الهويات الاجتماعية... «تعرية الجذور» أو مواجهة الفوضى الشاملة

تكوين معقّد يقوم على تداخل عناصر عدة

هيغل  -  جان بول سارتر  -  فرانز فانون
هيغل - جان بول سارتر - فرانز فانون
TT

الهويات الاجتماعية... «تعرية الجذور» أو مواجهة الفوضى الشاملة

هيغل  -  جان بول سارتر  -  فرانز فانون
هيغل - جان بول سارتر - فرانز فانون

تحتمل فكرة الفيلسوف الألماني هيغل الشهيرة (في «فينومينولوجيا الرّوح - 1807») حول اكتساب البشر وعيهم الذاتي من خلال نظرة الآخر معنى يتجاوز المعنوي والحاجة السيكولوجية المحضة إلى المعرفي؛ إذ يستحيل بالفعل تأكيد تصوراتنا عن ذواتنا وقدراتنا وترقيتها إلى مستوى هوية عملية دون التأكيد عليها من قبل الأفراد الآخرين الذين نختلط بهم (والمجتمع ككل). فـ«الطريق إلى معرفة دواخلنا تمرّ بالضرورة عبر الآخر» كما يقول الفيلسوف الفرنسي سارتر (في «الوجود والعدم – 1943»).
لكن تلك الصيغة ليست تبادلية تعاونية بالمطلق؛ إذ ليس هناك ما يضمن أن تكون التغذية الراجعة التي نحصل عليها من الآخرين منزّهة عن عيوب الحكم والإدراك أو حتى الانحياز والهوى الشخصي. بل وتحدّث هيغل عن نوع من استحالة لتحقق اعتراف متبادل بين الأفراد عند اختلاف مواقعهم الاجتماعية: بين السيّد والخادم مثلاً؛ إذ إن السيّد سيرى نفسه دائماً بحكم ثقافته وآيديولوجيته أرفع مكانة من خادمه، وخبراته الذاتية ذات قيمة أكبر وأعمق، وأفكاره تستحق الانتباه والتقدير مقارنة بضآلة ما قد يقدّمه الخادم. وهي دون شك تصورات استباقية قد تجانب الصواب تماماً، وتتسبب بصعوبات عميقة للأشخاص الذين يحصلون على تقييم سلبي أو غير عادل في بناء احترام ذواتهم ونظرتهم لوجودهم ومشاريعهم على أنها ذات قيمة، ويعيق تطورهم النفسي والاجتماعي، لا سيما إذا كانت تصورات السادة الاستباقية تلك مرتبطة بآيديولوجية المجتمع ككل، ومنبثقة منها. وليس الخطر هنا - طبقيّاً كان وفق هيغل أو متعلقاً بالعنصرية العرقية وضحايا الاستعمار كما عند فانون (في «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء - 1952») - مقتصراً على نفسيات الأفراد، بل إن ثمة ضرراً اجتماعياً كبيراً على مستوى المجتمع الأهلي عامة يقع عند الحط من قدر مجموعة منه، سواء لناحية حرمانه إمكانات وطاقات تلك المجموعة، أو لانعدام سعة هؤلاء على الاشتراك في الحياة العامة بصفة متزنة، أو حتى تكوينهم شعوراً حقيقياً بالانتماء له.
ومن جهة أخرى، فإن سوء التقييم للآخر قد يكون بإضافة كسولة لهالة مبالغٍ بها حول معرفتهم أو خبرتهم أو قدراتهم على نحو يتسبب في منحهم ثقة لا يستحقونها، فيعرّضون بذلك المجتمع ككل إلى أخطار جمّة.
بالطبع يدرك السياسيون - ربما أكثر من غيرهم – خطورة تلك الهويات الاجتماعية المفروضة على الأشخاص بحكم وظائفهم أو عرقهم أو قوميتهم، وكثيراً ما يوظفونه للإيحاء بمواقف قد لا تكون صحيحة بالكلية. ففي المملكة المتحدة سارع بوريس جونسون فور تكليفه تشكيل حكومة جديدة في البلاد إثر الانتخابات العامة ديسمبر (كانون الأول) الماضي (2019) إلى تطعيم فريقه بكثير من الوجوه المنحدرة من أصول مهاجرة باكستانية وهندية، محاولاً الإيحاء ببريطانيا عصرية لمواطنيها كافة إثر خروجها من الاتحاد الأوروبي، وأن السلّم الاجتماعي مفتوح على مصراعيه للأقليات. لكن الحقيقة، أن تلك الكوادر كانت أكثر تطرفاً في السياسات التي تبنتها ضد المهاجرين ومجتمعاتهم، وبذلت الجهد الكبير للظهور بموقف الاصطفاف على يمين رئيس الوزراء اليميني، وأضرّت بالأقليات بأكثر مما قد يتجاسر عليه وزراء بريطانيون من ذوي البشرة البيضاء. وفي الولايات المتحدة كذلك عيّن الرئيس دونالد ترمب أميركياً من ذوي الأصول الأفريقية – بين كارسون – في منصب الوزير المعني بالتطوير الحضري والإسكان (العام المخصص لذوي الدخول المتدنية – وغالبيتهم من السود - ). لكن كارسون لم تكن لديه أي خبرة بالإسكان، ولم يسبق له أن أقام في إسكانات عامة من قبل، فهو جراح أعصاب مشهور وابن عائلة ثرية، وقد تسببت سياساته الإسكانية لاحقاً في توسيع الفجوة الطبقية والاقتصادية بين السكان على نحو يضرّ أساساً بالأقليات – ومنهم السود –، في حين تمنح امتيازات إضافية للمقتدرين اقتصادياً. وهو تماماً ما كررته قيادة الجيش الأميركي عندما أعلنت عشية الاضطرابات الواسعة التي تسبب فيها مقتل أميركي من أصول أفريقيّة اختناقاً بينما كان يتم اعتقاله من قبل الشرطة عن تعيين تشارلز براون – الأسود البشرة - قائداً لسلاح الجو في محاولة لإظهار أن مناصب السلطة العليا ليست محصورة بذوي البشرة البيضاء، في حين يعلم المطلعون على دواخل الجيش الأميركي، أن الأغلبية الساحقة لقياداته تظل مع ذلك من الأكثرية البيضاء.
ولعل مما يفاقم خطورة الهويات الاجتماعية المفروضة على الأفراد حقيقة أنها تكوين معقّد يقوم على تداخل عناصر عدة تختلف أهميتها بحسب اللحظة. فهناك الجنسية (وبعضنا قد يحمل أكثر من واحدة منها) والجندر والعرق والإثنية (أو تدرجات منها بالطبع) والدين (والطائفة أحياناً) والمجموعة العمرية والطبقة الاجتماعية والحالة الصحية، وغيرها، وهذه جميعها قد تخضع بشكل أو بآخر لمحاولة الفرد إظهارها أو إخفاءها (بطريقة اختيار الثياب مثلاً).
هذه التركيبة المتشابكة قد تفقد في النهاية أي قيمة عملية لها لناحية إغناء التبادل الاجتماعي بين الأفراد، وقد تقود إلى وقوعهم في أخطاء معرفية أو تحوّلهم ضحايا لتوظيفات سياسية فاسدة.
الضوء الوحيد هنا يقتصر ربما على حقيقة أن الهويات الاجتماعية ليست قدراً محتماً، وهي بالمعاني التي تكتنفها في عين مجموعة بشرية معينة معمار مجتمعي محض نتج من خبرات لها في مراحل تاريخية معينة كالحروب والثورات والاستعمار وتجارة العبيد واستيطان أراضي الغير، وغالباً تحت تأثير عمل مؤدلج متعمّد اقترفته نخبة ما خدمة لمصالحها، وأن تعرية تلك الجذور قد تمنح المجتمعات فرصة لإعادة النظر في كثير منها. لكن هذه مهمة لا يرتجى منها الكثير إذا اقتصرت على أفراد قليلين؛ إذ هم في النهاية مهما غيّروا أفكارهم الذاتية بشأن هويات اجتماعية محددة، فهم مضطرون إلى التعامل مع الصورة الجمعية الغالبة، التي وإن كانت متخيلة إلا أنها واقعية، وتنعكس عملياً على سلوك معظم الأفراد تماماً كما لو حقيقية (وهذا ما يبرر سعي البعض إلى الهجرة أحياناً كطريقة للهرب من الاستجابات الاجتماعية السلبية التي ترتبط بهوية اجتماعية ما ضمن مجموعة معينة. فالمكسيكيون في أوروبا على سبيل المثال، لا يعانون من النظرة الدونية التي يتعاطى بها معهم المجتمع الأميركي، وهكذا). ولذلك؛ فإن مهمة «تعرية الجذور» ينبغي أن تكون خياراً مجتمعياً تبذل لأجله جهود وميزانيات وموارد بشرية، ويوجّه في إطار سياسات استراتيجية عبر مختلف أدوات إنتاج الآيديولوجيا من المدارس إلى الجامعات، ومن وسائل الإعلام إلى القوانين، مع الاستعانة بسياسات لتفكيك العوامل الاقتصادية أو المعيشية التي تكرّس المعاني السلبية الملصقة بهويات معينة، وتطعيم المناصب العامة والمؤثرة في المجتمع بممثلين عن أصحاب تلك الهويات.
وهذه بالطبع تتطلّب إرادة عامة قادرة على كسر احتكار علاقات القوة التي قد يكون في مصلحة بعضها على الأقل إبقاء الأوضاع التمييزية ضد هويات معينة كما هي دون تغيير.
ليس أمر «تعرية الجذور» – كما أثبتت الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة – مجرد ترف نظري يوتوبي النزعة يقتصر التأمل بشأنه على المثقفين والمتخصصين، بل هو اليوم وأكثر من أي وقت مضى حاجة عملية ماسّة إن أرادت المجتمعات المعاصرة إصلاح حالة تفاقم انعدام العدالة فيها والتأزم، الاقتصادي – السياسي – الاجتماعي الناتج منها والذي لا بدّ سينتهي مهما تأجل إلى انفجار ينذر بالتحوّل إلى فوضى شاملة تطيح بأصحاب الامتيازات قبل غيرهم.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.