مليون نازح من مدن الأنبار اتجهوا إلى دهوك والسليمانية وأربيل

عائلات تروي معاناتها وسير بعضها على الأقدام مسافات طويلة

أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})
أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})
TT

مليون نازح من مدن الأنبار اتجهوا إلى دهوك والسليمانية وأربيل

أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})
أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})

تركوا الدار والجار هاربين بأنفسهم من الموت.. مدنهم وقراهم وأزقتهم أصبحت ساحات للقتال بين القوات الحكومية العراقية ومسلحي تنظيم «داعش» الذي سيطر على أغلب مدن الأنبار بين ليلة وضحاها.. قصص من المعاناة الحقيقية والرعب عاشها قرابة المليون نازح خرجوا من مختلف المدن المترامية الأطراف في محافظة الأنبار العراقية، هاربين من جحيم النار والخوف، أو من بطش القادم المجهول (مسلحو تنظيم داعش).
قصص الرحلة المحفوفة بالمخاطر يرويها لـ«الشرق الأوسط» أصحابها الذين رحلوا إلى دهوك والسليمانية وأربيل..
يقول أبو محمد، 40 عاما: «بدأت رحلتي مع النزوح من الخروج من مدينتنا الفلوجة (60 كيلومترا غرب العاصمة بغداد) حيث كنت أسكن في الحي العسكري شمال شرقي المدينة، وهو أول الأحياء السكنية في مدينة الفلوجة التي تعرضت للقصف المستمر، ومن ثم للدمار، بالبراميل المتفجرة التي كانت تلقيها مروحيات القوات الحكومية، وكذلك القصف المدفعي للحي بعد دخول المسلحين.. اتجهت بعائلتي المكونة من 6 أفراد صوب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، التي كانت منطقة آمنة.. وبعد مضي شهرين، دخل المسلحون إلى الرمادي، وبدأت الفوضى تعم الناس.. الأهالي اتجهوا بسياراتهم والبعض سيرا على الأقدام منهم من يحمل بعض الأغراض ومنهم من يحمل أطفاله الصغار، صوب الشارع المؤدي إلى مدينة هيت، أنا من الناس الذين ساروا على أقدامهم حاملا ابنتي الصغيرة ومعي زوجتي وبقية الأولاد، إلى أن وصلنا إلى الشارع، ثم نقلتنا سيارة حمل صعد فيها قرابة 20 شخصا إلى مدينة هيت. وفي هيت، التي تبعد عن الرمادي مركز محافظة الأنبار 60 كلم باتجاه الغرب، سكنت في أحد هياكل الأبنية التي هي قيد الإنجاز.. تأقلمنا مع الوضع الجديد، ووجدت عملا لي أتعيش منه في أحد أسواق المدينة، وفي أحد الأيام ومن دون سابق إنذار دخل مسلحو (داعش) فسقطت آخر ملاذاتنا الآمنة.. مشهد المعاناة يتكرر مرة أخرى، ورأيت الناس تتجه هذه المرة صوب الصحراء قاصدين طريق يسمى النخيب، باتجاه مدينة كربلاء، حملتنا سيارات يمكنها السير في الصحراء، اتفقت مع صاحب السيارة على أن يوصلني إلى بغداد عبر أي طريق يشاء، فالمهم عندي هو الوصول إلى العاصمة. كنا نسير في صحراء قاحلة إلى أن وصلنا لحدود محافظة كربلاء التي رفض مسؤلوها أن ندخل ومعنا مئات السيارات القادمة من الأنبار هربا من المسلحين.. وبعد انتظار قارب اليومين، تمت الموافقة على دخول السيارات بعد أن تم تفتيشها بالكامل، ثم رافقتنا سيارات الشرطة بقافلة تسير معنا للتأكد من أننا سنغادر كربلاء باتجاه بغداد.. وصلنا لبغداد ثم تابعنا الطريق إلى المخيمات في أربيل عاصمة إقليم كردستان لتبدأ المعاناة الأخرى، ولكن تذكرت المقولة: إن بعض الشر أهون من بعض».
حسام، 16 عاما، طالب في المرحلة الإعدادية، يقول: «بعد دخول مسلحي (داعش) مدينتا في منطقة الخالدية 28 كلم شرق الرمادي، اتجهت عائلتنا إلى حيث يتجه الناس.. لا نعرف إلى أين نحن ماضون.. تسير السيارات باتجاه الشرق صوب العاصمة، ولكن ليس على الطريق المعتاد.. وصلنا إلى بحيرة الحبانية، وهنا طلب منا السائق أن ننزل من السيارة، فالطريق عبر البر قد انتهى إلى هنا.. ركبنا القوارب لتحملنا عبر البحيرة إلى الجهة الأخرى، ثم تابعنا السير بعد أن استأجر والدي سيارة أوصلتنا عبر طرق ريفية وبين القرى والمزارع.. إلى حدود العاصمة بغداد.. بقينا هناك عند أقارب لنا مدة يومين، ثم أكملنا الرحلة صوب محافظة دهوك في إقليم كردستان بعد معاناة كبيرة عند حدود الإقليم، فبعض أفراد أسرتنا لم تكن لديه المستمسكات الشخصية، مما عرقل عملية دخولنا للإقليم، وكأننا ندخل إلى بلد آخر».
أم صلاح، 51 عاما، أرملة وأم لخمسة أولاد، تقول: «لم أكن أنوي ترك بيتي إطلاقا لكون حالتي المعيشية فقيرة، ولا يمكنني الخروج والمقامرة بمصير أولادي، فالموت يحيط بنا من كل جانب؛ هنا في بيتي وفي خارجه.. ولكن صرت أمام الأمر الواقع بعد أن أصيب ابني في ساقه نتيجة المعارك بين مسلحي (داعش) والقوات الحكومية، فتوجب علينا الرحيل لمعالجة ابني المصاب وخوفا على بقية أبنائي.. قصدنا المنفذ الوحيد للخروج من المدينة وهو السير على الأقدام مسافة 25 كلم شرق المدينة.. أولادي يتناوبون على حمل أخيهم المصاب، ويساعدهم شباب المنطقة الذين غادروا برفقة عوائلهم معنا. وبعد وصولنا إلى منطقة الفلاحات، استأجر لنا أحد المحسنين سيارة بمبلغ مليون دينار لكي تقلنا إلى مخيمات النازحين في شمال العراق. نصحونا بعدم النزول في أي منطقة غير المخيم بسبب وجود بعض المسلحين في مناطق بغداد تابعين لميليشيات طائفية، خصوصا أن ابني صلاح مصاب، فخفت أن يظنوا أنه من المنتمين للمقاتلين ضد القوات الحكومية.. وفعلا كلما مررنا بحاجز أمني تابع للجيش الحكومي أو الشرطة، استفسروا عن حالة صلاح، وتنهال علينا الأسئلة، إلى أن وصلنا بعد مسير يومين إلى المخيم، وتمت معالجة ابني، ومنذ خروجي من بيتي وأنا أشعر بأني لم يعد لدي وطن إأنتمي إليه، أو وطن يحميني ويحمي أولادي، فوطننا هناك مستباح من قبل المسلحين ولن يدافع عنه أحد.. الخيام البائسة هذه هي ملاذنا الوحيد الآن».
وقالت الناشطة المدنية في مجال حقوق الإنسان ورئيسة جمعية «تحالف نساء الرافدين»، هناء عباس حمود، لـ«الشرق الأوسط»: «لا بد من إعداد برامج وبخطوات سريعة لإنقاذ ما تبقى من العوائل المحاصرة في المدن التي تخضع مناطقها للصراعات المسلحة، وعلى الحكومة العراقية ومجلس النواب العراقي والمنظمات الدولية أن تسارع الخطى لمد يد المساعدة وإنقاذ المدنيين وكذلك السعي لزيادة المنح المادية المقدمة للنازحين لأن أوضاعهم الإنسانية صعبة للغاية، وكثيرون منهم فقدوا أفرادا من عوائلهم، وخرجوا من بيوتهم بالملابس التي يرتدونها فقط في حملة نزوح هي الكبرى التي شهدها العالم بعد موجة النزوح التي حصلت إبان الحرب العالمية الثالثة».
الدكتور صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء العراقي ورئيس اللجنة العليا لإغاثة النازحين، قال لـ«الشرق الأوسط»: «ما قدمناه وسنقدمه لآلاف العوائل النازحة لا يرقى لحجم المعاناة التي شهدوها، ومع ذلك، فنحن نبذل قصارى الجهد لتخفيف المعاناة عنهم، وهناك فرق تعمل ليل نهار على ذلك، واتخذت اللجنة العليا لإغاثة النازحين قرارات مهمة؛ من بينها صرف منح مالية لنازحين من مناطق مختلفة، وفتح مكاتب في إقليم كردستان لإصدار الوثائق الرسمية والثبوتية للنازحين الذين فقدوا أو تركوا مستمسكاتهم الشخصية، وإصدار بطاقة إلكترونية تعريفية بالعوائل النازحة، وشمولهم بالرعاية وتجهيزهم بالكرفانات للسكن المؤقت.. والحل الجذري برأينا في ما يتعلق بالنازحين هو تحرير مناطقهم من سطوة مسلحي تنظيم داعش وعودتهم إلى ديارهم بسلام».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.