التطورات السياسية تسبب قلقاً بمواجهة «كورونا» في ألمانيا وإسبانيا

التطورات السياسية تسبب قلقاً بمواجهة «كورونا» في ألمانيا وإسبانيا

الثلاثاء - 18 صفر 1442 هـ - 06 أكتوبر 2020 مـ
عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)

تدفع إسبانيا ثمناً باهظا بسبب الخلل في نظامها السياسي، وهي في طريقها سريعاً إلى أن تصبح الطفل المثير للمشكلات في الاتحاد الأوروبي.

وكان من المعتاد أن إيطاليا هي التي تعد الخطر الأكبر. ولكن القلق يساور المسؤولين في ألمانيا الآن إزاء مدى سوء تعامل إسبانيا مع جائحة فيروس «كورونا». وتعد ألمانيا المحرك الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وصاحبة النصيب الأكبر من المساهمات المالية لتمويل صندوق إنعاش الاتحاد الأوروبي في مواجهة الجائحة.

ورأى تحليل لوكالة «بلومبرغ» للأنباء، أن زيادة الإصابات بفيروس «كورونا» من جديد منذ نهاية الصيف، قد أدى إلى فضح الانقسامات الحزبية الشديدة في إسبانيا، حيث يتحدى مسؤولو الإدارة الإقليمية الذين ينتمون لتيار يمين الوسط في مدريد، بشدة القيود الجديدة التي فرضتها القيادة القومية الاشتراكية للبلاد، وهو ما أدى إلى تصاعد الأزمة الصحية في البلاد.

وقال مانويل دي كاسترو، الطبيب بمستشفى «12 دي أكتوبر في مدريد»، والزعيم النقابي: «إنها حرب سياسية... يشن الساسة حملات بدلاً من التكاتف لمواجهة الجائحة... إننا نفتقر إلى القيادة وإلى تسلسل قيادي واضح».

وعلى مدار سنوات، غضّ المسؤولون في أنحاء أوروبا الطرف عن الضغائن وعن مظاهر الخلل في إسبانيا، حيث سار الأداء الاقتصادي للبلاد على نحو طيب، رغم ذلك. ولكن بعد سقوط رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو في أسوأ ركود تشهده أوروبا حتى الآن، وجد المسؤولون أنفسهم مجبرين على إلقاء نظرة فاحصة.

ونقلت «بلومبرغ» عن مصدر مطلع على المناقشات الداخلية للحكومة الألمانية، أن هناك قلقاً حقيقياً إزاء التداعيات على باقي الدول الأعضاء، وبينها ألمانيا.

ومع بدء تفشي الوباء، وجدت الإدارات العامة في جميع أنحاء العالم نفسها تواجه اختباراً. وكانت إسبانيا وإيطاليا بؤرتين مبكرتين للجائحة في أوروبا. وبينما يبدو أن إيطاليا قد أحكمت قبضتها على إمكان حدوث موجة ثانية من الوباء، لا تزال إسبانيا تواجه معاناة.

ولم تنعم إسبانيا بحكومة مستقرة منذ عام 2015، ولكن كانت هناك درجة من الرضا الذاتي عن قدرة البلاد على التأقلم، حيث كان الاقتصاد يسير على نحو متسارع، بفضل قوة الإنفاق الاستهلاكي والأعداد القياسية للسائحين.

وأعرب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أيضاً عن رضاه هذا الصيف عندما أعلن انتصاراً، سابقاً لأوانه، على فيروس «كورونا» المستجد. ومنذ ذلك الحين، يحاول الساسة تحقيق مكاسب، وتجنب أن يتم إلقاء اللوم عليهم في فرض قيود على الحياة اليومية، في ظل تصاعد معدلات العدوى.

وأدى ذلك إلى أن تصبح العاصمة مدريد واحدة من البؤر العالمية لتفشي الفيروس، كما سجلت إسبانيا انكماشاً اقتصادياً في الربع الثاني وصل إلى 18%، وقد يتدهور الموقف من سيئ إلى أسوأ إذا لم تتمكن السلطات من السيطرة سريعاً على الموقف.

وفي نفس الوقت، تزداد التكاليف الاقتصادية، حيث حذر صندوق النقد الدولي من أن الانتعاش الاقتصادي في إسبانيا يواجه تهديداً، وأن المخاطر «تميل بقوة إلى الانحدار». ويتوقع البنك المركزي الإسباني أن يسجل اقتصاد البلاد انكماشاً بنسبة 12.6% لعام 2020 بأكمله.

وتحرك زعماء الاتحاد الأوروبي سريعاً في مسعى لدعم الدول الأكثر تضرراً من الجائحة، مثل إسبانيا، على النهوض مجدداً، ووافقوا على خطة إنقاذ بقيمة 750 مليار يورو (879 مليار دولار) للتعافي من تداعيات الوباء. ولكن الخلافات المستمرة تهدد بتأجيل صرف هذه الأموال.

وعلى رأس القضايا الرئيسية التي يتعين على معظم الدول التعامل معها، كيفية إحداث توازن بين طلبات الشركات والعمال، والشباب والمتقاعدين.

وتواجه إسبانيا قضيتين رئيسيتين، تحجم مؤسسة الحكم عن مواجهتهما: النظام الملكي، وإقليم كاتالونيا.

وتأججت المعارضة للعائلة الملكية في إسبانيا في أعقاب تردي مكانة العاهل الإسباني السابق الملك خوان كارلوس، على مدار عقد من الزمن، ولكنّ فتح هذه المسألة الدستورية الحساسة، من شأنه أن يؤدي إلى فتح النقاش بشأن إجراء استفتاء على استقلال كاتالونيا.

ويرى تحليل «بلومبرغ» أن إسبانيا دولة معرّضة للخطر، وقد أسفرت التداعيات المريرة للأزمة المالية عن هدم نظام الحزبين القديم، الذي كان يضمن تداولاً سلساً للسلطة بين اليسار واليمين على مدار 35 عاماً، بعد عودة الديمقراطية.

وأعاقت الانقسامات سبل التوصل إلى إجماع جديد بشأن كيفية إدارة شؤون البلاد، مما أدى إلى وجود سلسلة من الإدارات التي تتسم بالأقلية والضعف.

وشهدت إسبانيا أربع حكومات على مدار خمس سنوات، وهي تسير حالياً وفق ميزانية تعود لعام 2018، كانت قد أعدتها الحكومة المحافظة السابقة.

ويعيش الملايين من سكان مدريد حالياً في ظل قيود صارمة على الحياة اليومية، بدأ سريانها في أعقاب مواجهة بين رئيس الوزراء سانشيز، ورئيسة إقليم مدريد.

وهددت رئيسة منطقة مدريد، إيزابيل دياز أيوسو، والتي تنتمي للمحافظين، بعدم تنفيذ القيود، وقالت يوم الخميس الماضي: «نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تلقي فيها الحكومة باللوم على العاصمة». وأضافت: «في دول أخرى، يشمر الرؤساء عن سواعدهم ويعملون مع الإدارات، ولا يلقون باللوم أبداً على من هم أدنى منهم منصباً».

وعندما تفشى الوباء في إسبانيا في مارس (آذار) الماضي، أصدر سانشيز مرسوماً بفرض حالة الطوارئ، وهو ما سمح لحكومته بانتزاع الصلاحيات من الإدارات الإقليمية. ومع انحسار الوباء، سمح سانشيز للحكومات الإقليمية بإدارة عملية إعادة فتح الاقتصاد، ولكن مع عودة التلامذة إلى مدارسهم، عاودت إصابات «كورونا» الارتفاع، خصوصاً في مدريد.

وطلب سانشير من أيوسو العمل على احتواء تفشي الفيروس، لكنها في المقابل اتهمت حكومته التي تميل ناحية اليسار، بالإشارة إلى إقليم مدريد على نحو خاص، لأنه يخضع لإدارة «حزب الشعب»، المحافظ،، الذي يشكل حزب المعارضة الرئيسي. وقد دفع هذا وزير الصحة الإسباني، سلفادور أيلا، إلى مناشدة الجميع بالقول: «علينا أن ننصت إلى العلم... هذه ليست معركة تتعلق بالآيديولوجية».

يشار إلى أن إدارة أيوسو لجهود مكافحة الوباء كانت مثيرة للجدل منذ البداية. وقد أصيبت هي نفسها بعدوى «كورونا» في مايو (أيار) الماضي، وخضعت لعزل ذاتي بشقة فاخرة في مدريد. واستقالت رئيسة شؤون الصحة العامة في إقليم مدريد من منصبها بسبب خلافها مع نهج إدارة أيوسو لأزمة «كورونا».

وفي نفس الوقت، أشار المتخصصون في مجال الطب، إلى الافتقار إلى أساليب تتبُّع مخالطة الأطباء والممرضات للمرضى.

وقال بالوما تامامي، وهو طبيب إسعاف في مدريد: «تعرضنا للعصر مثل الليمون... هناك وقت ينفد فيه الصبر والتسامح والقدرة على التحمل».


اسبانيا المانيا فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة