قبل فوات الأوان... بوكيتينو الحل الأمثل لمانشستر يونايتد

التعاقد مع مدير فني جيد أهم بكثير من إبرام صفقات لحفظ ماء الوجه

TT

قبل فوات الأوان... بوكيتينو الحل الأمثل لمانشستر يونايتد

خسر مانشستر يونايتد على ملعبه أمام توتنهام بستة أهداف مقابل هدف وحيد. وفي اليوم نفسه، انهار حامل اللقب ليفربول وخسر بسبعة أهداف مقابل هدفين أمام أستون فيلا على ملعب «فيلا بارك». وفاز وستهام يونايتد بمباراته الثانية على التوالي؛ وهو ما يعكس حقيقة أنه يمكن لأي فريق أن يهزم أي فريق آخر في الدوري الإنجليزي الممتاز، أو ربما يكون السبب في ذلك هو انهيار نظام العمل خلال هذا الخريف بسبب التعب والإرهاق، وقلة وقت التحضير والاستعداد، وغياب المشجعين عن الملاعب.
لكن خسارة مانشستر يونايتد كانت تختلف تماماً عن خسارة ليفربول. صحيح أن الطريقة التي يلعب بها ليفربول قد ظهرت خطورتها في الآونة الأخيرة، وصحيح أن هذا الانهيار الدفاعي كانت له مقدمات ولم يأتِ من دون تحذير مسبق، لكن الخسارة بسباعية أمام أستون فيلا كانت بمثابة مفاجأة كبيرة وصدمة حقيقية، حتى وإن خفف البعض من وطأة ذلك من خلال الإشارة إلى أن ليفربول كان يلعب من دون قائده جوردان هندرسون، ونجمه السنغالي ساديو ماني، وحارس مرماه الأساسي أليسون بيكر.
لكن على النقيض من ذلك، كان أداء مانشستر يونايتد أمام توتنهام هو الأداء المعتاد للفريق في الآونة الأخيرة. ففي عطلة نهاية الأسبوع الأول من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، خرج مانشستر يونايتد لمواجهة نيوكاسل وقدم أداءً ضعيفاً وسيئاً وخسر بهدف دون رد، وهو ما كان يعني أن الفريق قد جمع عدداً من النقاط خلال أول ثماني مباريات في الموسم أقل مما جمعه خلال هذه المرحلة في أي موسم من المواسم الثلاثين الماضية. فهل تغير أي شيء بالفعل؟
ربما يبدو أن الفريق أصبح أفضل من ذي قبل، بعد ضمه برونو فرنانديز ودوني فان دي بيك، وهما لاعبان جيدان للغاية، حتى لو لم يعد فرنانديز يقدم المستويات المبهرة نفسها التي كان يقدمها فور انضمامه إلى الفريق في يونيو (حزيران) الماضي. كما أن ميسون غرينوود يقدم مستويات جيدة ومثيرة للإعجاب. وعلاوة على ذلك، ضم مانشستر يونايتد الظهير الأيسر البرازيلي أليكس تيليس من بورتو البرتغالي، كما ضم المهاجم المخضرم إدينسون كافاني، وكان يسعى للحصول على خدمات عثمان ديمبيلي على سبيل الإعارة. يجب التأكيد على أن جميع هؤلاء اللاعبين جيدون للغاية، لكنك تشعر بأنهم غير مناسبين للفريق. وبعبارة أخرى، يمكن أن يكون لديك أفضل مصابيح في العالم، لكنك لن تتمكن من إقامة المنارة التي تهتدي بها إذا لم يكن لديك صخرة تبني عليها تلك المنارة! كما أنك ستكون حتماً في حاجة إلى حارس لهذه المنارة.
يعد مانشستر يونايتد هو ثالث أغنى نادٍ في العالم من حيث الإيرادات، وبالتالي يمكنه التعاقد مع أي لاعب يريده. ومع ذلك، عيّن النادي أولي غونار سولسكاير على رأس القيادة الفنية للفريق؛ نظراً لأنه أحرز هدفاً مهماً عندما كان لاعباً للفريق قبل 21 عاماً! إن لطفه الواضح جعله لقمة سائغة في فم المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو في المباراة التي سحق فيها توتنهام مانشستر يونايتد بستة أهداف مقابل هدف وحيد. من الممكن أن يجعل سولسكاير فريقه يلعب بطريقة دفاعية ويعتمد على الهجمات المرتدة، لكنه لم يظهر أي دليل أو إشارة على أنه قادر على جعل الفريق يعتمد على الهجوم الشرس والضغط المتواصل على حامل الكرة، وهي الطريقة التي تلعب بها معظم الأندية في كرة القدم الحديثة اليوم. ولا يمكن لمانشستر يونايتد أن يستمر في رؤية الحزن في العيون الزرقاء لسولسكاير ويشعر بالتعاطف معه دون أن يأخذ قرارات حاسمة. وبعد المسيرة السيئة لسولسكاير على رأس القيادة الفنية لكارديف سيتي وهبوط الفريق لدوري الدرجة الأولى تحت قيادته، هل كان يمكن لأي نادٍ آخر في الدوري الإنجليزي الممتاز أن يتعاقد معه؟
لقد كان مانشستر يونايتد هو الطرف الأضعف أمام كريستال بالاس، وأمام برايتون، وأمام توتنهام. لكن ما حدث أمام توتنهام قبل التوقف الدولي كان هو الأسوأ على الإطلاق، وذكّرنا بالأداء السيئ الذي قدمه الفريق عندما خسر بخماسية نظيفة أمام كريستال بالاس في ديسمبر (كانون الأول) عام 1972، عندما كشفت تلك المباراة عن العيوب والمساوئ كافة في الإدارة الفنية، والأجواء المسمومة والمشحونة داخل النادي.
وقدّم مانشستر يونايتد أداءً كارثياً في شوطي المباراة أمام توتنهام، لدرجة أن طرد أنتوني مارسيال كان شيئاً هامشياً، كما ظهر التوتر الشديد على بول بوغبا في تدخله العنيف على بيير إميل هوجبيرغ، واندفاع لوك شو المروع على لوكاس مورا.
ولم يكن أسوأ شيء في أداء مانشستر يونايتد هو الفوضى وعدم خطة واضحة يلعب بها الفريق - على الرغم من أن هذه مشكلة متنامية يعاني منها الفريق. لكن المشكلة الأكبر كانت تتمثل في أن اللاعبين يلعبون بلا مبالاة وعدم اهتمام أو مسؤولية. ولا يُعد سولسكاير هو المشكلة الوحيدة في النادي، وربما لا يكون حتى أكبر مشكلة في النادي، لكنه المشكلة التي يمكن حلها بسهولة. إن الأداء الذي قدمه مانشستر يونايتد أمام توتنهام يعكس غياب القيادة، وأنه لا يوجد مدير فني لديه سلطة على لاعبيه أو يحظى باحترام كبير بين لاعبيه وزملائه.
وفي الوقت نفسه، لا يزال المدير الفني السابق لتوتنهام، ماوريسيو بوكيتينو، متاحاً. وعاجلاً أم آجلاً سيتولى القيادة الفنية لأحد الأندية الكبيرة. لقد أظهر باريس سان جيرمان وريال مدريد اهتماماً سابقاً بالتعاقد مع المدير الفني الأرجنتيني، ومن غير المستبعد أن يتعاقد مع مانشستر سيتي كبديل لجوسيب غوارديولا. وحتى لو لم يحدث ذلك، فقد يشعر بوكيتينو بالملل من الانتظار ويوافق على التدريب في قطر أو الإمارات العربية المتحدة أو الصين. ويتعين على مانشستر يونايتد أن يدرك جيداً أن التعاقد مع مدير فني جيد أهم بكثير من إبرام صفقات لحفظ ماء الوجه من خلال التعاقد مع المهاجم الأورغوياني الطاعن في السن كافاني، أو التعاقد مع مهاجمين فرنسيين غير جيدين ومتاحين في سوق الانتقالات منذ أسابيع!
ويجب أن نعرف أن كل الهزائم بخمسة أهداف ليست متساوية، وأن ما حدث على ملعب «أولد ترافورد» أمام توتنهام أسوأ بكثير من خسارة مانشستر يونايتد بخماسية نظيفة أمام كريستال بالاس على ملعب «سيلهورست بارك» عام 1972، وأسوأ من خسارة ليفربول بسباعية على ملعب «فيلا بارك» أمام أستون فيلا. إن الهزيمة الثقيلة أمام توتنهام كانت محصلة طبيعية للتدهور والتراجع الحاد في أداء الفريق ومستواه. وعلى الرغم من أن مانشستر يونايتد يضم الكثير من المواهب الشابة الجيدة، فإن إعادة البناء ستستغرق بعض الوقت، ولسوء الحظ بالنسبة لسولسكاير، فإن إعادة البناء يجب أن تبدأ بالتخلص منه هو شخصياً!
وهكذا، وبعد تلقيه أسوأ هزيمة له منذ تسعة أعوام بخسارته أمام توتنهام على أرضه بسداسية، عاد مانشستر يونايتد إلى وضع مألوف لازمه في الأعوام الأخيرة وحرمه من المنافسة على لقبه الأول منذ 2013، منذ أن قرر المدرب الاسكوتلندي الأسطوري أليكس فيرغسون أن يعتزل التدريب في عقب نهاية موسم 2012 – 2013، تناوب على تدريب «الشياطين الحمر» خمسة مدربين، أحدهم بشكل مؤقت (الويلزي راين غيغز)، من دون أن ينجح أي منهم في إعادته إلى مكانته.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.