء، لم تحددها الغزارة الكمية، بل الجودة والنوع وفرادة التجربة والأسلوب. ولعل الأحجام الضئيلة لدواوين امرئ القيس، وطرفة بن العبد، وعنترة، والخنساء، وجميل، وكثيّر، والوليد بن يزيد، وديك الجن الحمصي، هي ما يدل بشكل واضح على تعامل بعض الأقدمين مع الشعر بوصفه مخاضاً صعباً ومجازفة غير مضمونة العواقب. إلا أن ذلك لا يعني بأي حال أن تكون الغزارة رديفة دائمة للرداءة، وإلا لما كان شعراء «غزيرون» نسبياً، من أمثال جرير، وأبي تمام، وأبي نواس، وابن الرومي، والمتنبي، وأبي العلاء، والشريف الرضي، يحتلون مكان الصدارة في الشعر العربي. وحتى لو انبرى من النقاد من يقول إن الكثير من نتاج هؤلاء ضعيف ومتهالك ومفتقر إلى الجودة، فإن قليلهم المتبقي لم يعصمهم من النسيان فحسب، بل استطاع أن يضعهم على المستويين الرؤيوي والأسلوبي في أعلى مراتب الشعر العربي.
وإذا كانت الرغبة في الخلود وقهر الموت هي هاجس الشعراء والفنانين منذ غابر الأزمنة، فإن بطاقة العبور إلى الخلود لم يكن يحتاج الحصول عليها إلا إلى قصيدة واحدة في بعض الأحيان، وأن يرسخ حضوره في وجدان الأجيال المتعاقبة. والشواهد الأبلغ على ذلك هي تلك الفرائد المتميزة التي خلفها وراءهم شعراء كثيرون، من أمثال دوقلة المنبجي، وعبد يغوث الحارثي، والمنخل اليشكري، ومتمم بن نويرة، والأحيمر السعدي، ومالك بن الريب، وابن زريق البغدادي، وأبي البقاء الرندي. صحيح أن بعض هؤلاء الشعراء قد نظم قصائد ومقطوعات قليلة غيرها، لكن تلك القصائد لم تثبت مع الزمن، وبدت أشبه بتمارين متعثرة على القصيدة الأم، أو بتلك التخطيطات الأولية التي يهيئ بواسطتها الرسامون للوحاتهم المهمة أو جدارياتهم الكبرى.
لكن من حق القارئ بالطبع أن يتساءل عن الشروط والعناصر المختلفة التي أكسبت بعض القصائد - الفرائد صفة الديمومة. وفي اعتقادي، أن المسألة لا تعود إلى عامل واحد، بل إلى عوامل عدة، يتعلق بعضها بالسيَر الدراماتيكية للشعراء أنفسهم، وبالمواقف الوجودية التي نظموا فيها القصائد، حيث الشعر تجسيد للحظات الصراع الحاسمة بين غريزتي الحب والموت، كما في «يتيمة» دوقلة المنبجي، ويائية سحيم عبد بني الحسحاس، ورائية المنخل اليشكري. أو هو رثاء ذاهل للنفس المشرفة على الهلاك، وطلب متأخر لخلاص لن يأتي، كما في قصيدتي مالك بن الريب وابن زريق البغدادي، أو هي رثاء استشرافي مبكر للأندلس التي يتم قضمها قطعة قطعة، كما في قصيدة أبي البقاء الرندي. على أن حياة الشعراء، رغم تمزقاتها الدامية، ما كان لها أن تشق طريقها عبر الزمن لولا ما تنمّ عنه منظوماتهم من إشراقات روحية وإنسانية، ولولا الشحنات العصبية المضفورة بالشفافية والصدق، وبالانسياب التلقائي للغة، ولولا ذلك الجمال المتلفع بالحزن الذي ينبعث من وراء النصوص.
إن نظرة متأنية إلى قصيدة دوقلة المنبجي المسماة باليتيمة، لا بد أن تقودنا إلى الاستنتاج بأن ما وفر لهذه القصيدة سبل البقاء ليست بلاغة القول الشعري وحدها، بل بلاغة الحدث نفسه، حيث تربط الأميرة الفاتنة مصيرها برجل مصنوع من فتنة الكلمات، لا من قوة العضل وجمال الشكل، بحيث تحلّ اللغة محلّ الجسد، والشعر محلّ الشرع. أما موت دوقلة مقتولاً بسيف سارق القصيدة، فما هو إلا الدلالة الأبلغ على استحالة امتلاك الجمال الأنثوي المطلق بغير الموت أو الكلمات، أو الاثنين معاً. وإذ يستعرض الشاعر المفاتن الجسدية التفصيلية لامرأته المتخيلة، يبدو من خلال بعض الأبيات وكأنه يرهص بنهايته الفاجعة قبل بلوغ الهدف:
لهفي على دعدٍ وما خُلقتْ
إلا لطول تلهّفي دعدُ
إن لم يكن وصْلٌ لديكِ
لنا يشفي الصبابة فليكنْ وعد
لله أشواقي إذا نزحتْ
دارٌ بنا، ونوىً بكم تعدو
وإذا المحبّ شكا الصدود فلم
يُعطف عليه، فقتْلُهُ عمدُ
أما مالك بن الريب الملتحق بجيوش المسلمين في خراسان، بعد تجربة حافلة بالتهتك والصعلكة، فيضمّن قصيدته اليائية الكثير من الأسئلة الوجودية الممضة المتعلقة بالحياة والموت والفقر والغربة وشقاء الإنسان. ورغم أنني على المستوى الشخصي لا أميل إلى التعميمات وإصدار الأحكام المطلقة، فإن ما تحمله هذه القصيدة من صدق تعبيري وعاطفة جياشة وطاقة إيحائية هائلة، يدفعني إلى الاعتقاد بأنها إحدى أجمل القصائد التي تمخضت عنها عبقرية العرب الشعرية، والجدارية الكبرى التي سبقت جدارية محمود درويش بأربعة عشر قرناً، خاصة أن ابن الريب قد حول معلقته تلك إلى نداء كوني في وجه الفقدان، فضلاً عن إمعانه في رسم مشهد الدفن وتعقّب الوجوه التي تبكيه، وتخيّل صور الحياة من بعده:
فيا صاحبي رحْلي
دنا الموتُ فانزلا
برابية إني مقيمٌ لياليا
خذاني فجرّاني ببرْدي إليكما
فقد كنتُ قبل اليوم صعباً قياديا
يقولون لا تبعدْ وهم يدفنونني
وأين مكان البعد إلا مكانيا!
أقلّب طرفي في الرفاق فلا أرى
به من عيون المؤنسات مُراعيا
وإذا كان الأحيمر السعدي الذي عاش بين العصرين الأموي والعباسي، يشترك مع ابن الريب في حياة الصعلكة والمروق؛ كونه كان لصاً وقاطع طريق، فإنه يختلف عنه في رفضه العودة إلى بيت الطاعة القبلي والأخلاقي، مؤثراً الإقامة في القفار والبراري على ملازمة البشر في نزوعهم الدائم إلى النفاق والغدر وتبادل الضغائن. كما بدا الشاعر من بعض الزوايا النسخة العربية الموازية لأسطورة أورفيوس اليوناني، وهو الذي كان «يقرأ شعره على الوحوش والطيور والصحارى البعيدة» محوّلاً قصيدته الرائية إلى مناسبة لامتداح العزلة والليل والطبيعة، وإلى مضبطة اتهام قاسية ضد الجنس البشري:

عوى الذئبُ
فاستأنستُ بالذئب إذ عوى
وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ
فللّيلِ إن واراني الليلُ حكْمُهُ
وللشمس إن غابتْ عليّ نذورُ
لئن طال ليلي بالعراقِ لربما
أتى لي ليلٌ بالشآم قصيرُ

كما يصعب أن نتحدث عن لُقى الشعراء المفردة دون التوقف عند قصيدة ابن زريق التي نظمها قبل موته غريباً ومعوزاً في بلاد الأندلس. ورغم اختلاف الرواة حول هوية الشاعر والظروف التي أملت عليه كتابة قصيدته المؤثرة، فإن القصيدة نفسها قد استطاعت اختراق الوجدان العربي الجمعي بقدرتها على المواءمة بين رثاء الحبيبة الغائبة ورثاء الأماكن المفقودة. لا، بل إنها تقدم نوعاً من الرسم التقريبي لصورة الشاعر القلِق والمحكوم بالسفر والغربة الدائمة:
يكفيه من لوعة التشتيت أنّلهُ
من النوى كلّ يومٍ ما يروّعهُ
ما آب من سفرٍ إلا وأزعجهُ
رأي إلى سفرٍ بالرغم يَزمعهُ
كأنما هو في حلّ ومرتحلٍ
موكّلٌ بفضاء الله يذرعهُ
لا بد من التنويه أخيراً بأن ثمة قصائد أخرى لا تقل أهمية عن النماذج التي تم تناولها في هذه العجالة، إلا أن ظاهرة بهذه الفرادة والثراء الإنساني، تحتاج إلى مؤلفات نقدية مسهبة لكي تستوفي حقها من الدراسة. ولعل ما فعله الشاعر والناقد العراقي محمد مظلوم في كتابه «أصحاب الواحدة... اليتيمات والمشهورات والمنسيات من الشعر العربي» هو خطوة رائدة في هذا المجال، لا بد أن تُستتبع بدراسات أخرى معمقة، تتناول الأبعاد الفنية والاجتماعية والنفسية لتلك التجارب المدهشة، والشبيهة، كما يقول مظلوم، بأغنية البجع الأخيرة على طريق الموت.



«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

اقتنص العرض المسرحي «الهاربات» للمخرجة والكاتبة التونسية وفاء طبوبي، جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي «أفضل عرض مسرحي»، بعد منافسته إلى جانب 13 عرضاً من دول عدة، ضمن فعاليات الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي» التي أُقيمت في مصر من 10 إلى 16 يناير (كانون الثاني) الحالي، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، وبحضور نخبة بارزة من الفنانين والمسرحيين العرب، تحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدّد».

وكرَّم وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، والأمين العام لـ«الهيئة العربية للمسرح»، الكاتب إسماعيل عبد الله، المخرجة وفاء طبوبي وفريق العرض.

وفي السياق عينه، حصد جوائز مسابقة «التأليف المسرحي» الموجَّهة للأطفال، التي أُقيمت تحت عنوان «أطفالنا أبطال جدد في حكاياتنا الشعبية»، 3 كتّاب من مصر، هم: عبد الحكيم رخية عن نصّ «محاكاة سيرة الزير»، ومحمد سرور عن نصّ «الهلالي الصغير»، وهاني قدري عن نصّ «علاء الدين ومصباح صنع في الصين».

وخلال حفل الختام، الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، الجمعة، من إخراج خالد جلال، وتقديم الفنانة رانيا فريد شوقي، وتضمّن فقرات فنية واستعراضية لفرقة رضا للفنون الشعبية التابعة للبيت الفنّي للمسرح بوزارة الثقافة، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العربي (وزارة الثقافة المصرية)

وشملت العروض المكرَّمة: «كارمن» و«مرسل إلى» من مصر، والعرض القطري «الساعة التاسعة»، والجزائري «المفتاح»، والإماراتي «بابا»، واللبناني «بيكنك عَ خطوط التماس»، والأردني «فريجيدير»، إضافة إلى «مأتم السيد الوالد» و«طلاق مقدس» من العراق، والعرض الكويتي «من زاوية أخرى»، ومن تونس «الهاربات» و«جاكرندا» و«كيما اليوم»، ومن المغرب «مواطن اقتصادي» و«ويندوز F».

ووصفت الكاتبة والناقدة المسرحية المغربية بشرى عمور فعاليات الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي» بـ«المتنوّعة والمتميّزة»، مؤكدة أنّ تنظيم «الهيئة العربية للمسرح» ووزارة الثقافة المصرية، إلى جانب الحرفية والانضباط وتوزيع المَهمّات اللوجيستية، كان مميّزاً في أدقّ التفاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ مهرجان «المسرح العربي» استطاع ترسيخ ركائزه في الساحة المسرحية العربية، وصار تقليداً سنوياً للمسرحيين في مختلف المجالات، إذ حافظت «الهيئة العربية للمسرح» على برامجها الأساسية المتمثلة في العروض، والمناقشات النقدية والتطبيقية، والندوات الفكرية، والورشات الفنّية، وتوقيع الإصدارات، ودعم الكتّاب، لافتة إلى أنّ عروض هذا العام جاءت متفاوتة في الطرح والمدارس الفنّية والقضايا المجتمعية، بما يصبّ في مصلحة المُشاهد العربي.

وشهد المهرجان، على مدى أيامه الستة، عدداً من الندوات الثقافية والنقدية حول العروض المسرحية، إضافة إلى قضايا متنوّعة مُتعلّقة بالمسرح المصري، ورموزه، وإشكالياته، وتقنياته، وتطوّره.

ومن جهتها، أكدت الناقدة البحرينية الدكتورة زهراء المنصور أنّ المهرجان شهد تنوّعاً واضحاً في مستوى العروض المشاركة، إذ تباينت التجارب بين ما هو لافت ومجتهد فنّياً، وبين عروض أكثر تقليدية في طرحها وأدواتها.

توزيع الجوائز في حفل ختام مهرجان المسرح العربي (وزارة الثقافة المصرية)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أنّ هذا التنوّع يُحسب للمهرجان، كونه يتيح مساحة لرؤية اتجاهات مسرحية مختلفة، ويعزّز فرص الحوار وتبادل الخبرات بين صنّاع المسرح من مختلف البلدان العربية، مشيرة إلى أنّ المهرجان يظلّ منصة مهمّة لاكتشاف تجارب جديدة وقراءة تحوّلات الخطاب المسرحي العربي في سياقاته الجمالية والفكرية المتعدّدة.

ولفتت زهراء المنصور إلى أنّ العروض المسرحية شهدت تفاعلاً ملحوظاً من الجمهور، الذي تنوَّعت ردود فعله تبعاً لاختلاف التجارب المقدَّمة، وهو ما يعكس أهميته بوصفه «فضاء حيّاً» للقاء بين العرض والمتلقّي، إذ فتح هذا التفاعل المجال لنقاشات جمالية وفكرية ضرورية، ومنح العروض حياتها خارج خشبة المسرح، سواء عبر الحوار المباشر أو القراءة النقدية اللاحقة.

وفي السياق عينه، وعلى هامش «مهرجان المسرح العربي»، تُقام الدورة الـ5 من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة»، للمرة الأولى في مصر، من 21 إلى 23 يناير الحالي، بمشاركة مصرية وعربية واسعة، تشمل عدداً من الجلسات الفكرية وعروض العرائس.


ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
TT

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

يتيح ملتقى طويق للنحت في نسخته السابعة التي انطلقت الاثنين في أحد أهم شوارع العاصمة السعودية، تجربة ثقافية تفاعلية تُعزِّز حضور الفنِّ في الفضاء العام، وتُقرِّب الجمهور من الممارسة النحتية المعاصرة.

وأطلق ملتقى طويق للنحت 2026 برنامجاً ثقافياً وفنِّياً متنوِّعاً، يضمّ ورشات عمل تطبيقية، وجلسات حوارية، ودورات متقدّمة، وتجارب فنّية مسائية، تُقام في موقع الملتقى على شارع الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية)، وتستمرّ حتى 22 فبراير (شباط) المقبل، وذلك تحت إشراف برنامج «الرياض آرت» التابع للهيئة الملكية لمدينة الرياض.

النحت الحي للفنان الإيطالي نيكولا فوشي في معرض طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

وتأتي الفعاليات المُصاحبة للملتقى امتداداً لتجربة النحت الحيّ التي تنطلق يومياً من العاشرة صباحاً، وتتيح للجمهور التفاعل المباشر مع الفنانين المُشاركين، ومتابعة تشكُّل الأعمال النحتية في الفضاء العام. ويتناول الملتقى هذا العام شعار «ملامح ما سيكون» الذي يُعد نموذجاً للتحوّل، ويركّز على التغيّرات الفيزيائية والثقافية التي تُشكّل المدن عبر الزمن. وتنعكس هذه الرؤية في محتوى الورشات والحوارات التي تستكشف العلاقة بين النحت والفضاء العام، ودور العمل الفنّي في صياغة الذاكرة الجمعية والهوية البصرية للمدينة.

منطقة الجلسات الحوارية في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

وتتناول الجلسات الحوارية موضوعات مرتبطة بالنحت في المشهد الحضري المعاصر، من بينها حضور المنحوتات في الأماكن العامة، وأثرها في تحسين جودة المشهد البصري، ودورها في تعزيز التفاعل الثقافي داخل المدن، بمشاركة فنانين ومتخصّصين يقدّمون قراءات متعدّدة لتجربة النحت وعلاقتها بالمكان والمجتمع. ويتضمَّن البرنامج ورشات عمل تطبيقية ودورات متقدّمة تُحاكي فئات متنوّعة، وتُقدّم تجارب تعليمية وتفاعلية للتعرُّف على تقنيات النحت، واستخدام المواد، ومفاهيم الاستدامة، من خلال ممارسات عملية تُشرف عليها نخبة من الفنانين المُشاركين، وبمشاركة جهات متخصّصة، من بينها المعهد الملكي للفنون التقليدية (ورث) الذي يقدّم ورشة للنحت باستخدام الخشب.

من المعرض المُصاحب لملتقى طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

ويُقدّم ملتقى طويق للنحت تجارب فنّية خلال ساعات المساء، تجمع بين العناصر الموسيقية والضوئية والعروض الأدائية، بما يمنح الزوَّار فرصة استكشاف الأعمال النحتية في أجواء مختلفة خارج ساعات النهار، معزّزاً حضور الفنّ في الحياة الحضرية اليومية.

ويعتمد الملتقى جدولاً مسائياً خاصاً خلال رمضان، بما يتناسب مع أجواء الشهر الكريم، ويتضمَّن ورشات عمل عملية، وجلسات قصصية، وبازار رمضان، وسوقاً مسائية تضمّ أطعمة محلّية ومنتجات حرفية يدوية، مثل الفخار والصوف والحُلي بالخرز، والحقائب الجلدية.

وتُختتم الفعاليات بمعرض عام يُقام من 9 إلى 22 فبراير؛ إذ تُعرض الأعمال الفنّية المكتملة التي أُنتجت خلال مرحلة النحت الحي، تمهيداً لانضمامها لاحقاً إلى المجموعة الدائمة للأعمال الفنّية في مدينة الرياض؛ علماً بأنّ جميع الفعاليات متاحة مجاناً للجمهور.


فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
TT

فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)

ظهرت فرقة كرنفالية إسبانية في مقاطع مصوَّرة انتشرت بشكل واسع، يرتدي أعضاؤها زيّ العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ، ويتنقّلون على كراسٍ متحرّكة، في عرض غير مألوف يهدف إلى رفع الوعي بمرض التصلّب الجانبي الضموري.

ووفق ما نقلته «نيويورك بوست» عن وسائل إعلام إسبانية، ارتدى 12 رجلاً شعراً مستعاراً وملابس تُحاكي مظهر هوكينغ، وانحنوا على كراسٍ متحرّكة، مُقلّدين إيماءاته وصوته الآلي المميّز، خلال عرض موسيقي استمر 30 دقيقة ضمن مسابقة الفرق الكرنفالية الرسمية في مدينة قادس.

وكان هوكينغ، الذي تُوفّي عام 2018 إثر مضاعفات مرتبطة بالمرض العصبي المُنهك، أحد أشهر الأصوات في مجال العلوم، رغم اعتماده على جهاز نطق إلكتروني للتواصل.

وانتشر عرض الفرقة، التي حمل عملها اسم «أغنية شيريجوتا شعبية من الناحية النظرية»، على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهرت وهي تجوب شوارع المدينة المرصوفة بالحصى على كراسٍ كهربائية، وتغنّي معاً بشكل متوافق منسجم وموحَّد، وسط ذهول الحشود التي تابعت المشهد في حالة من عدم التصديق.

وقال مؤلّف العمل، ميغيل أنخيل يوي، إنّ «الفكرة كانت إما كلّ شيء وإما لا شيء»، معترفاً بأنّ العرض الغريب كان فكرة تتضمَّن مخاطرة، وتستهدف توظيف الفكاهة السوداء من دون الإساءة إلى أحد. وأضاف: «لا داعي للانزعاج، فالأمر كلّه من أجل الضحك».

وعندما صعد المؤدّون إلى خشبة «مسرح فايا»، بقوا على كراسٍ متحرّكة بينما تتساقط عليهم قصاصات الورق الملوّن، وأدّوا أغنيات أشادت بالعالِم البريطاني الشهير ونظرياته حول الفضاء، والزمن، والثقوب السوداء، والنسبية، وفق مقطع مصوّر نُشر عبر موقع «يوتيوب».

ورغم أنّ العرض أثار ضحك الجمهور، فإن كلمات الأغنيات حملت رسائل مؤثّرة أضاءت على معاناة مرضى التصلّب الجانبي الضموري، وجاء في أحد المقاطع: «انتصرتُ وحدي»، وفق وسائل إعلام إسبانية.

وقبل الجولة التمهيدية، الأربعاء، دعت الفرقة جمعية التصلّب الجانبي الضموري في الأندلس إلى حضور بروفة بملابس العرض، إذ أبدى المرضى موافقتهم على أداء العرض، الذي قوبل بتصفيق حار وقوفاً خلال المسابقة.

وقال يوي: «نميل إلى الالتزام بهذه القضايا لأنّ باكو (المخرج) يعمل مع أشخاص من ذوي الإعاقة، وكانت الفكرة أن نمنحهم صوتاً وحضوراً».

وبعد انتهاء المسابقة، تُخطّط الفرقة للتبرّع بالكراسي المتحرّكة الـ12 لمرضى التصلّب الجانبي الضموري المحتاجين. وأضاف يوي: «هذه كراسٍ متحرّكة حقيقية تبلغ تكلفة الواحد منها 400 يورو». وختم: «وبما أننا تحمّلنا العبء، فالأجدر أن نُنهي المهمّة».