بيل دي بلازيو... عمدة نيويورك ووجه يسارها

بسبب {كوفيد ـ 19} قد يخسر المواجهة مع كومو وموقعه في الحزب الديمقراطي

بيل دي بلازيو... عمدة نيويورك ووجه يسارها
TT

بيل دي بلازيو... عمدة نيويورك ووجه يسارها

بيل دي بلازيو... عمدة نيويورك ووجه يسارها

لا يمكن تقديم تفسير دقيق عن أسباب صعود شخصية سياسية أميركية عامة إلى مرتبة النجوم، لتهوي بعدها في سقوط دراماتيكي يطيح صورتها، ما لم تتمكن من استدراك هذا السقوط عبر إعادة خلط أوراق تحالفاتها وانحيازاتها مع الطبقة السياسية، سواء أكانت من الحزب الديمقراطي أم الجمهوري.
هذا هو حال بيل دي بلازيو «عُمدة»... أو رئيس بلدية مدينة نيويورك «عاصمة العالم» وأشهر مدن الولايات المتحدة. دي بلازيو القادم من تجربة «يسارية» كان إحدى الشخصيات «الواعدة» في الحزب الديمقراطي، بعدما أعاد تموضعه جزئياً داخل تياراته الآيديولوجية. إلا أن محاولته الابتعاد عن التيار اليساري لم تتكلل بالنجاح كثيراً، ليخسر كلاً من هويته الأصلية والجديدة المختلطة معاً، مصطدماً بشكل مبكر بحاكم ولاية نيويورك أندرو كومو، الديمقراطي الوسطي، رفيقه وصديقه اللدود.
جائحة «كوفيد - 19» التي ضربت الولايات المتحدة، والعالم، منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، وتسببت بأزمة صحية غير مسبوقة، ضربت مدينة نيويورك بالذات بشكل حاد. إلا أن التنافس بين حاكم الولاية آندرو كومو و«عمدة» حاضرتها الكبرى بيل دي بلازيو يعود إلى تسعينات القرن الماضي. بل إن خلاف كومو ودي بلازيو يُعد اليوم بمثابة الحلقة الأخيرة في مسلسل علاقتهما المتوترة، التي أظهرت ذلك بشكل جلي بعد تولي الأخير رئاسة بلدية نيويورك عام 2014. ولكن، مع هذا، ثمة مَن يشير إلى أن علاقة الرجلين ما كانت كذلك دائماً.
لقد بدأت العلاقة بين الشخصيتين السياسيتين الأبرز في نيويورك عام 1997، عندما شغل كومو منصب وزير الإسكان والتنمية الحضرية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، وأقدم على تعيين دي بلازيو مديراً إقليمياً للوزارة في نيويورك؛ حيث كان يقدم تقاريره مباشرة له، وفي ذلك العام قاد دي بلازيو حملة كومو الفاشلة لمنصب الحاكم.
ثم بعد 7 سنوات، دعم حاكم نيويورك السابق الشهير ماريو كومو، والد الحاكم الحالي آندرو، دي بلازيو. ويتندّر سكان نيويورك بأنه لم يسبق لهم أن شهدوا هذا النوع من التوتر بين رجلين، كانا صديقين وزميلين في حزب واحد قبل أن يصبحا خصمين. وللعلم، يعتبر البعض أن «التنافر» بينهما اليوم يعود جزئياً إلى أسباب آيديولوجية، كون دي بلازيو أكثر يسارية أو تقدمية... في حين يُصنّف كومو بأنه ديمقراطي ليبرالي على طريقة بيل كلينتون. أضف إلى ذلك، أنه نتاج طبيعي للطيف السياسي في المدينة الكبرى؛ حيث فضّل دي بلازيو مهاجمة «النظام»... واتهامه بالتلاعب لمصلحة الأغنياء.

الصراع داخل الديمقراطيين
من نافلة القول إن الصراع بين الرجلين يعكس الصراع داخل الحزب الديمقراطي، الذي يعتبر، وهنا المفارقة، من حزب الأغنياء الليبراليين ورجال المال والأعمال غير المتدينين وشركات التكنولوجيا وكبار الصناعيين والمتموّلين وسكان المدن الكبرى؛ حيث قيَم الليبرالية والانفتاح أساسية لأعمالهم. وفي المقابل، نجده أيضاً حزب التقدميين الساعين لإعلاء الطبقة الوسطى بعمالها وموظفيها.
هذان التياران يتوحّدان في مواجهة الحزب الجمهوري، حزب المزارعين وعمال الصناعات القديمة وسكان الضواحي والمتشدّدين دينياً وعرقياً، ولا سيما من البيض المسيحيين الأوروبيين. هكذا ينقسم الأميركيون اليوم في انتخابات يعتبر كثيرون أنها مصيرية. غير أن مآل المواجهة بين الحزبين، لا يمكن أن تنتهي على نقيض من تطوّر التاريخ. ثم إن الانحياز إلى «اليسار» لم يعد جواباً آيديولوجياً شافياً، في ظل أزمة هذا اليسار منذ انهيار تجاربه، القديمة منها والجديدة مع انهيار نموذج دول أميركا اللاتينية، وأزمة الديمقراطية نفسها.
كومو «الوسَطي» الذي حذّر من أن الراديكالية التقدمية يمكن أن تقوّض «الأجندة» الليبرالية للحزب الديمقراطي، ربما اعتبر في البداية أن دي بلازيو يشكّل تهديداً يجب تحييده. لكن من غير الواضح أسباب إحجامه عن العمل داخل الحزب حتى الآن من أجل إزاحته على الرغم من خفوت نجمه السياسي. وما يذكر أنه يُنظَر إلى كومو، الذي يعتبر من الساسة الأذكياء، على أنه السياسي الديمقراطي الأقوى في نيويورك، وحقق بالفعل انتصارات انتخابية وشعبية كبيرة، في حين تعثّرت جهود دي بلازيو للظهور حاملاً لواء التيار التقدمي.

تربية يسارية... وتعليم راقٍ
بيل دي بلازيو هو الابن الثالث لماريا أنجيلا دي بلازيو ووارين فيلهلم. ويكبره شقيقان هما ستيفن ودونالد. ولقد وُلد بيل عام 1961 في أحد مستشفيات مانهاتن بقلب مدينة نيويورك، بعدما غادر والداه منزلهما في نوروك بولاية كونكتيكت. أما نشأته الأولى فكانت في مدينة كامبريدج، أشهر ضواحي مدينة بوسطن عاصمة ولاية ماساتشوستس المجاورة.
كان اسمه أصلاً وارين فيلهلم الابن، وغيّره إلى وارين دي بلاسيو فيلهلم عام 1983، ثم إلى بيل دي بلازيو عام 2001. تكريماً لعائلة والدته التي تولّت تربيته بعدما انفصل والداه حين كان طفلاً. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن والدته من أصل إيطالي ووالده من أصول ألمانية وإنجليزية وفرنسية وأسكوتلندية - آيرلندية. وكان جده لأبيه دونالد فيلهلم من ولاية أوهايو وجدته من ولاية أيوا. في حين جاء جده لأمه، جيوفاني من سانت أغاتا دي غوتي بينيفينتو، وجدته آنا من غراسانو ماتيرا في إيطاليا. ولقد عمل عمه دونالد جورج فيلهلم الابن في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) الأميركية في إيران، وكتب سراً مذكرات شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي.
التحقت والدته بكلية سميث (الجامعة العريقة الخاصة للنساء) وخدمت في مكتب معلومات الحرب خلال الحرب العالمية الثانية. وألَفت كتاب «إيطاليا الأخرى... المقاومة الإيطالية في الحرب العالمية الثانية» عام 1988. أما أبوه فخريج جامعة ييل العريقة، محرّراً مساهماً في مجلة «تايم»، وخدم أيضاً في الحرب العالمية الثانية. وعام 1942 التحق بالجيش الأميركي وخدم في حرب المحيط الهادي. خلال معركة أوكيناوا التي استمرت 82 يوماً، انفجرت قنبلة يدوية أسفل قدمه اليسرى، وبُترت ساقه من أسفل الركبة. وبعد حصوله على ميدالية القلب الأرجواني، تزوج ماريا عام 1945، وأصبح محلل ميزانية للحكومة الفيدرالية. خلال الخمسينات، وفي ذروة الذعر من «المد الأحمر»، اتُهم كل من ماريا ووارين بتعاطفهما مع الشيوعية.
انتحر والده بعد إصابته بسرطان الرئة غير القابل للشفاء عندما كان بيل في سن الـ18. وفي عام 1979 تخرّج دي بلازيو من مدرسته الثانوية في ضواحي بوسطن. وبعدها حصل على بكالوريوس الآداب من جامعة نيويورك في الدراسات الحضرية، ثم نال درجة الماجستير في الشؤون الدولية من كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولمبيا. وشغل دي بلازيو منصب العمدة 109 لمدينة نيويورك منذ عام 2014. وكان ولا يزال عضواً في الحزب الديمقراطي، مع الإشارة إلى أنه سبق له أن شغل أيضاً منصب المحامي العام لمدينة نيويورك من 2010 إلى 2013.

تأييده للساندينيين في نيكاراغوا
عام 1988 سافر دي بلازيو مع مجموعة من الناشطين في مركز «كويكسوت» إلى نيكاراغوا لمدة 10 أيام للمساعدة في توزيع الغذاء والدواء أثناء ثورة نيكاراغوا. وكان في تلك الفترة مؤيداً قوياً للحكومة الاشتراكية الحاكمة التي أسستها «جبهة التحرير الوطنية الساندينية» التي عارضتها إدارة الرئيس رونالد ريغان في ذلك الوقت.
وبعد عودته من نيكاراغوا، انتقل دي بلازيو إلى مدينة نيويورك؛ حيث عمل في منظمة غير ربحية تركز على تحسين الرعاية الصحية في أميركا الوسطى. واصل دعم الساندينيين في أوقات فراغه، وانضم إلى مجموعة تسمى «شبكة نيكاراغوا للتضامن في نيويورك الكبرى»، التي أطلقت نشاطات وجمعت التبرّعات للساندينيين. وعام 1989 عمل منسّقاً متطوّعاً لحملة ديفيد دينكينز لرئاسة البلدية. وبعد الحملة، عمل دي بلاسيو مساعداً في مجلس المدينة. وعام 1990 وصف نفسه بأنه مدافع عن الاشتراكية الديمقراطية عندما سئل عن أهدافه للمجتمع.
على صعيد متصل، التقى دي بلازيو زوجته الأميركية السوداء الناشطة والشاعرة تشيرلين ماكراي أثناء عملهما في إدارة العمدة دينكينز، الذي كان أول رئيس بلدية أسود لمدينة نيويورك، وتزوّجا في عام 1994. بل أمضى الزوجان الشابان «شهر العسل» في كوبا في انتهاك صريح لحظر السفر الأميركي. واليوم بيل وتشيرلين والدان لولدين، هما دانتي خريج جامعة ييل عام 2019. وكيارا الطالبة في جامعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا. وروت ابنته كيارا عن تعاطيها المخدرات ومعاناتها من الاكتئاب في أواخر 2013 في فيديو مدته 4 دقائق نشرته حملة دي بلازيو قبل توليه منصب رئاسة البلدية.
من ناحية أخرى، فإن دي بلازيو يوصف بأنه أطول الرجال قامة بين رؤساء بلدية نيويورك (1.96 م)، وبفضل أصوله الإيطالية اعتاد بين حين وآخر أن يجري مقابلات ومؤتمرات صحافية، ويلقي خطباً باللغة الإيطالية. وهو يصف نفسه بأنه «روحاني لكن غير متديّن»، علماً بأن والدته رفضت جذورها الرومانية الكاثوليكية ولم تدخل الكنيسة في حياتها المبكرة. أما على صعيد ثروته الشخصية، فقدّرت مجلة فوربس ثروته وثروة زوجته بنحو 2.5 مليون دولار عام 2019.

سياساته في نيويورك
بعد تخرّج بيل دي بلازيو من الجامعة عيّنه النائب الديمقراطي الأسود تشارلز رانجيل مديراً لحملة إعادة انتخابه الناجحة عام 1994. وعام 2000 شغل منصب مدير حملة هيلاري كلينتون الناجحة لمجلس الشيوخ. إلا أن حياته المهنية بدأت كمسؤول منتخب في مجلس مدينة نيويورك، ممثلاً للمنطقة 39 التي تشمل أحياء بورو بارك وغاردن كارول وكوبل هيل وجوانوس وكينزينغتون وبارك سلوب وويندسور تيراس في منطقة بروكلين (إحدى المناطق أو «الأقضية» الخمس التي تتكوّن منها مدينة نيويورك مع مانهاتن وكوينز وبرونكس وستاتن آيلاند) من عام 2002 إلى عام 2009. وبعدما خدم دي بلازيو لفترة واحدة كمحامٍ عام، وانتخب رئيساً لبلدية مدينة نيويورك عام 2013 وأعيد انتخابه عام 2017.
تضمّنت مبادرات دي بلازيو السياسية تدريباً جديداً على خفض العنف لدى رجال الشرطة، وإلزامهم بوضع الكاميرات الشخصية، وتقليل الملاحقات القضائية لحيازة القنب (الحشيشة). غير أن علاقته بشرطة المدينة شهدت صعوداً وهبوطاً، وتعرّض لمواقف رافضة لحضوره جنازات عدد من الشرطيين الذين قتلوا في إطلاق نار عام 2014 و2017؛ حيث أدار له الشرطيون ظهورهم عند إلقائه كلمته. كذلك، تراوحت مواقفه بين دعم المتظاهرين وانتقاد العنف الذي شهدته نيويورك خلال أحداث العنف الأخيرة بعد مقتل الرجل الأسود جورج فلويد، منتقداً حركة «الأناركيين» (الفوضويين) الرافضة للنظام، وتأييد عمل الشرطة، في مؤشر على تخبط تحولاته السياسية. وأنهى برنامج المراقبة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 للمسلمين المقيمين في المدينة.
أيضاً، يسجل لدي بلازيو أنه طبّق في ولايته الأولى مجانية التعليم لما قبل الروضة، ولفت الانتباه إلى ما يسميه الإجحاف الاقتصادي الصارخ في مدينة نيويورك؛ حيث أثار ما وصفه بـ«قصة مدينتين» (واحدة للأغنياء وأخرى للفقراء) خلال حملته الأولى، ودعم السياسات الليبرالية والتقدمية اجتماعياً فيما يتعلق باقتصاد المدينة والتخطيط الحضري والتعليم العام والعلاقات مع الشرطة والخصخصة.

فشل ترشحه لانتخابات الرئاسة
يوم 16 مايو (أيار) 2019 أصبح بيل دي بلازيو ثاني رئيس بلدية لمدينة نيويورك يعلن ترشحه لرئاسة إبان فترة توليه منصب العمدة، بعد جون ليندسي الذي ترشح عام 1972. وفي حين أعرب دي بلازيو عن دعمه لزيادة الحد الأدنى الفيدرالي للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة. ودعم أيضاً إيجاد تسوية سلمية للحرب في أفغانستان تشمل «حركة طالبان»، شرط التأكد منها قبل سحب القوات الأميركية.
ولكن، رغم هوامش فوزه الكبيرة خلال الانتخابات البلدية، لم يحظ دي بلازيو بشعبية كبيرة في الانتخابات الرئاسية. بل حتى سكان مدينة نيويورك عارضوا ترشحه بنسبة 76 في المائة، ليسجل مستوى قبوله على المستوى الوطني 0 في المائة، ما أدى إلى فشله في التأهل للجولة الثالثة من المناظرات التمهيدية بين المرشحين الديمقراطيين. وبينما حاول تصوير نفسه متقدماً في البداية على جو بايدن، على أمل أن يتحدّى كلاً من بيرني ساندرز وإليزابيت وارين اللذين ينظر إليهما كزعيمين للتيار التقدمي، علق دي بلازيو حملته في سبتمبر 2019. ثم أعلن في 14 فبراير (شباط) الماضي تأييده لساندرز.
على صعيد آخر، تعرّضت لانتقادات واسعة إدارة دي بلازيو للأزمة الصحية التي نجمت عن انتشار فيروس «كوفيد - 19» في نيويورك، التي أدت إلى احتلال المدينة المرتبة الأولى في عدد الإصابات والوفيات على المستوى الوطني. وكانت هذه من بين الأسباب التي أدت إلى التدهور الكبير في علاقته بحاكم الولاية آندرو كومو. ثم إنه رغم انتقاده الصين وتحميل حكومتها مسؤولية التقاعس عن إبلاغ العالم بشكل مبكر عن خطورة الفيروس، أصرّ على أنه بالإمكان التعامل مع الجائحة من دون التخلي عن الحياة الطبيعية، رافضاً إقفال المطاعم ودور السينما والأماكن العامة والشركات. وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن كبار مساعدي «العمدة» حاولوا في مارس (آذار) الماضي بشدة تغيير نهجه في التعامل مع تفشي «كوفيد - 19» ونشبت خلافات حادة بينهم بعضهم مع بعض. حتى إن كبار مسؤولي الصحة هددوا بالاستقالة إذا رفض قبول إغلاق المدارس والشركات.

* روبرت واغنر (الثاني)؛ روبرت واغنر هو العمدة الـ102 من 1954 إلى 1965. ألماني الأصل، والده روبرت واغنر (الأول) عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي، هاجر مع عائلته من بروسيا عام 1885. تسبب ترشيحه وانتخابه عمدة للمدينة في حدوث انشقاق في الحزب الديمقراطي، وأثار نزاعاً طويل الأمد بين السيدة الأولى إليانور روزفلت التي دعمته، وكارمن ديسابيو رئيسة الكتلة النخبوية «تاماني هول» التي هيمنت على اختيار رؤساء بلدية نيويورك، ما أدى إلى إنهاء سيطرتها في نهاية المطاف. قاد عملية بناء مساكن ومدارس عامة وأنشأ نظام جامعة مدينة نيويورك، وأجاز حق المساومة الجماعية لموظفي المدينة، وحظر التمييز في السكن على أساس العرق أو العقيدة أو اللون. كان أول عمدة يوظف أعداداً كبيرة من الملوّنين في حكومة المدينة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.