«الفيديوهات المفبركة»... تحدٍ يعصف بمصداقية المنصات الإعلامية

«الفيديوهات المفبركة»... تحدٍ يعصف بمصداقية المنصات الإعلامية

مطالب بالتحقق قبل بث المحتوى
الاثنين - 17 صفر 1442 هـ - 05 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15287]

ازداد في الآونة الأخيرة، بشكل لافت، الاعتماد على «فيديوهات مفبركة» للتأثير على الرأي العام، أو للترويج لأفكار سياسية. كذلك باتت الفيديوهات تستخدم في «الحروب الإعلامية» كأداة للعصف بمصداقية وسائل الإعلام، والتشكيك فيما تنشره من تقارير وتغطيات. وهو ما يتوقع خبراء الإعلام زيادته في المستقبل، لأن «الفيديوهات المفبركة أداة فعالة للتشكيك في مصداقية المنصات الإعلامية، خصوصاً في بعض المجتمعات».
وفق بعض الخبراء، فإن «بعض وسائل الإعلام التقليدية للأسف أصبحت تنقل المحتوى من وسائل التواصل من دون تحقق، ما يخلق مشاكل كثيرة». وبالتالي، يطالب هؤلاء بـ«التعامل مع هذه الفيديوهات بأسلوب التدقيق الجنائي، والتأكد من صدق كل لقطة في الفيديو».
الخبراء يلفتون أيضاً إلى أنه «أمام وسائل الإعلام فرصة لاستعادة الجمهور عبر الالتزام بالمعايير المهنية... فمع التطور التكنولوجي أصبح التلاعب ممكناً بالفيديو. وعليه، ما عاد كافياً أن تشاهد لقطات مصورة لحدث معين لتتأكد من حدوثه، فقد يكون هذا الفيديو مزيفاً، عبر ما يعرف بتكنولوجيا (التزييف العميق)، ما يفرض على الإعلاميين تحدياً يتطلب منهم التحقق من الصور والفيديو قبل النشر».
في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، بثت قناة إخبارية عربية مقطع فيديو، يُظهر مواطنين مصريين يتظاهرون في منطقة نزلة السمان القريبة من الأهرامات بضاحية الجيزة القاهرية. إلا أنه تبين فيما بعد أن هذا المقطع «مفبرك». إذ بثت قناة «إكسترا نيوز» المصرية حلقة تحت عنوان «كيف تُفبرك مظاهرة»، عرضت فيها كواليس تصوير فيديو مظاهرات نزلة السمان في مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر، الذي نفذته «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، التي تملك عدداً من وسائل الإعلام المصرية، بينها محطات تلفزيونية وصحف ومواقع.
الإعلامي اللبناني منير الخطيب، مدير تحرير «أريج»، قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يجب على وسائل الإعلام التحقق من مصداقية أي فيديوهات... وكصحافيين يجب علينا التعامل مع الفيديوهات بأسلوب التدقيق الجنائي، والتأكد من صدق كل لقطة في الفيديو، والبحث حتى في أساليب الإضاءة، والتحقق من وجوه الناس التي تظهر في الفيديو، لمعرفة هل صور الفيديو في ظروف طبيعية، أم في استوديو مثلاً؟».
وحسب محمد عبد الحميد عبد الرحمن، المدير العام لوكالة السودان للأنباء (سونا)، فإن «وسائل الإعلام التقليدية أصبحت للأسف تنقل المحتوى من وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن تتحقق. وهذه مشكلة كبيرة تؤثر على مصداقيتها، وتفقدها جمهورها، خصوصاً وسط هذا الفيض الهائل من المعلومات، والفيديوهات المفبركة أو الموجهة خصيصاً لخدمة أغراض سياسية، ما يزيد من حالة التشويش والارتباك عند المشاهد». غير أن عبد الرحمن يقول في الوقت ذاته لـ«الشرق الأوسط»، إنه «مع زيادة حالة التشويش الناتجة عن كم المعلومات الهائل، وتكاثر الفيديوهات المفبركة، فإن أمام وسائل الإعلام فرصة لاستعادة الجمهور، عبر الالتزام بالمعايير المهنية في التحقق من صحة الفيديوهات والأخبار قبل بثها».
وكمثال، أورد أنه في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، نُشر مقطع يظهر فيه المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية جو بايدن، وهو يردد أحد الأغاني، واقتربت مشاهدات مقطع الفيديو من 3 ملايين مشاهدة، رغم تصنيف المقطع من قبل «تويتر» بأنه «مقطع فيديو جرى التلاعب به». وقال عبد الرحمن، «نحن نعيش الآن عصر ما بعد الحقيقة، إذ باتت فيه الحقيقة أقل تأثيراً في الرأي العام، مقارنة بالأكاذيب الأكثر إثارة... واستخدام الفيديوهات المفبركة في الحروب الإعلامية بدأ في الولايات المتحدة الأميركية من خلال الصراع بين المحطات الكبرى، بهدف زعزعة ثقة الجمهور في هذه المحطات. ومن المتوقع أن تتعزّز هذه الظاهرة في الفترة المقبلة، مع استمرار ما يعرف بـ(التزييف العميق) الذي يفوق قدرات الناس العاديين على الفحص والتمييز»، لافتاً إلى أن «هذه الفيديوهات لها تأثير واسع على الجمهور وصانع القرار، وتخلق جواً مشوشاً مرتبكاً».
من ناحية أخرى، تستخدم الفيديوهات المفبركة للتشكيك في مصداقية وسائل الإعلام في عدد من دول العالم، حسب الخبراء. وفي مطلع يونيو (حزيران) الماضي، نشرت وكالة الأنباء الأميركية المرموقة «أسوشيتد برس» تقريراً كشفت فيه كيف جرى التلاعب بأحد الفيديوهات التي بثتها محطة «إن إس إن بي سي» (NSNBC) حول المظاهرات الأميركية الأخيرة في مدينتي أتلانتا وفيلادلفيا، وأضيفت إليها مشاهد من فيلم الحرب العالمية «زد» من إنتاج عام 2013، الذي يتحدث عن فيروس يحوّل البشر لـ«زومبي»، مع تعليقات عن أن المحطة «اعتادت نشر الأخبار المزيفة». وهذا الأمر «غير صحيح بالمرة، إذ لم تذع المحطة فيديوهات مفبركة، بل جرت (فبركة) الفيديو من قبل أحد مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)»، حسب «أسوشييتد برس». ووفق الخطيب، فإن «نشر مثل هذه الفيديوهات يضرّ بمصداقية وسائل الإعلام، ويفقدها جمهورها»؛ لكنه في الوقت نفسه أكد أن «حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها المنطقة العربية، تجعل من الصعب التأثير في متابعي محطة معينة لصالح أخرى. إذ إن كل طرف يتابع المحطات التلفزيونية التي تغذي الآيديولوجية السياسية التي يتبناها، بغض النظر عن صدقها من عدمه».
وأشار الخطيب إلى «انتشار الفيديوهات المفبركة خلال انفجار مرفأ بيروت أخيراً، إذ تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر لقطات في السماء لجسم يشبه الصاروخ قبل الانفجار، وبعد تحليل الفيديو تبين أنه غير حقيقي»، لافتاً إلى «وجود الكثير من المواقع المتخصصة في التحقق من الفيديوهات المزيفة».
من جانبه، قال عبد الرحمن إن «السودان تنتشر فيه الفيديوهات المفبركة بدرجة كبيرة، ويزداد تأثيرها وقوتها، في ظل وجود بنية تحتية جيدة للاتصالات الإلكترونية تصل إلى أماكن مختلفة». وأردف: «هذه الفيديوهات عادة ما تركز على محتوى سياسي بشكل مباشر، حيث تتحدث عن تدهور في بعض الأوضاع الاقتصادية مثلاً، لإثارة الهلع في المجتمع». وتابع: «في بلد مثل السودان، من الممكن أن تؤدي هذه الفيديوهات إلى خسائر مادية وبشرية واحتقانات عرقية... منها الفيديوهات المفبركة التي انتشرت خلال الستة أشهر الماضية، والتي تسببت في إثارة أحداث عنف عرقية بين قبائل البجا وبني عامر في شرق السودان».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة