التطورات السياسية تسبب قلقاً بمواجهة «كورونا» في ألمانيا وإسبانيا

عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)
عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)
TT

التطورات السياسية تسبب قلقاً بمواجهة «كورونا» في ألمانيا وإسبانيا

عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)
عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)

تدفع إسبانيا ثمناً باهظا بسبب الخلل في نظامها السياسي، وهي في طريقها سريعاً إلى أن تصبح الطفل المثير للمشكلات في الاتحاد الأوروبي.
وكان من المعتاد أن إيطاليا هي التي تعد الخطر الأكبر. ولكن القلق يساور المسؤولين في ألمانيا الآن إزاء مدى سوء تعامل إسبانيا مع جائحة فيروس «كورونا». وتعد ألمانيا المحرك الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وصاحبة النصيب الأكبر من المساهمات المالية لتمويل صندوق إنعاش الاتحاد الأوروبي في مواجهة الجائحة.
ورأى تحليل لوكالة «بلومبرغ» للأنباء، أن زيادة الإصابات بفيروس «كورونا» من جديد منذ نهاية الصيف، قد أدى إلى فضح الانقسامات الحزبية الشديدة في إسبانيا، حيث يتحدى مسؤولو الإدارة الإقليمية الذين ينتمون لتيار يمين الوسط في مدريد، بشدة القيود الجديدة التي فرضتها القيادة القومية الاشتراكية للبلاد، وهو ما أدى إلى تصاعد الأزمة الصحية في البلاد.
وقال مانويل دي كاسترو، الطبيب بمستشفى «12 دي أكتوبر في مدريد»، والزعيم النقابي: «إنها حرب سياسية... يشن الساسة حملات بدلاً من التكاتف لمواجهة الجائحة... إننا نفتقر إلى القيادة وإلى تسلسل قيادي واضح».
وعلى مدار سنوات، غضّ المسؤولون في أنحاء أوروبا الطرف عن الضغائن وعن مظاهر الخلل في إسبانيا، حيث سار الأداء الاقتصادي للبلاد على نحو طيب، رغم ذلك. ولكن بعد سقوط رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو في أسوأ ركود تشهده أوروبا حتى الآن، وجد المسؤولون أنفسهم مجبرين على إلقاء نظرة فاحصة.
ونقلت «بلومبرغ» عن مصدر مطلع على المناقشات الداخلية للحكومة الألمانية، أن هناك قلقاً حقيقياً إزاء التداعيات على باقي الدول الأعضاء، وبينها ألمانيا.
ومع بدء تفشي الوباء، وجدت الإدارات العامة في جميع أنحاء العالم نفسها تواجه اختباراً. وكانت إسبانيا وإيطاليا بؤرتين مبكرتين للجائحة في أوروبا. وبينما يبدو أن إيطاليا قد أحكمت قبضتها على إمكان حدوث موجة ثانية من الوباء، لا تزال إسبانيا تواجه معاناة.
ولم تنعم إسبانيا بحكومة مستقرة منذ عام 2015، ولكن كانت هناك درجة من الرضا الذاتي عن قدرة البلاد على التأقلم، حيث كان الاقتصاد يسير على نحو متسارع، بفضل قوة الإنفاق الاستهلاكي والأعداد القياسية للسائحين.
وأعرب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أيضاً عن رضاه هذا الصيف عندما أعلن انتصاراً، سابقاً لأوانه، على فيروس «كورونا» المستجد. ومنذ ذلك الحين، يحاول الساسة تحقيق مكاسب، وتجنب أن يتم إلقاء اللوم عليهم في فرض قيود على الحياة اليومية، في ظل تصاعد معدلات العدوى.
وأدى ذلك إلى أن تصبح العاصمة مدريد واحدة من البؤر العالمية لتفشي الفيروس، كما سجلت إسبانيا انكماشاً اقتصادياً في الربع الثاني وصل إلى 18%، وقد يتدهور الموقف من سيئ إلى أسوأ إذا لم تتمكن السلطات من السيطرة سريعاً على الموقف.
وفي نفس الوقت، تزداد التكاليف الاقتصادية، حيث حذر صندوق النقد الدولي من أن الانتعاش الاقتصادي في إسبانيا يواجه تهديداً، وأن المخاطر «تميل بقوة إلى الانحدار». ويتوقع البنك المركزي الإسباني أن يسجل اقتصاد البلاد انكماشاً بنسبة 12.6% لعام 2020 بأكمله.
وتحرك زعماء الاتحاد الأوروبي سريعاً في مسعى لدعم الدول الأكثر تضرراً من الجائحة، مثل إسبانيا، على النهوض مجدداً، ووافقوا على خطة إنقاذ بقيمة 750 مليار يورو (879 مليار دولار) للتعافي من تداعيات الوباء. ولكن الخلافات المستمرة تهدد بتأجيل صرف هذه الأموال.
وعلى رأس القضايا الرئيسية التي يتعين على معظم الدول التعامل معها، كيفية إحداث توازن بين طلبات الشركات والعمال، والشباب والمتقاعدين.
وتواجه إسبانيا قضيتين رئيسيتين، تحجم مؤسسة الحكم عن مواجهتهما: النظام الملكي، وإقليم كاتالونيا.
وتأججت المعارضة للعائلة الملكية في إسبانيا في أعقاب تردي مكانة العاهل الإسباني السابق الملك خوان كارلوس، على مدار عقد من الزمن، ولكنّ فتح هذه المسألة الدستورية الحساسة، من شأنه أن يؤدي إلى فتح النقاش بشأن إجراء استفتاء على استقلال كاتالونيا.
ويرى تحليل «بلومبرغ» أن إسبانيا دولة معرّضة للخطر، وقد أسفرت التداعيات المريرة للأزمة المالية عن هدم نظام الحزبين القديم، الذي كان يضمن تداولاً سلساً للسلطة بين اليسار واليمين على مدار 35 عاماً، بعد عودة الديمقراطية.
وأعاقت الانقسامات سبل التوصل إلى إجماع جديد بشأن كيفية إدارة شؤون البلاد، مما أدى إلى وجود سلسلة من الإدارات التي تتسم بالأقلية والضعف.
وشهدت إسبانيا أربع حكومات على مدار خمس سنوات، وهي تسير حالياً وفق ميزانية تعود لعام 2018، كانت قد أعدتها الحكومة المحافظة السابقة.
ويعيش الملايين من سكان مدريد حالياً في ظل قيود صارمة على الحياة اليومية، بدأ سريانها في أعقاب مواجهة بين رئيس الوزراء سانشيز، ورئيسة إقليم مدريد.
وهددت رئيسة منطقة مدريد، إيزابيل دياز أيوسو، والتي تنتمي للمحافظين، بعدم تنفيذ القيود، وقالت يوم الخميس الماضي: «نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تلقي فيها الحكومة باللوم على العاصمة». وأضافت: «في دول أخرى، يشمر الرؤساء عن سواعدهم ويعملون مع الإدارات، ولا يلقون باللوم أبداً على من هم أدنى منهم منصباً».
وعندما تفشى الوباء في إسبانيا في مارس (آذار) الماضي، أصدر سانشيز مرسوماً بفرض حالة الطوارئ، وهو ما سمح لحكومته بانتزاع الصلاحيات من الإدارات الإقليمية. ومع انحسار الوباء، سمح سانشيز للحكومات الإقليمية بإدارة عملية إعادة فتح الاقتصاد، ولكن مع عودة التلامذة إلى مدارسهم، عاودت إصابات «كورونا» الارتفاع، خصوصاً في مدريد.
وطلب سانشير من أيوسو العمل على احتواء تفشي الفيروس، لكنها في المقابل اتهمت حكومته التي تميل ناحية اليسار، بالإشارة إلى إقليم مدريد على نحو خاص، لأنه يخضع لإدارة «حزب الشعب»، المحافظ،، الذي يشكل حزب المعارضة الرئيسي. وقد دفع هذا وزير الصحة الإسباني، سلفادور أيلا، إلى مناشدة الجميع بالقول: «علينا أن ننصت إلى العلم... هذه ليست معركة تتعلق بالآيديولوجية».
يشار إلى أن إدارة أيوسو لجهود مكافحة الوباء كانت مثيرة للجدل منذ البداية. وقد أصيبت هي نفسها بعدوى «كورونا» في مايو (أيار) الماضي، وخضعت لعزل ذاتي بشقة فاخرة في مدريد. واستقالت رئيسة شؤون الصحة العامة في إقليم مدريد من منصبها بسبب خلافها مع نهج إدارة أيوسو لأزمة «كورونا».
وفي نفس الوقت، أشار المتخصصون في مجال الطب، إلى الافتقار إلى أساليب تتبُّع مخالطة الأطباء والممرضات للمرضى.
وقال بالوما تامامي، وهو طبيب إسعاف في مدريد: «تعرضنا للعصر مثل الليمون... هناك وقت ينفد فيه الصبر والتسامح والقدرة على التحمل».


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».