عودة ماري بوبينز... البحث عن المربية التقليدية في العصر الحديث

ارتفع الطلب عليها في زمن الجائحة

شخصية ماري بوبينز التي أدت دورها الممثلة جولي أندروز في الفيلم الذي جرى عرضه عام 1964هي النموذج التقليدي للمربية (غيتي)
شخصية ماري بوبينز التي أدت دورها الممثلة جولي أندروز في الفيلم الذي جرى عرضه عام 1964هي النموذج التقليدي للمربية (غيتي)
TT

عودة ماري بوبينز... البحث عن المربية التقليدية في العصر الحديث

شخصية ماري بوبينز التي أدت دورها الممثلة جولي أندروز في الفيلم الذي جرى عرضه عام 1964هي النموذج التقليدي للمربية (غيتي)
شخصية ماري بوبينز التي أدت دورها الممثلة جولي أندروز في الفيلم الذي جرى عرضه عام 1964هي النموذج التقليدي للمربية (غيتي)

في كثير من الأحيان خلال عملها كمديرة لإحدى وكالات العقارات كانت السيدة كريستين رايس غالبا ما تجد نفسها تحاول تلبية طلبات العملاء بالعثور على نوع خاص من مربيات الأطفال، وهي تقول عن ذلك: «غالبا ما يتصل بي العملاء ويقولون إنهم في حاجة إلى مربية من شاكلة ماري بوبينز العصر الحديث، ويعلم الجميع تماما ما الذي يعنيه هذا الاسم بالضبط».
وتابعت السيد رايس توضيحها للأمر بقولها إن ذلك الاسم يشير إلى النموذج القديم من مربيات الأطفال ذات السمات الرائعة من الصبر، وإشاعة البهجة، والذوق، والأدب الرفيع. وهي في غالب الأمر ما تكون سيدة من السيدات. وهي تعكس مزيجا شجاعا من المعلمين والمدربين الذين يتزايد عليهم الطلب لدى مختلف العائلات الموسرة التي تحاول توفير فرص التعليم المناسبة والآمنة لأطفالها في خضم أزمة الوباء العسيرة الراهنة.
ولقد أسفرت قرارات إغلاق المدارس وفرض القيود الاجتماعية المختلفة إلى ارتفاع الطلب عليهن وجعلت من البحث عنهن ضرورة من الضرورات الملحة. تقول السيدة أنيتا روجرز – وهي المؤسسة والمديرة التنفيذية لشركة «بريتيش أميركان هاوس هولد»، وهي وكالة التوظيف المحلية: «تعرضنا على مدار الأسابيع الستة أو الثمانية الماضية إلى كم هائل من الطلبات على المعلمين ومربيات الأطفال التي ظلت تصل إلينا من مختلف أرجاء البلاد».
واستمرت الطلبات الكثيرة في التوالي والتضاعف سيما مع استعداد أغلب العائلات لفصل الخريف مع الصعوبات المعروفة التي تصاحب طرق التعلم عن بعد، وقالت السيدة روجرز عن ذلك أيضا: «نحن نقوم بعمل جيد للغاية في أجواء الوباء الفتاك الراهنة».
كما أفادت السيدة أبريل بيروبي – وهي المؤسسة والمالكة لشركة «ويلينغتون» المعنية بالتوظيف في مدينة بالم بيتش في ولاية فلوريدا بأن الطلبات قد انهالت عليها هي الأخرى، وقالت: «لقد شهدنا خلال الفترة الماضية زيادة كبيرة في الطلبات على المربيات أو المربيات المعلمات ممن لديهن خلفية جدية في أمور التعليم». وأغلب الطلبات تأتي من أجل المربيات الشابات ممن لديهن الاستعداد للعيش داخل المنازل لفترة غير محددة من الزمن مع التأهل تماما لتولي المسؤولية الدراسية في مختلف الموضوعات التي تتراوح من الرياضيات، إلى تلقين آداب الجلوس إلى مائدة الطعام.
ومن شأن مربية الأطفال المعاصرة أن تعمل لدى إحدى العائلات الثرية بصفة رسمية تلك التي تحتفظ بعمالة أخرى من السائقين، والطهاة، ومديرة المنزل، وما إلى ذلك. ولكن على العكس تماما من المعنى التقليدي لمربية الأطفال العادية، من المتوقع لمربية العصر الحديث أن توفر نسخة متطورة وحديثة من التعليم المنزلي إلى الأطفال.
وفي أغلب الأحيان لا تستلزم مثل هذه الوظيفة وجود مربية للأطفال تحمل درجة جامعية متقدمة من إحدى الجامعات أو الكليات المرموقة في المجتمع، أو التي تتقن العديد من اللغات الأجنبية، أو تتحلى بدرجة فائقة من الأخلاق الأرستقراطية التي تنافس بها تقاليد سيدات المجتمع الراقي.
بيد أن الوظيفة المشار إليها قد صيغت بإضفاء الطابع الديمقراطي عليها بعض الشيء. تقول السيدة رايس: «لم تعد تلك الوظيفة مقصورة على العائلات الراقية ذات الثروات الهائلة كما كانت الأوضاع في الماضي». وخلال الأزمة الصحية الراهنة التي لا تعكس أي علامات حقيقية تفيد بانحسارها أو احتوائها، من شأن أغلب العائلات ذات القدرات المالية المعقولة أن تبحث عن مربية من أجل أن تقوم مقام الوالدين لدى الأطفال الصغار أو الفتية والفتيات من سن المراهقة.
ربما يحاول عدد من العائلات التواصل مع الكثير من وكالات التوظيف المحلية التي بدأت في الظهور خلال الفترة الأخيرة من مدينة بوسطن وحتى البحرين، حيث ظهرت شركات من شاكلة شركة «كواليتي ناني» في ولاية كولورادو، وشركة «إيليت نانيز» في مدينة غرينتش بولاية كونيتيكت، أو شركة «لوير» في الجانب الشرقي من مانهاتن في مدينة نيويورك، حيث تتطلب كافة إعلانات الوظائف المنشورة لمهنة مربية الأطفال: توافر درجة ممتازة من التعليم، وامتلاك رخصة سارية لقيادة السيارات، وجواز للسفر، مع الاستعداد الدائم للانتقال إلى أماكن أخرى.
وأشارت السيدة بيروبي إلى أن هناك عائلات تحاول الفرار من مواجهة وباء كورونا المستجد بالانطلاق إلى منازل العائلات في منتجعات مثل مدينة آسبن أو بالم بيتش، في حين أن هناك عائلات أخرى تحاول فعل نفس الشيء وإنما عن طريق السفر إلى أماكن بعيدة في خارج البلاد.
تحاول بعض العائلات التأكيد على أنها تبحث عن مربية ذات قدرات «حاكمة». ويبعث المسمى في حد ذاته شعورا بالهيبة والوقار على صاحبته، كما تقول السيدة روجرز، في حين أن تحاول بعض العائلات الأخرى الاستفسار عن الأمر وإنما بطرق غير مباشرة.
تقول السيدة بيروبي: «يفضل أغلب العائلات نسخ المواصفات التي يتابعونها عبر الإنترنت. وغالبا ما يرسلون وصفا محددا للمربية التي يفضلون الحصول عليها. مما يعني أن تكون شخصية لبقة للغاية في حديثها، وحسنة المعشر، وتحمل درجة الماجستير في التعليم. وربما يفضلون الحصول على مواصفات أخرى لمربيات لديهن خلفية جيدة حول الفنون». وتتراوح الرواتب في مثل هذه الحالة من 80 إلى 150 ألف دولار عن العام الواحد.
ويبعث الوصف الوظيفي نفسه «المربية الحاكمة» بلمحة من الغرابة على عصرنا الحالي، مع استحضار تلك الهيئة الوقورة الباعثة على الصرامة لمربيات العصر الفيكتوري بملابسهن المتأنقة وعطورهن الهادئة وتستجلب إلى الذاكرة شخصية المربية «بيكي شارب» السينمائية أو شخصية المربية «أغنس غراي» الروائية، بقدر ما يحمله المسمى نفسه من معان متواترة.
تقول السيدة روجرز عن ذلك: «من يرغب في تعيين مربية حاكمة في أيامنا هذه؟ لست أنا على أي حال»، في إشارة إلى العميل النموذجي للغاية الذي قد لا يوجد على الإطلاق، واستطردت تقول: «إنها كمثل العائلات التي تريد تعيين معلم لأطفالها يشبه شخصية من شخصيات الأفلام التقليدية بعيدا عن واقع الحياة المعاصرة».
هذا من الانطباعات التي تحاول بعض وكالات التوظيف المحلية العمل على تعزيزه، ممن يعتبرون اللهجة البريطانية الرصينة من بين مميزات المربية الحديثة، تماما كما تنشر وكالة «ديوك أند دوتشس» لخدمات التوظيف الدولية في إعلانات الوظائف لديها، إذ ترغب العديد من العائلات الدولية أن يتلقى أطفالها اللغة الإنجليزية المحضة من دون الميل إلى لهجة معينة من لهجاتها المعروفة.
إن هذا النوع من النخبوية الضمنية يثير الدهشة. إذ تقول السيدة روث براندون – وهي الروائية والكاتبة الصحافية البريطانية، ومؤلفة كتاب في عام 2008 تحت عنوان (المربية الحاكمة: حياة شخصية جين إير الحقيقية): «يبدو الأمر بالنسبة لي أنه مثال آخر على الطريقة التي ينقسم المجتمع الواحد بها بين طبقة الأثرياء وبقية طبقات المجتمع».
وأضافت السيدة براندون تقول: «يحاول الأثرياء على نحو متزايد الفرار من سداد الضرائب، مع فرض العزلة الاختيارية على أنفسهم ضمن كينونات الراحة البعيدة عن الآخرين، وبالتالي لا تثور الرغبة الحقيقية لديهم في المشاركات الشخصية أو الاستثمار في مجالات الخدمات العامة، بما في ذلك التعليم».
ومن الناحية التاريخية، لم تستثنَ شخصية المربية الحاكمة التقليدية من مثالب النقد والنظرات السلبية. لقد جرى اعتبارها شخصية مثالية من الزاوية النسوية البطولية، أو السيدة جين إير ذات المآسي والمعاناة الممتدة، التي لا تنكر فقرها ولا تتخلى عن كبريائها، وتحاول النجاة في صمود من كل أزمة تلازمها، مع الحفاظ دوما على نزاهة شخصيتها وسلامة معيتها.
وكانت شخصية المربية الحازمة غامضة للغاية كمثل دور «ناني ويست» المربية الممرضة في مسلسل «داونتون آبي» البريطاني. وتقول الطاهية ديزي – من شخصيات المسلسل نفسه: «من يرغب أبدا في تبادل الأدوار معها؟ إنها ليست فردا من أفراد العائلة كما أنها ليست واحدة منا أيضا».
وحتى الآن، في العصر الذي من المفترض أنه أكثر قبولا عن ذي قبل، يثير أداء شخصية المربية الحاكمة الحازمة قدرا معتبرا من الريبة، إذ تقول السيدة براندون: «إنها شخصية تجمع كافة الجوانب غير الطيبة من أساليب التعليم المنزلي الداخلي. حيث لا يستطيع الطفل تكوين الصداقات الجديدة من نفس فئته العمرية، كما أنه لا يستطيع خوض غمار الحياة لما هو أبعد من جدران المنزل. وبصفة جزئية، فإن مجال الموضوعات الدراسية والحياتية المطروحة بين يدي الصغار محدود للغاية، ومقتصر فقط على ما تعرفه المربية الحاكمة ليس أكثر».
ومع ذلك، ومن الناحية المثالية في هذه الأيام المعاصرة، تفرض شخصية المربية الحاكمة الاحترام كموظفة بارعة للغاية في مجال مهني بالغ الصعوبة باستمرار. إذ تقول كاثرين باترسون – وهي اختصاصية التوظيف التي شغلت وظيفة المربية الحاكمة بنفسها في بداية حياتها المهنية: «هي ليست مجرد بديل حاضر عن المربية العادية، رغم أن واجبات المربية الحديثة قد تكون جزءا لا يتجزأ من مهامها الوظيفية».
وأضافت السيدة باترسون تقول: «إنها مسؤولة مسؤولية كاملة عن سلامة ورفاهية الطفل الذي ترعاه. ولكن دورها الحقيقي لا بد أن يتوافق تماما مع دور المعلم، ذلك السيناريو الوظيفي الذي صار شائعا بصورة متزايدة سيما مع ارتفاع عدد أولياء الأمور الذين يرغبون في تعليم أطفالهم داخل المنازل».
إن موقف المربية المنزلية دقيق للغاية، وهو يمتد من تعليم الأطفال وحتى التطور العاطفي والتقدم الاجتماعي للطفل. وليس من العجيب أن العائلات تتطلب وجود خلفية من دراسة علم النفس أو تنمية الأطفال في السير الذاتية الخاصة بالمربيات المنزليات، كما أشارت السيدة رايس من قبل.

- خدمة {نيويورك تايمز}


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.