ريتا حايك: نحتاج إلى أعمال درامية تعيد للمرأة هيبتها

تزوّد النساء بجرعة أمل في مسلسل «من الآخر»

تؤدي ريتا حايك في مسلسل «من الآخر» شخصية «ياسمين» ويعرض على شاشة «إم تي في» اللبنانية
تؤدي ريتا حايك في مسلسل «من الآخر» شخصية «ياسمين» ويعرض على شاشة «إم تي في» اللبنانية
TT

ريتا حايك: نحتاج إلى أعمال درامية تعيد للمرأة هيبتها

تؤدي ريتا حايك في مسلسل «من الآخر» شخصية «ياسمين» ويعرض على شاشة «إم تي في» اللبنانية
تؤدي ريتا حايك في مسلسل «من الآخر» شخصية «ياسمين» ويعرض على شاشة «إم تي في» اللبنانية

قالت الممثلة ريتا حايك إنها تستمتع بمشاهدة حلقات مسلسلها الجديد «من الآخر»؛ سيما أن أحداثه سريعة ومشوّقة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عنصران مستجدان في هذا العمل، يتمثل الأول في تقديم قصة حب غير عادية تحدث بين زوجين ينويان الانفصال. أما العنصر الثاني؛ فهو قصة امرأة تناضل وبكل ثقة بالنفس لتغيير واقعها في أطر مختلفة. فتغيب غطرسة الرجل وعملية خنقه للشريكة، وتتألق بعيداً عن مشاعر الخوف والخنوع. فتبرز مطالبها بكل صراحة وتعلن عن قراراتها، وهو أمر لم يسبق أن شاهدناه بكثرة في أعمالنا العربية».
وتؤدي ريتا حايك في مسلسل «من الآخر» (يعرض حالياً على شاشة «إم تي في» اللبنانية) دور «ياسمين» المتزوجة من «ورد» (معتصم النهار) ولديهما ولد يعاني من حالة «كوما» في المستشفى. وتتوالى الأحداث بين الزوجين، فتؤدي إلى تقاطع خطوط حياة مختلفة بينهما تضع كل منهما أمام طريق جديدة، ليختار كل منهما ما يناسبه.
وضمن كاميرا شارل شلالا مخرج العمل وقلم إياد أبو الشامات وإنتاج «الصبّاح إخوان» ينقلنا المسلسل إلى نسخة درامية لا تشبه غيرها قلباً وقالباً. ويشارك في المسلسل عدد من أبرز الممثلين في لبنان، أمثال بديع أبو شقرا ورلى حمادة ومازن معضم وسينتيا صموئيل وريتا حرب... وغيرهم. وتعلق حايك: «إنها المرة الأولى التي أتعاون فيها مع ريتا حرب، وقد أجادت دورها بشكل كبير بحيث كان تأثيره علي يبقى إلى ما بعد عملية التصوير».
وتقول حايك في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «عندما بدأت قراءة نص نحو 3 حلقات من العمل، لم أكن بعد على علم بالدور الذي سأجسده فيه. واكتشفت بعدها تطور أحداثه والوتيرة السريعة التي تطبعها، وأعجبت بـ(ياسمين الأم) لأني أنا أيضاً في حياة الواقع أم لولد.
وكذلك أحببت شخصية هذه المرأة التي تبحث عن نفسها ضمن صراعات تتعرض لها. فوافقت من دون تردد على لعب الدور، خصوصاً أنه لا يقدّم قصة حب كلاسيكية؛ لا بل سيلمس المشاهد في الحلقات المقبلة جرعة الأمل التي يمكن أن تسود بدايات ونهايات علاقات عاطفية».
وعن طبيعة نهاية العمل تقول: «أعتقد أن النهاية ستكون موفقة وتلائم أحداث المسلسل لم أكن شخصياً أتوقعها. فشخصية (ياسمين) حلوة ومركبة وتبرز قدرات الأنثى بذكاء. ويمكنني القول إني شخصياً مشتاقة لمتابعة عمل بهذا المستوى يعيد الهيبة للمرأة. فالشركة المنتجة للعمل (الصبّاح إخوان) رائدة في هذا المجال وتعرف تماماً كيفية اختيار موضوعاتها بتأن وتتماشى مع عصرنا اليوم. ونحن اليوم نعيش العصر الذهبي للمرأة في نواح عدة، والدراما تعكس هذا الواقع».
وعن ثنائيتها مع الممثل السوري معتصم النهار الذي تتعاون معه لأول مرة تقول: «لا شك في أن هذه الثنائية جديدة علينا نحن الاثنين؛ إذ لم يسبق أن التقينا في عمل آخر. وفي أول لقاء على دعوة عشاء أقامتها لنا لمى الصبّاح مع بعض أفرقاء العمل، شعرت بسرعة بالتناغم بيني وبينه، فعرفت أننا سننجح في هذه الثنائية. فأنا من النوع الذي يراقب كثيراً كل شاردة وواردة تحدث أمامي فتزودني بخلفية عن الشخص أمامي. وهذا التناغم رافقنا طيلة أيام التصوير، فكنا نمضي وقتاً معاً ونحن نحضّر لمشهد معين ونتحاور ونتناقش حوله.
ومعتصم النهار ممثل مجتهد لا يمكنك إلا أن ترفع له القبعة احتراماً. كما كان الكاتب يشاركنا أحياناً جلساتنا التحضيرية هذه ونأخذ برأيه، فعنصر المناقشة بين فريق العمل مهم جداً في عملية التحضير لمسلسل».
تشير ريتا حايك إلى أن «فريق العمل يجب أن يكون متكاملاً كي يحقق النجاح، فتجتمع تحت سقفه إبداعات مخرج وكاتب وممثلين وشركة إنتاج، وهو نلمسه في (من الآخر)». ولكن ما الجهة التي تشكل لها الإغراء الأكبر للمشاركة في عمل ما؟ ترد: «المخرج طبعاً هو أكثر من يهمني في هذه المعادلة.
فهو بمثابة المايسترو الذي يدير أوركسترا تتألف من ممثلين ومصورين وتقنيين وغيرهم. وهو من لديه قدرة الإضاءة على طاقة ممثل ما، وشطارته تكمن في خياراته؛ بدءاً من نص العمل، وصولاً إلى فريقه، عندها يستطيع أن يحدث الفرق بالتأكيد. ولكن كل هذه القدرات مجتمعة لا يمكنها أن تتبلور عنده من دون حضور شركة إنتاج ضخمة ورائدة كشركة (الصباح إخوان)».
وعما إذا كان اختيارها بطولة هذا العمل إثر خروج إحدى مرشحاته منه (ستيفاني صليبا) تسبب لها بإزعاج ما، توضح ريتا حايك: «هذا الموضوع مرّ عليه الزمن، ولا أعرف إذا ما كانت ستيفاني مرشحة للعب دور البطولة فيه، وما أعلمه هو أنها اعتذرت عن المشاركة فيه. وفي جميع الأحوال، هذه الأمور لا أعيرها الاهتمام؛ لأنني على يقين بأن العمل قسمة ونصيب.
ولا أذيع سرّا إذا قلت إن (من الآخر) شكّل عودتي إلى الشاشة الصغيرة بعد غياب. وليس المطلوب منّا تحدي الإرادة الكونية، فكل ما نقوم به من أعمال سلبية أو إيجابية تعود إلينا بشكل أو بآخر، وهو ما نعرّف عنه بـ(الكارما). وأنا سعيدة لأني أشارك لأول مرة في عمل من إنتاج (الصباح إخوان)، خصوصاً أني تلقيت العرض منهم في تاريخ عزيز على قلبي وهو 12 من شهر 12 يوم مولد ابني جورج.
فتفاءلت به، ومشيت قدماً في العرض، سيما أن آل الصباح (صادق ولمى) حمّساني جداً على القيام بهذه التجربة، فشعرت بأنه حان الوقت لعودتي إلى الشاشة الصغيرة». وتضيف: «أنا أصلاً لا أحب الثرثرات والقال والقيل، فالأشياء الحلوة أستمتع بها، وما هو عكسها لا يهمني. وهناك عروض كثيرة قدمت لي قبلاً واعتذرت عنها بسبب حملي وولادتي ابني، واستطاعت البديلة عني أن تحصد النجاح المطلوب؛ فكل ما نعيشه هو مقدّر لنا في رأيي».
وتروي ريتا حايك ذكرياتها حول أجواء تصوير العمل وتقول: «كل شيء كان جديداً في هذا المسلسل؛ حتى عملية تصويره. فالجميع يعلم بأننا توقفنا عن تصويره بسبب الجائحة، وهو ما ألغى عرضه في موسم رمضان 2020، فجرى العمل ضمن أجواء غريبة علينا عندما استأنفنا التصوير، متسلحين بالكمامة وبعمليات التعقيم والاحتياطات اللازمة والمتكررة.
ولكن كل ذلك قرّبنا كثيراً بعضنا من بعض بصفتنا فريق عمل، فكنا نجتهد ونبذل جهداً لنكون على المستوى المطلوب، رغم كل شيء. وأعتقد أن المشاهد سيلمس جهدنا هذا؛ خصوصاً أن فريق الممثلين بأكمله يعدّ من المحترفين، مما أرسى أجواءً مميزة بيننا؛ إذ كان الجميع فرحاً بمشاركة زميل من هذا المستوى».
وعما تعلمته من تجربة «كورونا» تقول: «(كورونا) علمتنا الكثير، وأفضل ما نتج عن هذا الوباء هو لمّ شمل العائلات وتمضية أطول وقت ممكن معها. وبفضل طبيعة عمل زوجي طبيباً، كنت أقف على مستجدات هذا الوباء أولاً بأول. فلا شيء فاجأني في أخباره وبتأثيره على الناس.
فلطالما زوجي وأنا كنّا نشكر ربّ العالمين على نعمة الصحة التي نتمتع بها. وعندما حضر فيروس (كورونا) كنا نواجه مجهولاً في البداية. حالياً نعيش أقصى تأثيراته علينا في ظل أعداد هائلة من المصابين به في لبنان».
وتشير حايك إلى أنها ليست من الأشخاص المهووسين بالنظافة أو بالجائحة... «من يدفعني إلى أخذ جميع احتياطاتي هما والديّ؛ إذ أخاف كثيراً من نقل العدوى لهما. ولكن ما يؤلمني هو أننا نعيش زمناً غير عادي في سن مبكرة، فأنا ما أزال في عمر الـ33 سنة، وأتمنى أن نتجاوز خطورته ويصبح ذكرى عما قريب».
وماذا بعد «من الآخر» هل تحضر ريتا لأعمال جديدة؟ ترد: «هناك فيلم إيطالي بعنوان (لا ريغولا دورو) شاركت فيه، وستفتتح به السينما الإيطالية صالاتها قريباً.
كما شاركت في فيلم مع المخرج ميشال كمون بعنوان (بيروت هولد ام)، تأخر عرضه بسبب الأحداث التي شهدها لبنان منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حتى انتشار الجائحة. ومتحمسة جداً لعرض سلسلة أفلام تتناول موضوع انفجار بيروت بعنوان (بيروت 607 Life) لعبت في أحدها دور إيمانويل التي ولد طفلها جورج في لحظة الانفجار، فكان أمراً مؤثراً جداً. استمتعت بتقديمه، سيما أنه أتاح لي فرصة عيش تلك اللحظات؛ إذ كنت يومها بعيدة عن العاصمة في الجبل.
وسيجري عرض هذه الأفلام (15 فيلماً) على منصة «شاهد» الإلكترونية قريباً. ومن الأعمال الجميلة التي أنتظر عرضها، فيلم من إنتاج أميركي يتناول عملية انقراض بعض الحيوانات. وأمثل فيه دور (النسر)، إلى جانب عدد آخر من الممثلات اللاتي جرت الاستعانة بهنّ، بعيداً عن العنصر الذكوري».



حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.


مشاة البحرية الأميركية تدخل على خط الحرب مع إيران

قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
TT

مشاة البحرية الأميركية تدخل على خط الحرب مع إيران

قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

يُمثّل نشر ما يقارب ألفين وخمسمائة عنصر من مشاة البحرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط مرحلةً جديدة في حرب إيران التي اندلعت منذ أسبوعين، وذلك في خضم تصاعد الهجمات الإيرانية على مضيق هرمز. والوحدة المعنية بهذا النشر هي الوحدة الحادية والثلاثون للبحرية الأميركية، وفقاً لمصدرَين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، وستجد نفسها أمام تحدٍّ استثنائي يُقلق البنتاغون، يتمثّل في القدرة الإيرانية على زرع الألغام في هذا الممر المائي الضيّق الذي تعبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية.

تأمين هرمز

أجبرت الغارات الجوية الأميركية القوات الإيرانية على التخلي عن سفنها الحربية الكبيرة، والاستعاضة عنها بزوارق سريعة محمّلة بالألغام يصعُب على الطائرات تتبّعها. ويُرجَّح أن تنطلق هذه الزوارق من مجموعة جُزر قريبة من المضيق. وأفاد مسؤول دفاعي متقاعد رفيع المستوى بأن وصول الوحدة الحادية والثلاثين إلى الشرق الأوسط من منطقة المحيط الهندي-الهادئ خلال الأيام المقبلة سيُتيح للبنتاغون شنّ إغارات سريعة على تلك الجزر، بقوات مشاة بحرية مدعومة بالإمداد والدعم الجوي. وهذا ما يرفع حدّة مخاطر التصعيد.

والرئيس دونالد ترمب معروف بإجازته للعمليات العسكرية الخاطفة ومحدودة النطاق، كالغارة التي نُفّذت في يناير (كانون الثاني) الماضي لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهي عمليات قد تحقق مكاسب آنية، لكنها قد تتحول إلى كارثة إذا جاءت نتائجها عكسية.

وقد أعلن ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الجمعة، أن الجيش الأميركي نفّذ غارة جوية واسعة النطاق على جزيرة خرج، الميناء الرئيسي في إيران ومركز تصدير غالبية نفطها. وأكد ترمب أن الغارة أسفرت عن تدمير كامل للقوات العسكرية الإيرانية على الجزيرة، مشيراً إلى أنه أصدر توجيهاته للبنتاغون بعدم المساس بالبنية التحتية النفطية، وذلك، على حد قوله، «لدواعٍ إنسانية».

وارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 40 في المائة منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في نهاية الشهر الماضي. وعلى الرغم من محدودية أعداد مشاة البحرية قياساً بالخمسين ألف جندي أميركي الموجودين أصلاً في المنطقة، فإن وحدات مشاة البحرية المتنقلة تحظى بتقدير القادة العسكريين لقدرتها على النشر السريع لمفارز من القوات والمركبات على الأرض. فضلاً عن ذلك، أضاف المسؤول الدفاعي المتقاعد أن مشاة البحرية باستطاعتهم القيام

بعمليات مكافحة الطائرات المسيّرة عبر تشغيل مركبات التشويش على متن سفنهم، إلى جانب توفير الحماية للناقلات وسفن الشحن التجاري.

فراغ استراتيجي في المحيط الهادئ

تُنشر وحدات مشاة البحرية المتنقلة عادةً مع أسطول من السفن، يشمل سفينة إنزال برمائية ذات سطح قصير قادرة على حمل طائرات «MV-22 أوسبري»، وطائرات نقل عمودية، ومقاتلات هجومية من طراز «F-35». كما تحمل السفن الأخرى قوات مشاة مع مدفعيتها الداعمة ومركبات هجومها البرمائي المخصصة للإنزال من السفينة إلى الشاطئ.

وكشف المسؤول الدفاعي السابق أن انتشار وحدة مشاة البحرية الشرقية دعماً للعمليات في فنزويلا، ونشر الوحدة الحادية والثلاثين في الشرق الأوسط — وهي وحدة مرابطة في العادة في أوكيناوا باليابان — سيُفضي إلى غياب قوة تدخل سريع قادرة على دعم العمليات في منطقة المحيط الهادئ، بما في ذلك كوريا الجنوبية وتايوان. ويُضاف هذا الفراغ الجديد إلى ثغرة أخرى خلّفها نقل منظومات الدفاع الجوي الحيوية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. وقد كان لوحدات مشاة البحرية المتنقلة، المعروفة بـ«قوة الطوارئ الأميركية»، تاريخ حافل في مناطق النزاعات؛ إذ اضطلعت بمهام إجلاء السفارات ومكافحة القرصنة البحرية. وكانت عناصر من الوحدة الخامسة عشرة من بين أوائل القوات الأميركية النظامية التي وطأت أقدامها الأرضَ الأفغانية إبّان الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الجيش الأميركي يكشف هويات ستة جنود قُتلوا بحادث تحطم طائرة في العراق

فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يكشف هويات ستة جنود قُتلوا بحادث تحطم طائرة في العراق

فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)

أعلن البنتاغون السبت هويات ستة جنود أميركيين لقوا حتفهم خلال تحطم طائرة للتزود بالوقود في غرب العراق في وقت سابق من هذا الأسبوع، في حادث قالت السلطات إنه لم يكن ناجما عن «نيران معادية».

وتحطمت طائرة للتزود بالوقود من طراز كيه سي-135 في غرب العراق الخميس، ما رفع عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العمليات ضد إيران إلى 13 على الأقل. وهبطت طائرة ثانية شاركت في العملية بسلام.

ترمب يستقبل رفات الجنود الذين قُتلوا في حرب إيران في قاعدة دوفر بديلاوير يوم 7 مارس 2026 (أ.ب)

وقال البنتاغون إن الأفراد الستة الذين لقوا حتفهم في الحادث هم جون كلينر (33 عاماً) من أوبورن في ألاباما، وأريانا سافينو (31 عاما) من كوفينغتون في واشنطن، وآشلي برويت (34 عاما) من باردستاون في كنتاكي، وسيث كوفال (38 عاما) من موريسفيل في إنديانا، وكورتيس أنغست (30 عاما) من ويلمنغتون في أوهايو، وتايلر سيمونز (28 عاما) من كولومبوس في أوهايو.

وكان الثلاثة الأوائل أعضاء في القوات الجوية الأميركية، بينما الثلاثة الأخيرون كانوا يتمركزون مع الحرس الوطني الجوي الأميركي.

وأكّدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن تحطم الطائرة «لم يكن بسبب نيران معادية أو نيران صديقة»، وأن ملابسات الحادث ما زالت «قيد التحقيق».

وقالت فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران منضوية ضمن ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، إنها استهدفت طائرتَين «من نوع كاي سي-135 تابعة للاحتلال الأميركي في غرب العراق»، مضيفة أنّ طاقم الطائرة الثانية استطاع «الهرب بها بعد إصابتها، وهبطت اضطراريا في أحد مطارات العدو».

ومنذ بدء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط)، تتبنى هذه الفصائل يوميا هجمات بالمسيّرات والصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد طبيعة أهدافها في معظم الأحيان.

وهذه رابع طائرة عسكرية أميركية على الأقل تتحطّم منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد إسقاط ثلاث طائرات من طراز «إف-15» بنيران كويتية من طريق الخطأ.

وفي بداية الحرب، أسقط الجيش الكويتي من طريق الخطأ ثلاث طائرات مقاتلة أميركية من طراز«إف-15إي»، وتمكن جميع أفراد الطاقم الستة من القفز بالمظلات، وفق «سنتكوم».

وذكرت سنتكوم وقتها أن الحادث وقع خلال قتال تضمن «هجمات بطائرات إيرانية وصواريخ بالستية ومسيّرات».