ارتفاع معدلات الانتحار في «مناطق النفوذ» الثلاث في سوريا

دمشق تؤكد حالات شنق... وامرأة في إدلب تستعمل السم... وفتاة قتلت نفسها بالمسدس شرق الفرات

حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع معدلات الانتحار في «مناطق النفوذ» الثلاث في سوريا

حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
حملة توعية ضد استعمال العنف والانتحار في شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

بين الأمور القليلة التي تجمع السوريين في «مناطق النفوذ» الثلاث حالياً هو ارتفاع معدلات الانتحار والجريمة لأسباب كثيرة بينها الأزمة الاقتصادية وسوء الأوضاع المعيشية.
ومع ازدياد حالات الانتحار في مناطق سيطرة الحكومة السورية، هزت مدينة طرطوس الأحد الماضي، رواية عن إقدام مدرس على قتل بناته الثلاث ومن ثم قتل نفسه، بعد تلقيه تهديدات من أشخاص كانوا متطوعين في «الفيلق الخامس» الروسي، وذلك حسب منشور كتب عن حسابه الشخصي في موقع «فيسبوك»، وسط تشكيك كبير بصحة الرواية والاعتقاد بأن الأب ضحية جريمة قتل بشعة طالت جميع أفراد العائلة.

- تهديدات
وتناولت صحيفة «حبر» السورية الإلكترونية، والكثير من الصفحات على موقع «فيسبوك» الحادثة وصور الأب والفتيات الثلاث، وعرضت منشوراً للأب الذي يعمل مدرس رياضيات، نشر على حسابه في «فيسبوك»، ويتحدث فيه عن سبب قتله لنفسه ولبناته الثلاث، قبل أن يتم حذف المنشور فيما بعد.
وجاء في المنشور: «الأصدقاء الكرام... عندما تقرأون أكون قد انتحرت وقتلت بناتي، بسبب تهديدات المدعو (أ ع) الذي يقطن طرطوس، والذي سأرفق صورة صفحته وبعضاً من صوره من صفحته على (فيسبوك) وتهديداته نتيجة لعمل طلبه ولم أتمكّن من إنجازه في الوقت المحدد في 27 الشهر، أي اليوم، وخلافنا كان على ثلاث ساعات تأخير، أي للساعة التاسعة ليلاً بأقصى حد، ولأسباب قاهرة يعرفها وشرحتها له تفصيلياً ولم يحاول تقبلها أو تفهمها، بسبب جماعته التي تضغط عليه حسب قوله».
ويذكر المنشور أن «تهديدات (أ) كانت بخصوص قتلي وقتل بناتي وحرقنا كما هو مُوضَّح في تسجيل صوتي له في التاب الخاص بي، وهو تسجيل اليوم، وهو ومن وراءه قادرون على ذلك».
ويشير المنشور إلى أسماء أخرى منهم أخوه «متورطين بسرقة أسلحة وذخيرة وبيعها قبل نحو 3 سنوات عندما كنا متطوعين في الفيلق الخامس منذ 3 أعوام».
ويشكك عدد كبير ممن قرأوا المنشور، بأن يكون هو من كتبه، ويرجحون بأن ما حصل هو جريمة مروعة طالت جميع أفراد العائلة بمن فيهم غدير، وأن القتلة هم من قاموا بكتابة المنشور بعد ارتكاب الجريمة لإبعاد الشبهات عنهم، وأن الحقيقة عند زوجته المصابة التي ما زالت على قيد الحياة.
ووفق تقارير صحفية، فإن مصادر مطلعة على ملابسات الجريمة، أكدت أن الأب قتل بأربع رصاصات واحدة منها في ظهره، وهو ما يجعل فرضية انتحاره بعد قتل أسرته غير صحيحة على الأرجح، إذ كيف يمكن أن يقوم بإطلاق أربع رصاصات على نفسه!
وفي الوقت نفسه، يرى العديد من المواطنين أن هناك أسباباً كثيرة تدفع البعض للانتحار وتتمثل في الفقر والبطالة والتفكك العائلي والاجتماعي والتنمر، والعنف والأسباب العاطفية، والفشل بالدراسة، إضافة إلى الفلتان الأمني وممارسة ذوي النفوذ من قادة وعناصر الميليشيات ضغوطاً كبيرة على المواطنين.
وتقول سيدة في العقد الرابع من العمر لـ«الشرق الأوسط»، إن «أغلب مسؤولي الأسر باتوا غير قادرين على تأمين قوت أبنائهم ولا متطلبات متابعة دراستهم، ولا الدفاع عن بناتهم في الشوارع عند تعرضهن للتحرش من قبل مسلحين أو بلطجية، والشباب معظمه عاطل عن العمل»، وتضيف: «في ظل هذه الظروف بات الموت بالنسبة للكثيرين أفضل من الحياة».
وكشف رئيس الطبابة الشرعية في الحكومة السورية زاهر حجو في تصريحات أدلى بها مؤخراً عن ارتفاع نسبة حالات الانتحار في سوريا مؤخراً، بحسب إحصائية أجريت في بداية سبتمبر (أيلول) الجاري، وقال إنه تم تسجيل 116 حالة منذ بداية عام 2020. وبيّن أن الشنق كان هو الأكثر اتباعاً (48 حالة)، يليه الطلق الناري (27 حالة)، ورمي النفس من الأماكن العالية (18 حالة)، والتسمم (16 حالة).
وشملت الإحصائية جميع المحافظات السورية باستثناء محافظات «إدلب والرقة ودير الزور» الخارجة عن سيطرة الحكومة، وتوزعت: حلب 23 حالة، وريف دمشق 18، ودمشق وحمص 14 حالة في كل منهما، وحماة 10، والسويداء 9، ودرعا 2، والقنيطرة حالة انتحار واحدة، في حين شهدت اللاذقية زيادة ملحوظة في حالات الانتحار مؤخراً حيث بلغت 18 حالة.
وسبق أن أعلنت الهيئة العامة للطب الشرعي التابعة للحكومة السورية، أن عدد حالات الانتحار خلال العام الماضي بلغت 124حالة؛ 76 ذكور، و48 إناث.
- أسباب نفسية
وتشهد مناطق الشمال السوري، إدلب ومناطق عفرين، في الآونة الأخيرة، حالات انتحار بين المواطنين، لأسباب نفسية وصحية، وتردي الأوضاع المعيشية لدى غالبية المواطنين وتحديداً النازحين. ويقول الناشط الحقوقي سعيد الحسين لـ«الشرق الأوسط»، إن «غياب القانون الذي يحد من العنف في أوساط المجتمع الذي يعقبه غالباً حالات قتل وانتحار، فضلاً عن تردي الأوضاع المعيشية لدى المواطنين والنازحين، تعد عوامل رئيسية تدفع بالأشخاص إلى الانتحار».
ويضيف أنه تم توثيق أكثر من 8 حالات انتحار لمواطنين بينهم نساء خلال أقل من 6 أشهر، مع عودة هذه الظاهرة إلى الواجهة خلال الآونة الأخيرة، حيث قبل أسبوعين أقدمت سيدة عمرها 33 عاماً، نازحة من منطقة سجنة جنوب إدلب، في منطقة أطمة شمال سوريا، على الانتحار نتيجة العنف الممارس عليها من قبل زوجها، بعد تناولها حبوب سامة أدت إلى الانتحار، بالرغم من أن لديها 3 أطفال.
«س. ع» أرملة تعيل 4 أطفال وتقيم في مخيمات دير حسان التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة، تقول: «فكرت بالانتحار عدة مرات، وفي كل مرة تراودها وتقرر فيها الانتحار كانت هناك أسباب قاهرة تدفعها لذلك»، لافتة إلى أن أول مرة فكرت وحاولت فيها الانتحار قبل نحو 3 أشهر عندما تعرض ابنها ذو الـ5 سنوات للحرق بـ«البابور الكاز» أثناء طهي الطعام في الخيمة التي تؤويها وأطفالها وتعرضه لحروق شديدة، لتغلق أبواب المساعدة بوجهها وعدم تمكنها من معالجة ابنها فقررت الانتحار على ألا ترى ابنها يتألم نتيجة الحروق.
وفي المرات اللاحقة كانت نتيجة عدم توفر الطعام لأيام أو أي شيء يسد رمق الأطفال، الأمر الذي دفعها للتفكير بالانتحار، لكن انحسار تفكيرها لحظة الانتحار عن تدبير أطفالها أنفسهم بعد موتها يدفعها إلى التراجع عن ذلك، لتقرر في النهاية أن تعمل منظفة في أحد مشاغل الخياطة النسائية لتحصل على ما يمكنها من العيش وأطفالها وتتخلص من فكرة الانتحار.
من جهته، يقول الناشط أيمن بكور إن 6 أشخاص حاولوا خلال الآونة الأخيرة الانتحار عبر رمي أنفسهم من أبنية عالية في محافظة إدلب، إلا أن حالة واحدة فقط أدت إلى الوفاة، وبعد تدخل الجهات الأمنية والكوادر الطبية ونقل تلك الحالات إلى المشافي تبين أن لديهم أمراضاً نفسية مع إخضاعهم للعلاج والتخلص من ميول الانتحار الذي يراودهم بشكل متكرر. ويضيف أنه يتوجب على المنظمات الإنسانية والصحية إطلاق حملات توعوية تمكن المواطنيين من التغلب على صعوبات الحياة، تحديداً النازحين منهم لحمايتهم من الانتحار، وشدد على أنه بالوقت ذاته على المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية رفع مستوى نشاطها لدعم للمواطنين وسد حاجتهم حتى لا يكون الفقر عنصراً أساسياً في إصابتهم بأمراض نفسية وصحية تدفع في النهاية إلى الانتحار.
- حملات توعية
في شرق الفرات، ذكرت منظمة «سارا لمناهضة العنف ضد المرأة» العاملة في مناطق «الإدارة الذاتية»، في تقرير صُدر بمناسبة (اليوم العالمي للانتحار)، أن 16 حالة انتحار وثقتها خلال العام الجاري حتى بداية سبتمبر (أيلول)، وتراوحت الفئات العمرية للمنتحرات بين 18 سنة و35 سنة.
وقالت الإدارية نجاح آمين إنهم وثقوا حتى بداية الشهر الحالي 16 حالة انتحار في مناطق الإدارية الذاتية. وتعزو الأسباب إلى الحرب الدائرة منذ 9 سنوات ونيف التي خلقت أزمات حقيقية على كل الأصعدة، «ما أفرزته بتعميق الشعور بالإحباط واليأس لدى كثير من الأفراد نساءً ورجالاً، نتجت عنها حالات القتل والانتحار، ولا تزال المرأة صاحبة النصيب الأكبر من هذه الضغوطات بالأسرة والمجتمع».
وتعمل منظمة «سارا» النسوية منذ شهر يوليو (تموز) 2013، وتجمع الإحصاءات والبيانات الخاصة بالانتهاكات والخروقات التي تطال الفتيات والنساء وحقوقهنّ؛ من هيئات المرأة وديوان المحاكم المحلية ونشرات الضابطة الشرطية، بحسب آمين.
وبمناسبة اليوم العاملي للانتحار الذي صادف يوم 9 من الشهر الحالي، أصدرت تقريراً مفصلاً عن حالات الانتهاك التي طالت الفتيات والنساء على مستوى شرق الفرات، وذكرت آمين أن التقرير شمل بيانات الانتهاكات الواقعة خلال العام الجاري: «تعرضت 5 نساء للتهديد بالقتل، وتقدّمت 288 سيدة بدعاوى أمام المحاكم المختصة بدعاوى العنف الأسري، وسجلنا 11 حالة تعرضن للتحرّش الجنسي، وتمّ توثيق 46 حالة زواج قاصر كما تعرّضت 3 فتيات للاغتصاب»، إضافة إلى 23 سيدة تعرضت للقتل، و27 حالة دعارة و124 واقعة لتعدد الزوجات، و27 حالة خطف، و4 حالات خيانة زوجية، بحسب التقرير نفسه.
ومن بين الحالات التي رصدتها المنظمة، أقدمت سيدة متزوجة نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، على الانتحار عبر مسدس بعدما أطلقت النار على نفسها بمنزل والدها، حيث كانت تبلغ من العمر 22 سنة ولديها طفلة عمرها سنة، وأخبرت آمين: «من خلال متابعتنا تبين أن سبب الانتحار خلاف عائلي نشب بينها وبين زوجها، مع العلم أن خلافاتهما كانت مستمرة، والتمسك بالعادات والتقاليد حالت دون طلب الطلاق واللجوء للمحاكم المحلية».
ودعت المسؤولة الكردية جميع المنظمات المدنية والنسوية والمؤسسات والهيئات الحكومية، إلى الوقوف عند هذه الحالات وتزايد عددها في مناطق الإدارة، للعمل على الحد منها حفاظاً على تماسك المجتمع، ولفتت آمين إلى أن «منظمتنا بالتعاون مع جهات شريكة عقدنا ندوات حوارية، وقمنا بحملات توعوية وتوزيع مناشير والتنسيق مع المراكز النفسية لمعالجة الحالات المرضية، للحد من حالات الانتحار والقتل التي باتت تهدد المجتمعات».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.