فتنة المثنى بين الصوت والدلالة

هل أرهص نداء امرئ القيس بظهور الثنائيات العربية العاشقة؟

فتنة المثنى بين الصوت والدلالة
TT

فتنة المثنى بين الصوت والدلالة

فتنة المثنى بين الصوت والدلالة

قلّ أن احتفت لغة من لغات الأرض بالمثنى، كما هو الحال مع لغة الضاد. لا بل إن معظم اللغات الحية لا تملك صيغاً نحوية وتعبيرية خاصة بالمثنى، إنما تنتقل مباشرة من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع، معتبرة أن لا منزلة فاصلة بين المنزلتين، وأن كل ما يتعدى حالة الإفراد يدخل حتماً في بوتقة الجماعة وأحوالها.
أما في العربية فيختلف الأمر تمام الاختلاف، حيث للمثنى رتبته ومقامه وأحكامه التي تتوزع بين النحو والصرف وجماليات اللغة وجرْسها الإيقاعي من جهة، وبين المفاهيم الفلسفية والدينية والاجتماعية من جهة أخرى. وفي «لسان العرب» يولي ابن منظور الفعل الثلاثي «ثني» اهتماماً غير عادي، مفرداً له ولاشتقاقاته إحدى عشرة صفحة كاملة من الشروح والتفاسير والتأويلات، بدءاً من «ثنى الشيء»، أي رد بعضه على بعض، مروراً بالتثني، الذي يعني التمايل والانعطاف، وبالثنايا التي تعني السرائر والتضاعيف، وليس انتهاء بالتثنية، بمعنى جعل الواحد اثنين وضمّه إلى صاحبه.
ولأن الشعراء هم حواة اللغة ولاعبوها المهَرة والقابضون على ناصيتها وخفاياها، فقد عرفوا كيف يفيدون من صيغة التثنية، وكيف يستثمرون إلى أبعد الحدود ما تختزنه من جماليات التشكيل الصوتي والجرْس الإيقاعي. وليس من قبيل الصدفة أن يستهل امرؤ القيس معلقته الشهيرة بنداء الاثنين دون سواه. فأي خبير حاذق بأمور اللغة، لا بد أن ينتصر لصيغة التثنية في صرخة الشاعر «قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ».
ذلك أن الألف الممدودة في «قفا» هي التي تسمح للزفير الخارج من الرئتين أن يُطلق العنان لتباريح الشاعر، وأن يواكب شجون نفسه على امتداد الصحراء. وسواء كان الملك الضليل في رحلته المهلكة إلى بلاد الروم، يرافق شخصين حقيقيين من لحم ودم، أم لم يكن، فإن استخدامه لصيغة التثنية لم يكن ليجد ذلك الصدى الهائل لدى الشعراء الذين أتوا من بعده، لو لم يستمرئ هؤلاء تلك الطاقة الفريدة التي تختزنها هذه الصيغة على المستويين الإنساني والدلالي.
وقد لا أكون مجافياً الحقيقة بشيء إذا ما ذهبت إلى الاستنتاج بأن ثمة علاقة من نوع ما بين عبقرية اللغة، وبين عبقرية المكان. فاحتفاء اللغة بالمثنى بدا وكأنه احتفاء جمالي وإيقاعي من جهة، واحتفاء دلالي متصل بجوهر الكائن الإنساني الذي لا يكتمل إلا بشطريه الذكوري والأنثوي، من جهة أخرى. فالعدد «اثنان» رغم أنه يدل على شخصين منفصلين، يعامَل معاملة المفرد «المزدوج» فلا ينقسم بين «إثن» و«إثن».
كما أن شيوع الأسرار عند العرب لا يتصل بالمثنى، بل بالجمع الذي يبدأ مع الثلاثة. وقد يكون المثل السائر «كل سرّ جاوز الاثنين شاع» بمثابة تأكيد إضافي على أن أكثر ما يجمع بين شخصين هو البوح المشترك وتبادل الأسرار وكتمانها عن الآخرين. ولعل ما يعزز هذا المفهوم هو رؤية المسيحية إلى الزواج الذي يجمع بين شخصين متحابين، باعتباره «سرّهما المشترك»، إضافة إلى بُعده الديني والكنسي. وقد تكون مفردة «إنسان» بحد ذاتها هي التعبير الأبلغ عن البُعد الثنائي للكائن البشري. فهي وإن حملت معنى الكائن المفرد من حيث الدلالة، إلا أنها من حيث الشكل تحمل صيغة التثنية، كما لو أن الإنسان الفرد هو في عمقه الأخير حاصل الجمع بين «إنس» ذكوري و«إنس» أنثوي. وإذا كانت بعض الديانات الهندية القديمة رأت أن الإنسان هو كائن «نصفي» لا يني يبحث على الدوام عن النصف الآخر الذي يكمله، فإن الإسلام لا يبتعد عن هذه الرؤية، حيث كلٌ من الرجل والمرأة هو جزء من الآخر، بقدر ما هو سكنه وبيته وملاذه. وهو ما تؤكده الآية الكريمة «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها».
تبدو صرخة امرئ القيس من هذه الزاوية إرهاصاً يصدر عن وعي أو غير وعي، بثنائيات التوله والوجد، التي لم تكن تملك ما تفعله لمقارعة الصحراء، سوى التحلق حول الحب، بوصفه النواة الأكثر صلابة التي تمنع عن الروح غائلة الوحشة والتوحد، وعن الجسد وطأة التذرر والتبخر والاضمحلال. وكما كان الكلام يكتسب طابعه السحري عند الشعوب القديمة، بحيث كان يتم الخلط بين الاسم والمسمى، فقد كان النداء في معلقة امرئ القيس كافياً وحده لاستدعاء المنادى وتحويله إلى حقيقة واقعة. فلم تكد تمر سنوات قليلة على نظم المعلقة التأسيسية حتى غصت الصحراء العربية بالكثير من الثنائيات العاشقة، من أمثال عروة وعفراء، قيس وليلى، جميل وبثينة، قيس ولبنى، كثير وعزة، وكثيرين غيرهم.
وإذا سلّمنا جدلاً بأن امرأ القيس كان يخاطب شخصين حقيقيين اختار أن يرافقاه في رحلته المضنية إلى بلاد الروم، فإن أحداً لن يصدق بأن كل واحد من الذين حذوا حذوه في العصور اللاحقة، بمن فيهم الشعراء العشاق كان يتعمد الإتيان بشخصين مماثلين لكي يرافقاه في حلّه وترحاله، ولكي يبثهما لواعج قلبه، كما فعل جدّه الأكبر من قبل. ولكنها على الأرجح لعبة المرايا المتقابلة بين اللفظ والمعنى، حيث تتصادى صيغة المثنى مع حاجة الشعراء إلى ظهير إنساني، حبيباً كان أم مجرد صديق.
وإذا كان ثمة الكثير من الشواهد التي تمنح لهذه الفرضية مصداقيتها، فإن قصيدة عروة بن حزام النونية، هي التأكيد الأبلغ على الطبيعة «السحرية» لصيغة التثنية التي كانت توفر للشاعر نوعاً من العزاء أو الرّقية اللغوية، رغم أن وجهة المخاطَب فيها لم تكن تشير إلى عفراء. هكذا يتحدث الشاعر عن عرّافين اثنين، لا عن عرّاف واحد، في قوله:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمه
وعرّاف نجدٍ إن هما شفياني
فقالا:
نعم نشفي من الداء كلّهِ
وقاما مع العوّاد يبتدرانِ
فما تركا من رقْية يعلمانها
ولا شربة إلا وقد سقياني
فقالا:
يمين الله والله ما لنا
بما ضمّنتْ منك الضلوعُ يدانِ
لكن الأغرب من كل ذلك هو أن ذينك العرّافين لم يرويا عطش عروة إلى ماء المثنى، ولذلك فقد استعان بغرابين اثنين في الوقت ذاته، لكي يقيم الدليل على وحشته وسواد روحه في غياب عفراء:
ألا يا غرابي دمنة الدار، بيّنا
أبالهجر من عفراء تنتحبانِ؟
فإن كان حقاً ما تقولان، فاذْهبا
بلحمي إلى وكْريكما، فكُلاني
وبما أن الصوت في العربية يبدو في الكثير من الأحيان صدى للمعنى، فإن لاختيار القافية دلالتين نفسيتين متغايرتين وصادرتين عن لا وعي الشاعر، أولاهما تذهب مع ألف المثنى صعوداً إلى الأعلى، كنوع من التضرع للخالق أو نداء ضمني لمنادى غائب، فيما الثانية تهبط مع النون المكسورة إلى خانة الخيبة والقنوط وفقدان الرجاء.
على أن استمراء نداء الاثنين عند العرب لم يتوقف عند شاعر بعينه، بل سرعان ما انتبه الشعراء إلى دلالاته النفسية والجمالية والإنسانية، فحولوه إلى عرْف أسلوبي، دون أن يكون جزءاً من عمود الشعر وتقاليده الأساسية. لا بل هو في ليونته التعبيرية، وفي محاكاته لطقوسية الندب والتأوه الأنثويين، يقع في الخانة المضادة للعمودية الذكورية. وفيما يتيح نداء الاثنين الفرصة أمام الشعراء للكشف عن «أنوثتهم» التعبيرية والنفسية، يتحول من جهة أخرى إلى وجه من وجوه الجناس الناقص بين التأنيث والتثنية. هكذا بدا نداء المثنى وكأنه يتواءم بشكل تلقائي مع رهافة شاعر مثخن بالعشق من طراز جميل بن معمر، الذي يهتف بحرقة:
خليلي فيما عشتما، هل رأيتما
قتيلاً بكى من حبّ قاتله قبلي؟
أو يتواءم مع التكوين الهش لشاعر سوداوي من طراز ابن الرومي، الذي يبحث وقد أرهقه جمال وحيد المغنية، عمن يعينه على بلواه، فهتف شاكياً:
يا خليلي تيّمتني وحيدُ
ففؤادي بها معنّى عميد
لكن أكثر ما يستوقف القارئ المتابع، هو لجوء أبي الطيب المتنبي، وهو أحد أكبر رموز الفحولة في الشعر العربي، إلى مثل هذا النداء لبث شكواه والتعبير عن انكساره. وفي اعتقادي أن لجوء المتنبي إلى الاستعانة بنداء المثنى لم ينجم عن افتتانه بالتقاليد الشعرية المتبعة في العصور التي سبقته، بل لشعورٍ منه وقد اضطر إلى امتداح كافور، بأنه وصل إلى الجذر الأخير للمأساة، فاستدعى كما فعل أسلافه، صاحبين متخيلين، وخاطبهما من وراء صدوع نفسه بالقول:
يا صاحبي أخمرٌ في كؤوسكما
أم في كؤوسكما همّ وتسهيدُ؟
أخيراً، لن تتسع هذه المقالة لتقديم المزيد من الشواهد التي تعكس افتتان الشعراء العرب بنداء المثنى، الذي بات جزءاً من تقاليد القصيدة العربية، والذي لم تقتصر دلالاته على الجوانب الإيقاعية والجمالية، بل تعدت ذلك الأمر لتطال المفاهيم المختلفة التي ترسخ مبدأ التكافؤ والتكامل الإنساني بين الرجل والمرأة. وإذا كانت نوال السعداوي استعانت بكل مواهبها العلمية والأدبية لدحض المزاعم التي تكرس سلطة الرجل وهيمنته في المجتمعات الذكورية، وللتأكيد بالمقابل على غلبة المرأة وتفوقها العقلي والبيولوجي، وعلى كون «الأنثى هي الأصل» فإن خالدة سعيد في كتابها المميز «في البدء كان المثنى»، قد عملت على نقل المواجهة إلى مكان آخر، حيث المثنى هو نواة الوجود وعلته وقوامه، وحيث كلٌّ من الرجل والمرأة، هو مكمّل للآخر وظهيرٌ له، سواء كان ذلك في ساحات اللغة والإبداع والحب، أم في ساحة الدفاع عن الحياة.



كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.


نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
TT

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية. يحتلّ هذا القصر موقعاً بارزاً في خريطة المنشآت المعمارية التي شيّدها خلفاء بني أمية في نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، ويتميّز بحلله الزينية المتنوّعة التي كشفت عنها سلسلة من حملات التنقيب المتعاقبة، أجرتها دائرة الآثار البريطانية حلال عهد الانتداب في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر». نُقلت هذه اللقى إلى متحف أنشأته هذه الدائرة في القدس الشرقية، وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار». دخل هذا المتحف تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية إثر نكبة 1948، وحافظ على اسمه إلى أن استولت الدولة العبرية عليه إثر هزيمة 1967، وأطلقت عليه اسم «متحف روكفلر»، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. في هذا المتحف الذي أُلحق بـ«متحف إسرائيل»، وبات مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية، تحضر حلل قصر هشام الأثرية، وتلمع بثرائها الفني، وأشهرها نصب ملكي كبير يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر.

وصل هذا النصب مهشّماً من بين أطلال خربة المفجر، وتمثّل عند اكتشافه بقطعتين منفصلتين تمّ جمعهما لاحقاً، على ما تُظهر التقارير التوثيقية الخاصة بهذا الاكتشاف. يحضر الرأس في إحدى هاتين القطعتين، ويحضر في القطعة الأخرى النصف الأسفل من القامة المنتصبة على قاعدتها العريضة، وتجمع بين القطعتين كتلة مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للتقاليد العلميّة المتّبعة في ميدان حفظ الآثار. كتلة الرأس مهشّمة جزئياً، وقمّتها ضائعة. تساقط سطح الجبين، وتساقطت معه كتلة الأنف الناتئ، غير أن العينين حافظتا على تكوينهما بشكل شبه كامل، وهما ضخمتان ولوزيّتان، ويتوّسط كلّ منهما بؤبؤ جاحظ، يتكوّن من كتلة على شكل خاتم ناتئ، تلتف حول كتلة دائرية غائرة. الخدّان عريضان، وتحدّهما أذنان ظاهرتان، تتكوّن كلّ منهما من صيوان ناتئ يلتفّ حول تجويف غائر. الثغر ضائع، ويعلوه شارب مفتول عريض، يتكوّن من 3 خصل أفقية مقوّسة. تغيب الذقن تحت لحية بيضاوية كثيفة، صيغت خصلها على شكل سلسلة متراصة من الخيوط العمودية المتعرّجة.

القسم الأعلى من القامة مفقود، وما تبقى منه يكشف عن حزام عريض يلتف حول الخصر. القسم الأسفل وصل بشكل كامل، ويكشف عن عباءة طويلة فضفاضة تأخذ شكل مثلّث تحدّه بطانة عريضة، تعلوها سلسلة من الخواتم اللؤلؤية المتراصة. تعلو هذه العباءة بطانة مماثلة تنسلّ عمودياً، وتتقاطع مع بطانة الحزام الأفقيّة. تظهر القدمان في الأسفل، وتكشفان عن طرفي سروال فضفاض. هويّة هذا اللباس جليّة، وتتبع الطراز الساساني الشائع بشكل لا لبس فيه. ينتصب صاحب التمثال بثبات في وقفة ساكنة تخلو من أي حركة حية، ويحمل بيده اليسرى سيفاً قصيراً يتدلّى من وسط خصره، وفقاً لهذا الطراز الساساني المعهود. ترتفع هذه القامة الملكية فوق قاعدة عريضة، يزيّن واجهتها نقش تصويري ناتئ يمثّل أسدين رابضين، يدير كل منها ظهره في اتجاه الآخر. في المساحة الفارغة التي تفصل بين ظهري هذين الأسدين، تحضر وردة زخرفية تتكون من 5 بتلات متراصة، تشكّل قرصاً يعلوه شريطان نباتيان.

يتشابه هذا الأسدان حتى التماثل. القالب واحد، ويجسّد ليثاً يفتح شدقه إلى أقصى حدّ، ويُظهِر أنيابه، كأنه يزأر ويزمجر. فمه منفّذ برهافة بالغة، وقوامه شدق عريض يكشف عن أنياب مسنّنة. أنفه عريض وبارز، ويتميّز بفتحتيه الكبيرتين. عيناه لوزتان مجوّفتان فارغتان، يحدّ كل منهما إطار هدبي ناتئ. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان لكل منهما طرفان مقوّسان نحو الأعلى. تحيط بهذا الرأس المزمجر لبدة مكونة من خصل شعر متوازية، مع لحية مشابهة تشكّل عقداً حول الذقن. يجثو هذا الأسد على قائمتيه الخلفيتين، ويشرئب على قائمتيه الأماميتين المنتصبتين، وفقاً لطراز انتشر في العالم القديم، تبنّاه الأمويون ومن حكم من بعدهم، وشواهد هذه الاستمرارية عديدة ومتنوّعة، وترتبط كلها برمزية السلطة الحاكمة.

يحوي قصر هشام حماماً كبيرا، تتقدّمه شرفة عظيمة زيّنت بشبكة من النقوش والتماثيل، ويرى أهل الاختصاص أن موقع نصب الحاكم المنتصب فوق الأسدين الرابضين يعود في الأصل إلى مدخل هذه الشرفة. قيل إنّ هذا النصب يمثّل صاحب هذا القصر، هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية، غير أن الدراسات أظهرت أن حركة البناء استمرّت في هذا القصر بعد وفاة الخليفة إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في سنة 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته يعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين عامي 743 و744. ومن هذا المنطلق، خرجت قراءة ثانية تقول إن صاحب النصب يمثّل الوليد بن يزيد، لا هشام بن عبد الملك، وهاتان القراءتان افتراضيّتان في غياب أي شاهد يحسم هذا الجدال.

يمثّل هذا النصب على الأرجح صورة رمزية للحاكم، تشابه في تكوينها الجامع الصور التي تزيّن المسبوكات الأموية. وفقاً لما نقله شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، كان هشام «جميلاً أبيض مسمناً أحول خضب بالسواد»، أي أنه كان يصبغ شعره باللون الأسود. وكان الوليد بحسب الرشيد «من أجمل الناس، وأشعرهم، وأشدهم». لا نجد في هذا التمثال ما يشبه هذه الأوصاف؛ ما يعني أنه يجسّد صورة مثالية غير شخصية، لو افترضنا أنه يمثّل عاشر الخلفاء الأمويين، أو مَن حكم من بعده. في الخلاصة، يبرز هذا النصب بأسلوبه المتقن، ويشهد لتبنِّي الأموين طرزاً فنية سادت خلال العهود التي سبقت ظهورهم. تجدّدت هذه الطرز بشكل خلاّق في ميدان الفن الأموي المدني، وظهر هذا التجدّد في قوالب مبتكرة يزخر بها هذا الميدان المثير.


شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر
TT

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه الثقافي، وفتح مسارات جديدة أمام قراءة الشعر العربي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة.

يبحث الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) في 230 صفحة، في الطبقات العميقة للنصوص الشعرية العربية الحديثة، متجاوزاً القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخل البناء الشعري، ويتتبع العلاقة بين الشعر والثقافة والتاريخ والفكر، ويقدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف عما وراء اللغة الظاهرة من دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية.

في مقدمته، يشير مراشدة إلى أن موضوع الأنساق الثقافية أصبح يحتل مساحة بارزة في النقد الثقافي الحديث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هذا الاتجاه يتيح البحث عن الدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، للكشف عن البنى الفكرية والتاريخية والحضارية الكامنة فيه، موضحاً أن النص الشعري لا ينفصل عن روافده الثقافية، إذ يتشرب التاريخ والتراث والأحداث والمرجعيات المختلفة، لتصبح جزءاً من تشكيله الفني والدلالي.

يضم الكتاب ثلاثة فصول هي: «الأنساق الثقافية: الرؤيا والتشكيل»، و«الصوفية والوجودية نسقاً ثقافياً: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث»، و«النسق الثقافي الرحلي الوجداني»، وجميعها تقوم على دراسات نقدية تطبيقية تتناول نماذج شعرية عربية حديثة، تهدف إلى تقديم قراءة تتقاطع مع مناهج النقد المعاصر، وبخاصة النقد الثقافي، بما يحمله من اهتمام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه.

ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عبد الرحيم تجربة الشاعر أدونيس، لا سيما مشروعه «الكتاب: أمس، المكان، الآن»، حيث يقرأ الناقد هذا العمل بوصفه نصاً إشكالياً يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، ويعتمد على كثافة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، موضحاً أن الشاعر كان دائم السعي إلى التجديد والتجاوز والتجريب، سواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية.

كما يتناول الباحث تجربة الشاعر الأردني طاهر رياض من خلال قصيدته «حلاج الوقت» التي يرى فيها المؤلف حضوراً واضحاً للمرجعيات الصوفية والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلى طاقة شعرية داخل النص، وإلى جانب ذلك يدرس مراشدة نماذج شعرية أخرى، منها قصائد للشاعرين نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويرى أن هذه الكتابات تمثل مرحلة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانفتاح على ثقافات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء في مجموعته الشعرية «وأقبل التراب»، بوصفها تجربة شعرية تتداخل فيها الذاكرة والمكان والقضية والبعد الإنساني، ويخصص د.مراشدة مساحة لدراسة شعر الناقد، والأديب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعاً حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم.